إنّه قد أخذ عاهاتنا

 

 

 

إنّه قد أخذ عاهاتنا

 

 

نشيد عبد يهوه المتألم 

 

في أشعيا نقرأ أربعة أناشيد أعتبرت مسيحانيَّة منذ القديم فتأمَّل فيها الآباء، وقرأوا فيها الإنجيل قبل الإنجيل. النشيد الأوَّل (أش 42/ 1) ، وهو يحمل العزاء إلى شعب معذَّب ينتظر العودة من الضّيق. والنشيد الثاني (أش 49/ 2) يأتي في إطار عودة المنفيّين وتجمُّعهم في أورشليم. هو يكون "نورًا للأُمم وخلاصًا إلى أقاصي الأرض" (أع 13/ 47؛ لو 2/ 32 وكلام سمعان الشّيخ). النشيد الثالث (أش 50/ 4) يرينا "عبد يهوه" مطيعًا للربِّ بالرّغم من الآلام التي تحمَّل:

(الآية 4).

 

أدوناي (السيِّد) يهوه (الربّ)

في البداية قالت السّبعينيَّة: الربّ، الربّ Kurio V, Kurio V. أي الربُّ لا غيره. فعابد الربّ لا يسمع للبشر ولا يسير بحسب طرقهم. التلميذ هو من يتعلَّم. ولكنَّ "اللّسان" يحتاج إليه من يعلِّم. لهذا قال الترجوم: "لأُعلِّم". صار "عبد الربّ" معلِّمًا، وسوف يقول كلمة الحقِّ، وإن ضُرب على فمه كما نقرأ في يوحنّا (يو 8/ 22). يجب على من دعاه الله أن يتكلَّم "ليغيث" التعبين الذين وصل بهم اليأس إلى حافّة الموت. أما هكذا يكون النبيّ: يساند، يساعد، يسير مع جماعة العائدين إلى مدينة الربّ.

 

اللّفظ "كلمة" يرد وحده. فالكلمة تحمل قوَّتها في ذاتها، لأنّها كلمة الربّ. قال الترجوم الأراميّ: "كيف يعلِّم الحكمة للأبرار الذين يتوقون إلى أقوال شريعته (شريعة الربّ)". أمّا السّبعينيّة فقرأت "ل ع و ت" (لغوث) على أنّها "ع ت" (وقت، زمن) فقالت: وحين يكون من الضروريّ أن أقول كلمة hnika dei eipein logon.

ويتردَّد لفظ "الصباح" (ب ب ق ر، باكرًا) مرَّتين، للدّلالة على الإستعداد الكبير. في الصّباح الباكر. وربَّما يكون المعنى: صباحًا بعد صباح. كلَّ يوم يوقِظ الله "عابده"، ينبِّهه لئلاّ يتراخى. تركت السّبعينيَّة مرَّة لفظ "صباح" prwi. هو "تلميذ" مثل التلاميذ (ك ل م و د ي م). هنا نتذكَّر علاقة المعرفة بين الآب والابن كما يشدِّد عليها يوحنّا في الفصل الخامس، كما في الفصل الثامن.

(الآية 5).

أدوناي (السيِّد) يهوه (الربّ) فتحَ لي أذنًا، ما تمرَّدت ولا عدتُ (تراجعت) إلى الوراء". هنا نتذكَّر صعود يسوع إلى أورشليم في لوقا (لو 9/ 51): "صلَّب وجهه"، جعله صلبًا كالصوّان، وصعد لا يهاب شيئًا. هنا نقرأ أشعيا (أش 50/ 7): "أدوناي يهوه يساعد إيّاي (= يساعدني)، لذلك ما أُخجلت (لم أخضع للخجل). لذلك جعلت وجهي كالصوّان وعرفتُ أنّي لا أخزى". ونجد وصفًا لشخص يتعذَّب بين أيدي جلاّديه ويُحتقر. فرأت الأناجيل في هذا الكلام صورة عن يسوع.

(الآية 6).

 

أُعطيتُ ظهري للضاربين، لحيتي (ل ح ي ي) للناتفين، وجهيَ ما سترتُ من العار والبصاق". قال (متّى 26/ 68): "حينئذٍ بصقوا في وجهه ولكموه، وآخرون لطموه". وقل في (متّى 27/ 30) وز: "وبصقوا عليه، وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه".

ويبقى النشيد الرّابع والأخير (أش 52/ 13 - 53/ 12): "عابد الربّ" يُضطهد بيد البشر، ولكنَّ الله يعظِّمه ويرفعه، ليكون ينبوع سلام للذين رفضوا نداء الربّ.

في البداية يتكلَّم الله (أش 52/ 13 - 15) فيعلن كم يرتفع "عابده" بعد أن نال الذلَّ من قبل: "هوذا عبدي ينجح، يتعالى، يرتقي، يتسامى". لهذا كانت الدّهشة مسيطرة بحيث أنَّ الملوك أنفسهم صمتوا "سدُّوا أفواههم، لأنَّهم أبصروا ما لم يُخبَر به. ورأوا ما لم يسمعوا عنه". ماذا أخبروهم، ماذا سمعوا؟ "لم يعد منظره منظر إنسان". كان مشوَّهًا. قال العبريّ: "ذُعروا". ثمَّ "مرآه لم يكن مثل مرأى ابن آدم". فابن آدم ليس كذلك، لم يعد "معروفًا". هذا في الماضي. أمّا الآن فبدا مشعًّا كما قال خبرُ التجلّي (متّى 17/ 2).

