إعلان سرّ تدبير الله الخلاصي المكتوم منذ الدهور

 

 

 

 

إعلان سرّ تدبير الله الخلاصي المكتوم منذ الدهور

 

إعلان سرّ تدبير الله الخلاصي المكتوم منذ الدهور

 

 (أفسس3/ 1-13).

 

لِذـلِكَ أَنَا بُولُس، أَسِيرَ الـمَسيحِ يَسُوعَ مِنْ أَجْلِكُم، أَيُّهَا الأُمَم... إِنْ كُنْتُم قَدْ سَمِعْتُم بِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ اللهِ الَّتي وُهِبَتْ لي مِنْ أَجْلِكُم، وهوَ أَنِّي بِوَحْيٍ أُطْلِعْتُ على السِرّ، كَمَا كَتَبْتُ إِلَيكُم بإِيْجَازٍ مِنْ قَبْل. حِينَئِذٍ يُمْكِنُكُم، إِذَا قَرَأْتُمْ ذـلِكَ، أَنْ تُدْرِكُوا فَهْمِي لِسِرِّ الـمَسِيح، هـذَا السِّرِّ الَّذي لَمْ يُعْرَفْ عِنْدَ بَنِي البَشَرِ في الأَجْيَالِ الغَابِرَة، كَمَا أُعْلِنَ الآنَ بِالرُّوحِ لِرُسُلِهِ القِدِّيسِينَ والأَنْبِيَاء، وهُوَ أَنَّ الأُمَمَ هُم، في الـمَسِيحِ يَسُوع، شُرَكَاءُ  لَنَا في الـمِيرَاثِ والـجَسَدِ والوَعْد، بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيل، ألَّذي صِرْتُ خَادِمًا لَهُ، بِحَسَبِ هِبَةِ نِعْمَةِ اللهِ الَّتي وُهِبَتْ لي بِفِعْلِ قُدْرَتِهِ؛ لي أَنَا، أَصْغَرِ القِدِّيسِينَ جَمِيعًا، وُهِبَتْ هـذِهِ النِّعْمَة، وهِيَ أَنْ أُبَشِّرَ الأُمَمَ بِغِنَى الـمَسِيحِ الَّذي لا يُسْتَقْصى، وأَنْ أُوضِحَ  لِلجَمِيعِ مَا هُوَ تَدْبِيرُ السِّرِّ الـمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ في اللهِ الَّذي خَلَقَ كُلَّ شَيء، لِكَي تُعْرَفَ الآنَ مِن خِلالِ الكَنِيسَة، لَدَى الرِّئَاسَاتِ والسَّلاطِينِ في السَّمَاوات، حِكْمَةُ اللهِ الـمُتَنَوِّعَة، بِحَسَبِ قَصْدِهِ الأَزَلِيِّ الَّذي حَقَّقَهُ في الـمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا، الَّذي لَنَا فيهِ، أَيْ بِالإِيْمَانِ بِهِ، الوُصُولُ بِجُرْأَةٍ وثِقَةٍ إِلى الله. لِذ,لِكَ أَسْأَلُكُم أَنْ لا تَضْعُفَ عَزِيْمَتُكُم بِسَبَبِ الضِّيقَاتِ الَّتي أُعَانِيهَا مِنْ أَجْلِكُم: إِنَّهَا مَجْدٌ لَكُم!

 

 

 1. بولس الرسول وتدبير سرّ الخلاص في العهدين القديم والجديد.

 " تدبير سرّ الخلاص المكتوم منذ الدهور في الله" معروف في الكتب المقدسة بلفظة " عهد". قطعه الله مع شعبه في القديم مع نوح وابراهيم ويعقوب (اسرائيل) وموسى وداود، ثم ختمه في ملء الأزمنة بدم المسيح، ابن الله المتجسّد، فكان العهد القديم والعهد الجديد، العهد اليهودي والعهد المسيحاني، عهد الشريعة والحرف وعهد الايمان والنعمة، عهد الرمز وعهد الخلاص.

