أعاجيب يسوع ومدلولها

 

 

 

أعاجيب يسوع ومدلولها

 

 

تؤلّف أعاجيب يسوع ومعجزاته في الإنجيل جزءًا هامًّا من شخصيّته التاريخيّة. فلا بدّ إذن من التكلّم عنها في إطار أحاديثنا حول يسوع المسيح والإنجيل. هذا وقد كثُر الجدال في أعاجيبه هذه منذ عهده وحتّى أيّامنا.

فمنهم من ينكرها جملة وتفصيلاً، ومنهم من ينكر بعضها ويفسّر بعضها الآخر تفسيرًا طبيعيًّا، ومنهم من يؤمن بها إيمانًا تامًّا، بل وحرفيًّا أيضًا.

وقبل أن نتحدّث عن تاريخيّتها ومدلولها وطريقة فهمها فهمًا صحيحًا، لا بدّ من تمهيد نعرض فيه لموقف العلم من الأعجوبة عمومًا، ثمّ نورد بعض المحاولات في تفسيرها تفسيرًا يقبله العلم والإيمان على السواء.

 

                   1ـ واقع الأعجوبة وتفسيرها

 

الأعاجيب والعلم

 

رفض الفلاسفة العقلانيّون الاعتراف بالأعاجيب بحصر المعنى. وقد امتدّت نزعتهم هذه حتّى الربع الأوّل من القرن العشرين. أنكر بعضهم تاريخيّتها، وفسّرها بعضهم الآخر تفسيرًا طبيعيًّا كما فعل أحدهم كارل كليمان إذ قال: "إنّ عبارة يسوع عندما أقام ابنة يائيرس (لم تمت ولكنّها نائمة) (مر5، 39) تعني أنّها مصابة بحالة غيبوبة مرضيّة". ويزعم أيضًا بعضهم أنّ الأشفية التي لها علاقة بالحياة النفسيّة أو العصبيّة ليست إلاّ نتيجة لوقع شخصيّة يسوع وتأثيره على المرض.

غير أنّ هذا الموقف ليس موقفًا علميًّا، بل هو موقف فلسفيّ. لا يستطيع العلم بمعناه الحصريّ أن يفسّر الأعاجيب تفسيرًا وافيًا، إذ لا يمكنه التحدّث إلاّ عمّا يقع تحت الحواس والاختبار. لذلك يقوم دوره على تفسير العالم والأحداث باكتشاف أسبابها، منطلقًا من تكرار الحادثة نفسها ومن اليقين بأنّ الطبيعة تخضع لقوانين ثابتة يعود اكتشافها إلى العلم.

وبالنسبة إلى العلم لا وجود "لأعجوبة" أو "معجزة"، بل مجرّد ظاهرة غريبة تخضع للبحث. وإذا لم يتوصّل عالم من العلماء إلى تحديد الأسباب لتفسيرها، فعليه أن يعترف بجهله ويستمرّ في البحث. فالمكتب الطبيّ في مدينة لورد، عندما تُعرض عليه حادثة شفاء، يدرسها درسًا مستفيضًا، ثمّ يصرّح عادة: "هذا الشفاء ليس له تعليل علميّ حاليًا". أمّا إذا ادّعى الطبيب أو العالم أنّه يستحيل وجود قوى فوق الطبيعيّة، فإنّه يخرج من نطاق العلم، ولا يمكن أن يُعدّ موقفه بالتالي موقفًا علميًّا.

    محاولات لتفسير الأعاجيب

 

يقال عادة إنّ العجائب والمعجزات هي اختراق للقوانين التي وضعها هو؟ وهناك محاولات أكثر إيجابيّة في تفسير ظاهرة الأعجوبة. يقول الطبيب شارل نوديه في تفسيره المعجزات: "إنّ الله يعمل كسبب أوّل بصورة عجيبة، إذ يوقف الأسباب الثانية". ولكن الكثيرين هم الذين لا يقبلون اليوم بأن يقوم تدخّل الله على إيقاف مفعول العلل أو الأسباب الثانية.

 

غير أنّ هناك طريقة ثالثة في تفسير الأعجوبة، وهي أن نقول بأنّ ما يجري في الأعجوبة يسمو على قوانين الطبيعة. فعندما يسمح الله بأعجوبة فإنّه لا يخترق هذه القوانين بقدر ما يستخدمها. فكلّ شيء يحدث وكأنّ الله، مصدر الحياة، يمنح المريض حيويّة زائدة بحيث يُشفى بطرفة عين من مرض يتطلّب زمنًا طويلاً ليُشفى منه أو قد لا يُشفى منه. والشفاء الفائق الطبيعة ليس إلاّ ظاهرة طبيعيّة تتعدى باتّساعها وسرعتها نطاق القوانين الطبيعيّة. فالأعجوبة تغيّر وتكثّر وتشفي، لكنّها لا تخلق. إنّها تسمو على قوانين الطبيعة ولكنّها لا تخالف.

 

 

  معنى الأعجوبة وطريقة نظرنا إليها

 

لقد تبيّن لنا حتّى الآن أنّ كلمة أعجوبة تتخطّى كلمة معجزة في الاستعمال، ذلك لأنّ المعجزة هي عمل خارق يعجز الإنسان على الإتيان بمثله. فهي غالبًا ما تُفحم المشاهد وتسكته. أمّا الأعجوبة فهي عمل خارق، يشير إلى ما يشيره في الإنسان من تعجّب وتساؤل. إنّها آية وإشارة.

فهناك طريقتان في النظر إلى الأمور. إذا قدّمت مثلاً زهرة إلى عالم النبات، يكون ردّ فعله ردّ فعل عالم اختصاصيّ، فيسأل: ما هذا؟ فيحلّل الزهرة ويصنّفها. وإن قدّم شاب زهرة إلى خطيبته، فإنّها ترى فيها رسالة، لأنّ هذه الزهرة تعبّر عن شيء ما، فيكون سؤالها: ما معنى هذا؟

فالأعجوبة هي علامة وإشارة يوجّهها صانعها إلى الإنسان من خلال العمل الخارق، وتدعو بما تثيره من العجب والتعجّب إلى الانتقال من واقع الحدث إلى الاستفسار عن معناه وعن مصدره وهدفه. فالأعجوبة ليست برهانًا بقدر ما هي آية وعلامة وإشارة.

والأعجوبة لا يعترف بها إلاّ المؤمن، إذ لا تعدّ الهديّة بين صديقين هديّة، ما لم يقم بينهما رابطة صداقة، أو على الأقلّ حدًّا أدنى من المعرفة يجعلهما يكتشفان في الهديّة علامة صداقة. فالشيء الذي يعرضه مجهول في الشارع على إنسان آخر يكون سؤالاً لا علامة.

 

 أمّا في نظر غير المؤمن ، فالأعجوبة هي مجرّد سؤال. فلنأخذ مثلاً أحداث العنصرة. لا شكّ أنّ ما جرى هو حدث خارق، لا سيّما عندما أخذ التلاميذ يمجّدون الله بلغات غريبة عنهم. فتجمّع الناس حولهم وأخذوا يتساءلون عمّا جرى ويبحثون عن تفسير طبيعيّ لهذه الظاهرة، فقالوا عن التلاميذ إنّهم سكارى. أمّا المؤمنون فأدلوا بشرحهم وقالوا: لسنا بسكارى، بل هذه هي علامة الرّوح القدس.