  تكلّم بولس الرسول في رسائله عن هذين العهدين. لكنا نتوقف هنا عند "عهد المسيح بدمه".  في رسالته الى اهل كورنتس نقل بولس التقليد المسيحي الذي تسلّمه من الرسل، وهو كلمات يسوع في عشائه السّري حيث قال: " هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي. فكلما شربتم منها، اصنعوا هذا لذكري" ( 1كور 11/25).

 

 "العهد والدم" يعنيان أنّ الله ختم عهده الخلاصي مع شعبه، أي الجنس البشري بأسره، بدم ابنه الوحيد المراق على الصليب لمغفرة الخطايا والحياة الابدية ( كلمات التقديس في الليتورجيا المارونية). تكتمل كلمات بولس الرسول بكلمات الإنجيليين متى ومرقس ولوقا: إنّه العهد الجديد بدمي المراق من أجلكم ومن أجل الكثيرين لمغفرة الخطايا (لو22/20؛ متى 26/28؛ مرقس 14/24).

هذه كل عناصر العهد الجديد.

إنّ صورة الدم مأخوذة من العهد الذي قطعه الله مع موسى، كما يورده سفر الخروج (24/1-8). عندما روى موسى للشعب أقوال الرب وأحكامه، أجاب الشعب بصوت واحد: "كل ما تكلّم به الرب نعمل به". فكتب موسى جميع كلام الرب، وبنى مذبحًا وأصعد محرقات وذبح ذبائح سلامية من العجول للرب، وأخذ نصف الدم وجعله في طسوت ورشّ النصف الآخر على المذبح. وأخذ كتاب العهد فتلاه على مسامع الشعب وقال: " كل ما تكلّم به الرب نفعله ونسمعه". ثم أخذ الدم ورشّه على الشعب وقال: "هوذا دم العهد الذي قطعه الله معكم على جميع هذه الاقوال".

"دم المسيح المراق في ذبيحة القداس"  يختم بطابع أبدي عهد المسيحيين مع الله وفعل الروح القدس. وهكذا يرتقي بنا العهد الجديد من المستوى المادي إلى قيم الروح، والمسيح من جهته، في هذا العهد، يأخذ على عاتقه مصير البشر ويعيش ويموت من أجلهم، وفقا لنشيد أشعيا عن خادم الله: "حمل آلامنا واحتمل أوجاعنا. طُعن بسبب معاصينا، وسُحق بسبب آثامنا. نزل به العقاب من أجل سلامنا، وبجرحه شفينا" ( اشعيا 53/4-5).

 

2. سرّ تدبير الخلاص المعلن لبولس الرسول

 

 يؤكد بولس الرسول أنّه " بوحي اُطلع على سرّ المسيح وهو أنّ الوثنيين (الأمم) هم، في المسيح يسوع، شركاء لنا في الميراث والجسد والوعد، بواسطة الانجيل. هذا هو تدبير السّر المكتوم منذ الدهور في الله الذي خلق كل شيء" (اف3/3 و6 و9 ).

 

 وإذ يكتب لأهل أفسس من السجن، يشجعهم على التمسك بالرجاء وسط المحن، فإنّ تدبير الله الخلاصي الشامل جميع الناس فاعل في التاريخ: "اسألكم ان لا تضعف عزيمتكم بسبب الضيقات التي اعانيها من اجلكم: انها مجد لكم" (ف3/13).

 

ويؤكد بولس أنّ سرّ تدبير الخلاص الذي كان معلنًا بالرموز في العهد القديم، أعلن بجوهره " بالروح للرسل القديسين والانبياء"، وهو " صار خادمًا له بحسب هبة نعمة الله وقدرته" (افسس 3/5 و7). إنّ " سرّ تدبير الله الخلاصي" لا يُعرف بالعقل والعلم، بل بالوحي الإلهي. فهو حكمة الله المتنوعة التي تُعرف الآن من خلال الكنيسة وحدها، وقد اتُمنت عليه (أفسس3/10).

 

مار بشارة بطرس الراعي