 

 

      2ـ أعاجيب يسوع وتاريخها

 

مكانة الأعاجيب في الإنجيل

 

حين نقرأ الأناجيل، يظهر لنا يسوع صانع عجائب، علمًا بأنّ الأعاجيب تشغل فيها مكانًا هامًّا. والمجادلات التي قامت حول يسوع لم تستهدف قدرته على اجتراح المعجزات، بل استهدفت مصدر هذه القدرة، فعزاها خصومة إلى الشيطان. ويصعب علينا من ناحية أخرى أن نُحصي عددها بدقّة. فمنها ما يبدو مكرّرًا كالصيد العجائبيّ: (لو5،1 ويو21، 3). وهناك، في إنجيل متّى، خلاصات (15، 29ـ 31) عن عجائب كثيرة. فإذا أحصيناها جميعها وأهملنا ما هو مكرّر، وتركنا جانبًا الملخّصات تبقى عشرون أعجوبة يختلف بعضها عن بعض تمامًا.

 

صياغة قصص الأعاجيب الإنجيليّة

 

لم يختلق الإنجيليّون أحداث الأعاجيب التي رووها مع وقائعها، بل استمدّوها من مصادر كتابيّة أو شفهيّة موثوق بها، كما ذكره لنا لوقا في مقدّمة إنجيله. أمّا طريقة صياغتها وروايتها، فقد تمّت في الوسط الشعبيّ الفلسطيني، وعلى نمط رواية العجائب والمعجزات المعروفة آنذاك في الآداب اليونانيّة واليهوديّة. فقد رُويت تلك المعجزات على نمط متشابه، وتكوّن فنّ أدبيّ خاصّ.

  كانوا يقصونها على النحو التالي: مقدّمة ووصف الحالة، عرض الطلب والإيمان، تدخّل الشافي، التحقق من الشفاء، ردّ فعل الجمهور من تعجّب أو رفض. هذا وكان الذين يجمعون المعلومات المتعلّقة بأعاجيب يسوع يعرفون هذا الفنّ الأدبيّ. فلا عجب أن يكون هذا الفنّ قد ترك بصماته في رواية أعاجيب يسوع وصياغتها.

 

مميّزات الأعاجيب الإنجيليّة

 

إذا تأثّر الأسلوب الأدبيّ المتعلّق برواية أعاجيب يسوع بنماذج أدبيّة قديمة شائعة آنذاك في الأوساط الفلسطينيّة، فإنّه كان أيضًا مطبوعًا بطابع يسوع الخاصّ وبطابع رسالته. وإذا قارنّا بين معجزات العهد القديم وخوارق بقيّة الأديان، استطعنا أن نستخرج ميزات أعاجيب يسوع وخصائصها.

نقول إنّها تتّسم أوّلاً بسمة الطبيعيّة والبساطة، ونادرًا ما كان يسوع يستعمل فيها وسائل ماديّة (مرّة واحدة فقط تَفَلَ وجبل طينًا وطلى به عينَى الأعمى منذ مولده، يوحنّا 9)، كما كان يستعمل أمام المرضى أدنى حدّ مُمكن من العبارات والحركات.

وكان يسوع نفسه هو صاحب الأعجوبة، ونادرًا ما كان يلجأ إلى الصلاة قبل القيام بها. كان يشفي بمجرّد كلمة يلفظها وأمر يُصدره. قال للأبرص: "قد شئت فابرأ" (متّى8، 4). ولمس بيده حماة بطرس، فأقلعت عنها الحمّى (متّى 8، 14). وكان أحيانًا يشفي عن بعد، كما فعل في حالة خادم قائد المائة (8، 10ـ 13) ومن غير أن ينبس بكلمة.

 

ونلاحظ أنّنا لا نجد في الأناجيل أعاجيب عقابيّة، وقد رفض أن يُنزل الصاعقة على قرية السامرييّن كما طلب منه تلاميذه (لو9 ،55).

وكانت الأعاجيب ترتبط بإيمان طالب الشفاء أو مَن يرافقه. قال للمرأة المنزوفة: "إيمانك خلّصك"(متّى9، 22)، ولقائد المائة: "ليكن لك على قدر ما آمنت" (متّى8، 13).

وكانت أعاجيب يسوع أخيرًا تُظهر معنى رسالته ومهنته الخلاصيّة. قال للمقعد: "يا بنيّ، غفرت لك خطاياك" (مرقس2، 12).

 

أعاجيب يسوع وتاريخيّتها

 

هناك حقيقة ثابتة وهي أنّ أعاجيب يسوع هي جزء من شخصيّته التاريخيّة، ويمكن تصنيفها في فئتين: الأعاجيب على عناصر الطبيعة وأعاجيب شفاء شياطين وطردهم. ونكتشف في كلّ من الفئتين معاني رمزيّة خاصَّة بيسوع وبرسالته، ممّا يُضفي عليها الصفة التاريخيّة، وينفي عنها إمكانيّة اختلاقها أو مجرّد اقتباسها من الآداب القديمة.

 

الأعاجيب على عناصر الطبيعة من تهدئة عاصفة وتكثير الخبز والسير على المياه وتحويل الماء إلى خمر وصيد عجائبيّ. نلاحظ  فيها معاني رمزيّة تربطها مباشرة بشخصيّة يسوع وتضفي عليها الصفة التاريخيّة. فتهدئة العاصفة مثلاً تشير إلى سيطرة يسوع على الشرّ، والصيد العجائبيّ يشير إلى نجاح رسالة الرسل، وتذكّرنا أعجوبة تكثير الخبز بمنّ الصحراء وتشير إلى أنّ يسوع يؤمّن لنا الحياة والخلاص. هذا ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه الأعاجيب لا تهدف إلى التعليم والإرشاد. فدور المعجزة فيها كعمل خارق لا يأتي إلاّ في المرتبة الثانية. إنّها تدعو أوّلاً إلى التساؤل والاستفسار.

كانت أحداث الشفاء وطرد الشياطين منتشرة في زمن يسوع.

 

ما الذي يجعلنا نثبت تاريخيّة أعمال يسوع المماثلة، وما الذي يميّزها عن أعمال معاصرة، للتحقق من صحّة حدوثها ومن تاريخيّتها؟

 

نقرأ في متّى قول يسوع هذا: "أمّا إذا كنتُ أنا بروح الله أطرد الشياطين، فقد وافاكم ملكوت الله" (12، 28). ومفاد هذه العبارة أنّ طرد يسوع للشياطين هو علامة حلول الملكوت. وفكرة المسيح هذه أصليّة في الإنجيل، ونجدها في مرقس مقترنة بكلمة "بشارة" :"حان الوقت واقترب الملكوت، فتوبوا وآمنوا بالبشارة" (1، 15). فلدينا إذن في هذا النصّ مستند قويّ يثبت أنّ يسوع قد طرد الشياطين حقًّا.

 

وهناك في نصّ متّى المذكورعبارة أخرى تثبت ذلك أيضًا، وهي التهمة الموجّهة إلى يسوع من قبل خصومه حين قالوا: "إنّما هذا يطرد الشياطين ببعل زبول سيّد الشياطين" (متّى 12، 24). إنّنا هنا إزاء حدث تاريخيّ، إذ لا يمكن أن نتصوّر بأنّ الجماعة المسيحيّة البدئيّة قد اختلقت هي نفسها هذه التهمة الشنيعة التي تحطّ من قدر يسوع. وسواء أكانت هذه التهمة قد وجّهت إلى يسوع في أثناء حياته أم قد اختلقها اليهود في ما بعد، في جدالهم مع المسيحيّين، فذلك يبيّن لنا بوضوح أنّ شهرة يسوع كانت شهرة صانع عجائب وطارد الشياطين، وأنّ أعداءه أنفسهم قد اعترفوا له بذلك، ولكنّهم نسبوا قدرته هذه إلى الشيطان، وصنّفوه في عداد مَن كان يسوع نفسه يقاومهم، أي الشيطان.

 

 

ونقول بوجه عامّ إنّ المجادلات التي دارت حول أعاجيب يسوع، لم تدُر حول واقعها وحقيقتها، بل دارت حول مصدر قوّته وقدرته على اجتراحها. لم ينكر رئيس المجمع أنّ يسوع قد شفى المرأة المنحنية الظهر، إنّما آخذ يسوع على القيام بذلك يوم السبت (لو13، 16). وكذلك حالة الأعمى منذ مولده. لم ينكر الفرّيسيّون أنّ يسوع قد فتح عينيّ الأعمى، بل استنكروا صنيعه هذا لأنّه قام به يوم سبت، قالوا: "ليس هذا الرجل من الله، لأنّه لا يحفظ شريعة السبت" (يو9، 16).

ونلاحظ أخيرًا أنّ الكرازة المسيحيّة البدئيّة، كما رواها لوقا في الأعمال، تستند غالبًا إلى أعاجيب يسوع في دعوتها إلى الإيمان والتوبة. فلو لم تكن الجماعة المسيحيّة متيقّنة من صحّتها وتاريخيّتها، لكانت تعرّضت للنقد والرفض. ونحن نعلم أنّ أحدًا من المعارضين لم يستطع دحضها.

 

 

تاريخيّة الأعاجيب وفنّها الأدبيّ

نستنتج ممّا سبق أنّ الكنيسة البدئيّة لم تخلق من لا شيء أعاجيب يسوع، بل احتفظت بأحد مظاهر مؤسّسها الرئيسة في عرضها شخصيّة يسوع كصانع العجائب وطارد للشياطين.

غير أنّ هذه الثقة بتاريخيّة أعاجيب يسوع بعامّة لا تشمل ضرورة جميع التفاصيل الواردة في كلّ منها، كما أنّها لا تتعارض مع إمكانيّة تأثير البيئة الثقافيّة في صياغتها وروايتها.

 

 ذلك أنّنا لسنا إزاء مجرّد تقارير طبّيّة أو محاضر شرطة. وعليه يجب ألاّ نتصوّر أنّ كلّ شيء في نصّ الأعجوبة قد جرى بحذافيره، لا سيّما وأنّ هناك بعض الاختلاف بين طرق عرض الأعاجيب المماثلة في كلّ من الأناجيل المتوازية.

 

 يتحدّث متّى مثلاً عن شفاء أعمييّن عند الخروج من أريحا، بينما يتحدّث لوقا عن شفاء أعمى واحد عند الوصول إلى أريحا. ممّا يبيّن لنا أنّ كلّ إنجيليّ قد استقى معلوماته من مصادر مختلفة، وألّف بينها بحسب منظوره الخاصّ، وقد اتضح لنا ذلك في الأحاديث السابقة عن الأناجيل.

فالإعتراف بوجود فنّ أدبيّ في رواية الأعاجيب قد أحدث اطمئنانًا بين المؤمنين، إذ إنّنا لسنا مرغمين على أن نضفي الصفة التاريخيّة على كلّ من التفاصيل المذكورة في رواية الأعجوبة لمجرّد ارتباطها بيسوع ابن الله.

 

3ـ مدلول أعاجيب يسوع ومكانتها في رسالته

 

لقد تبيّن لنا حتّى الآن أن نخطو خطوة جديدة محاولين أن نفهم مدلول هذه الشخصيّة ومكانتها في رسالته. نقول إنّ أعاجيب يسوع كانت في خدمة رسالته أن يعلن الملكوت ويدعو إلى التوبة. لقد كان يخاطب الناس بأعاجيبه، كما كان يخاطبهم بأمثاله ويكشف لهم عن أسرار الملكوت.

يسوع يرفض القيام بالأعاجيب ولكنّه يأتي بها أحيانًا

لقد طلبت السلطات اليهوديّة من يسوع أكثر من مرّة أن يأتي بعمل يُثبت به صحّة دعوته، كما طلب منه الكتبة والفرّيسيّون أن يُجري آية يُبرهن بها أنّه المسيح حقًّاً (متّى 12، 38و 16، 1). لكنّه رفض الاستجابة لطلبهم، لأنّ ذلك يعني إكراه الله على العمل، وتجربته. ونحن نعرف كيف دفع يسوع عنه المجرّب حين طلب منه أن يلقي بنفسه من شرفة الهيكل (متّى 4، 6)، كما نعلم أنّه، وهو على الصّليب، لم يُعر انتباهًا إلى تحدّي أحبار اليهود: "فلينزل الآن عن الصليب كي نؤمن به" (متّى 27، 42). وكان يسوع يرفض أيضًا القيام بالأعاجيب خشية أن يؤوَّل ذلك تأويلاً خاطئًا، لأنّه لم يكن بعد قد أنجز رسالته، ولم يكن بعد قد تألَّم وقبر وقام. وكان يخشى أن يتصوّره الناس مسيحًا زمنيًّا وبطلاً سياسيًّا جاء ليحرّر شعبه من المحتلّين.

 

ولكن لماذا كان يسوع يأتي بالمعجزات أحيانًا؟

 

 لقد قام يسوع ببعض الأعاجيب استجابة لطلب الإيمان. لقد شفى عبد قائد المائة لأنّه لم يرَ مثل إيمانه بين مواطنيه. ولبّى طلب الكنعانيّة الملحاح قائلاً: "ما أعظم إيمانك أيّتها المرأة، فليكن لكِ ما تريدين" (متّى15، 28).

وكان يسوع يستجيب أيضًا نداء الملهوف. وقد أبرز الإنجيليّون شفقته على البؤساء والمعذّبين. ورد في إنجيل متّى: "أخذته الشفقة عليهم" (9، 36)، وفي إنجيل مرقس: "أشفق على الأبرص فشفاه" (1، 41)، وفي إنجيل يوحنّا : "دمعت عيناه على لعازر" (11، 35).

لقد قبل يسوع مرغمًا أن يجترح الأعاجيب، لكنّه كان يحذّر دومًا مَن يشفيهم أن يخبروا أحدًا بشيء. كان يخشى أن يحوّر الناس معنى أعاجيبه، ولكنّه لم يدعهم يتغلّبون عليه. فبعد أن كثّر الخبز، علم أنّهم "يهمّون باختطافه ليقيموه ملكًا، فانصرف وعاد وحده إلى الجبل" (يو6، 15).

أعاجيب يسوع وارتباطها بالخلاص والملكوت

يبدو لنا موقف يسوع هذا من الأعاجيب موقفًا مناقضًا. لكنّنا نستطيع أن نفسّر ذلك بما يُقيم من علاقة بين كرازته من جهّة وأعماله من جهّة أخرى. فإنّ أعاجيبه كانت آيات وعلامات مرتبطة بإعلان الملكوت والدعوة إلى الإيمان والتوبة.

 

كانت الأعاجيب علامة لحلول ملكوت الله. فقد كانت إعلانًا للوقائع عن حلول ملكوت الله: "إن كنت بروح الله أطرد الشياطين، فقد وافاكم ملكوت الله" (متّى 12، 28). وهذا هو أيضًا معنى جواب يسوع لمَن أوفدكم المعمدان إليه ليسألوه هل هو المسيح الآتي، فقال: "إذهبوا وأخبروا بما تسمعون وترون. العميان يبصرون والعرج يمشون مشيًا سويًا والبرص يبرأون والصمّ يسمعون والموتى يقومون والفقراء يبشّرون" (متّى 11، 4ـ 6). فشفاء المرضى وطرد الشياطين وإقامة الموتى لا تكفي وحدها لتكون علامة عن حلول الملكوت والخلاص، كما أنّ مجرّد إعلان البشارة لا يعني حلول الملكوت. أمّا أن يشفى المرضى ويُبَشَّر الفقراء معًا، فذلك علامة على حلول الملكوت. وأن يتحرّك هؤلاء المنبوذون المفصولون عن الجماعة وعن الهيكل، على غرار الأبرص، وأن تُعاد إليهم كرامتهم الإنسانيّة، ويردّ إليهم اعتبارهم الاجتماعيّ، فينضمّون مجدّدًا إلى الجماعة، فذلك هو الإعلان العظيم عن حلول الملكوت.

 

فلا بدّ لنا أن نفهم معنى أعاجيب يسوع في ضوء تاريخ الخلاص. إنّها علامات وإشارات تشير إلى أنّ الخلاص قد بدأ يتحقّق، كما أنّها تشير إلى معالم الحياة الجديدة في الملكوت. فتكثير الخبز، كما ذكرنا، يشير إلى منّ الصحراء الذي خلّص الإنسان. وأعاجيب تهدئة العاصفة والمشي على المياه والصيد العجائبيّ لا تثبت فقط قدرة يسوع على قوى الطبيعة، بل تكشف أيضًا عن حقيقة طبيعة يسوع الإلهيّة في الانتصارعلى قوى الشرّ المتمثّلة في المياه، وفي ضمان نجاح رسالة المياه، وفي ضمان نجاح رسالة الرّسل، صيّادي الناس.

والأعاجيب هي أيضًا علامات مشيحيّة، إذ إنّه لا يمكن أن نفصل بين تعاليم يسوع وأعماله من جهّة، وشخصه من جهّة أخرى. فإذا كانت الأعاجيب تنبىء بحلول ملكوت الله والخلاص، فإنّها تطرح سؤالاً هامًّا وهو "مَن هو ذاك الذي يقوم بهذه الأعمال العجيبة؟" لم تفهم الجماعة المسيحيّة إلاّ بعد القيامة أنّ الأعاجيب ليست مجرّد إشارات إلى قدرة الله ورحمته وإلى حلول الخلاص، بل هي أيضًا إشارات إلى أنّ يسوع هو حامل هذا الخلاص والشخص المنتظر، وأنّه المسيح ابن الله الواحد، وليس مجرّد صانع معجزات.

 

هذا ما صنعه الإنجيليّون، وكلّ منهم بطريقته الخاصّة. ففي إنجيله إلى المسيحيّين من أصل وثنيّ، قدّم لنا لوقا يسوع بصفته طبيبًا إلهيًّا يشفي الإنسان من خطاياه في ما يسمّى بأمثال الرحمة(15)، وفي إنجيله إلى المسيحيّين من أصل يهوديّ، يعرض متّى عشر أعاجيب (متّى 8ـ10) قام بها يسوع في فجر الأزمنة الخلاصيّة، كأنّها جواب للضربات العشر التي ورد ذكرها في العهد القديم لتحرير الشعب.

 

وفي مرقس نلاحظ رغبته في التركيز على المجد الخفيّ في يسوع ابن الله (السرّ المشيحيّ)، ما دام يسوع لم يعان الآلام والموت.

 

 أمّا يوحنّا فقد استخرج النتائج النهائيّة من أعاجيب يسوع: فهي تكشف عن مجد الله الإبن الواحد. وإنّها علامات وآيات مشيحيّة تُظهر لنا كلّ منها زاوية من زوايا شخصيّة الإلهيّة. فآية شفاء الأعمى منذ مولده تبيّن لنا أنّ يسوع هو "نور العالم" (يو9، 5)، وآية تكثير الخبز، أنّه " خبز الحياة " (يو11، 24). وتؤكّد لنا هذه الآيات أنّ يسوع هو حقًّا ابن الله.

وكتب يوحنّا في خاتمة إنجيله أنّه "أورد هذه الآيات لكي يؤمن قرّاؤه بأنّ يسوع هو المسيح ابن الله وينالوا الحياة" (20، 31).

 

 

والأعاجيب هي علامات حاسمة يتميّز بها المؤمنون من غير المؤمنين. ذلك بأنّ عمل الله الخلاصيّ يتجلّى أيضًا في أعمال يسوع العجائبيّة، وهو يدعو من خلالها إلى الاعتراف بعمله هذا. فأعمال يسوع تلك هي إذًا نداءات إلى دنوّ حكم الله وإلى التوبة. ويدعو يسوع سامعيه إلى تجاوز مادّية أعاجيبه للاعتراف به مسيحًا ومخلّصًا، ذلك لأنّها ليست براهين قاهرة تُفرض على الإنسان فرضًا يُلزمه بالإيمان، بل هي علامات وآيات تطرح عليه سؤالاً وتتركه بعد ذلك حرًّا ليتّخذ قرارًا شخصيًّا بالقبول أو بالرفض. وهي لا معنى لها إلاّ إذا قبلها قبولاً حسنًا وأوّلها التأويل الصحيح. وبما أنّها مرتبطة بإعلان الملكوت "وأمّا إذا كنت بإصبع الله أطرد الشياطين، فقد وافاكم ملكوت الله" (لو11، 20). فقبولها  أو رفضها مفاده قبول أو رفض يسوع.

وقد أيّد الله بالمعجزات كرازة يسوع في حلول الملكوت. فهي تنير البشر وتقدّم لهم مسوّغًا ليؤمنوا. ولكن، بما أنّها تترك مجالاً للتفكير والتأويل بغية  الالتزام الشخصيّ والحرّ، فهذا المسوّغ قد يبقى غامضًا إلى حدّ ما، بحيث يستطيع غير المؤمن أن يرفض وحيّ الله ونداءه، كما فعل الكتبة عندما ادّعوا أنّ أعاجيب يسوع هي إذن علامات يتميّز بها المؤمنون من غير المؤمنين.

   

 

الخاتمة

   أعاجيب أم قيامة

تُعلّمنا بعض كتب التعليم المسيحيّ أنّ يسوع أثبت ألوهته باجتراجه الأعاجيب والمعجزات. هذا غير صحيح تاريخيًّا، لأنّ أعاجيب يسوع لم تؤوّل التأويل الصحيح، ولم يفهمها الرسل الفهم الكامل إلاّ بعد القيامة وفي ضوئها.

 

جاء في كتاب "المعجزات في الإنجيل" ما يلي: "إنّ خاصّيّة المعجزة المسيحيّة هي اتّصالها بقيامة المسيح. وقيامة المسيح هي العمل الإلهيّ الذي يفتح لنا أبواب مستقبل مطلق، لا نستطيع نحن أن نكوّنه بأنفسنا، بل نحظى به. هذه القيامة هي الكوّة التي نطلّ منها على عالمنا غير المطلق، على الخير وعلى الشرّ وعلى الموت. وهي انتصار الحياة ووعد بعالم نهائيّ هو عالم المحبّة. فلا بدّ للمعجزة، في نظر المسيحيّ، أن توجّهه نحو تلك الحقيقة".

إنّ حدث القيامة، ليس هو أعجوبة بالمعنى الحصريّ، بل هو سرّ، وسرّ لا يُدرك إلاّ بالإيمان. لذلك لا بدّ أن نربط دومًا بين الأعاجيب والقيامة.

 

 فإذا كنتُ أؤمن بأنّ الله قد تدخّل في صباح يوم الفصح، فليس لي حجّة لأن أرفض إمكانيّة تدخّله في أثناء حياته أيضًا بواسطة الأعاجيب.

 في ضوء هذا السرّ العظيم، تصبح الأعمال الخارقة علامات تنبئ بحلول الملكوت، بل يمكننا أن نضيف أنّ كلّ شيء في ضوء القيامة يصبح علامة للمؤمن، و"يصبح بدء تغيّر وجه الأرض".

 

              الأب فيكتور شلحت اليسوعيّ