 

في أشعيا (أش 53/ 1 - 6)، تكلَّم الجموع فعبَّروا عن دهشتهم: "لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنطلبه" (أش 53/ 2). ثمَّ: "محتقر ومخذول من النّاس، رجل أوجاع إختبر الحزن. سترنا عنه وجوهنا (لئلاّ نراه)، واحتقرناه فما حسبناه شيئًا. لكنّه رفع أحزاننا وحمل أوجاعنا فحسبناه مصابًا، مضروبًا بيد الله ومذلولاً. أمّا هو فهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا. التأديب الذي يمنحنا السّلام جاء عليه (لم نؤدَّب نحن، بل أُدِّب هو)، وفي جراحه وجدنا الشّفاء. كلُّنا كنّا ضالّين كالغنم، ومال كلُّ واحد إلى طريقه (إذا خطئنا، أثمنا)، والربُّ وضع عليه إثم جميعنا".

 

من هو هذا "العابد" الذي وصلَتْ به الأمور إلى هذا الحد؟

 

لا يمكن أن يكون إنسانًا من النّاس. وحده ذاك الذي دعاه يوحنّا المعمدان "الحمل الذي يرفع خطايا العالم" (يو 1/ 29)، يمكن أن يكون هذا الإنسان الذي "من أجلنا ومن أجل خلاصنا، تألَّم ومات وقُبر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب" على ما يقول قانون الإيمان.

قال متّى (متّى 8/ 17) مردِّدًا كلام أشعيا: "أخذ أمراضنا وحمل أوجاعنا". جاءه الأبرص فطهَّره (متّى 8/ 3)، وقائدُ المئة فشفى له خادمه (متّى 8/ 13)، وحماة بطرس "لمس يدها فتركتها الحمَّى" (متّى 8/ 15). فانطبقت عليه كلمة أشعيا. وراح بطرس الرّسول في الخطِّ عينه فقال: "لأنَّ المسيح تألَّم من أجلنا... وكان يُشتَم ولا يردُّ الشتم... وحمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة... وبجراحه شفيتم" (1 بط 2/ 23 - 24).

 

ويتواصل الكلام على آلام المسيح في أعمال الرّسل (أع 8/ 32): "كشاة سيق إلى  الذّبح" بحسب أشعيا (أش 53/ 7). وهذا الذي يُقدِّم للصّليب، كان بارًّا لا عيب فيه. فقال بطرس أيضًا: "الذي لم يصنع خطيئة ولم يوجد في فمه مكر" (1 بط 2/ 22؛ 1 يو 3/ 5). والنهاية تكون مع مرقس (مر 15/ 28). ولوقا (لو 22/ 37): "أُحصيَ مع الأثمة".

ذاك ما قاله أشعيا في نشيد "عبد يهوه" الرّابع: "ظُلم (عاملوه بعنف) فاتَّضع (وقبل الذلّ). ولكنّه لم يفتح فاه (هكذا بدا في المحاكمة، مر 15/ 4)، كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام من يجزُّها، لم يفتح فاه" (أش 53/ 7).

الخاتمة

 

وهكذا قرأنا أشعيا تُرافقنا الأناجيل الأربعة، ففهمنا حقًّا أنَّ ما كُتب قبل المسيح بمئات السّنين، وجدَ كماله في حياة يسوع. لا شكَّ في أنّه قيل في أشخاص محدَّدين عاصروا النبيّ. ولكنَّ كلام الله يتجاوز الزّمان الذي قيل فيه، كما يتجاوز الأشخاص.

والعهد القديم هو نهر لا بدَّ أن يصبَّ في البحر، وإلاّ بقي بشكل مستنقعات كما كان الأمر بالنسبة إلى نهرِ العاصي، الذي لا يصل إلى البحار، فتغور مياهه ولا تصل إلى مبتغاها.

 

في هذا المعنى نستطيع القول إنَّ سفر أشعيا هو "الإنجيل الخامس"، أو الإنجيل الذي أعدَّ الطريق للأناجيل، فتكلَّم على يسوع قبل أن يُولَد يسوع. مثل هذا الكلام لا يفهمه قارئ الكتب المقدَّسة قراءة حرفيَّة، بل من ينفحه الرّوح القدس.

ولا يفهمه "اليهوديّ" الذي لا يخرج من العهد القديم، بل فقط المسيحيّ الذي يعرف أنَّ العهد الجديد يُعطي أشخاص الكتاب المقدَّس كامل مداها. في مثل هذا الكلام رافقنا آباءنا في الإيمان ولا سيَّما أفرام ويعقوب السّروجيّ وغيرهما وغيرهما. بعد القراءة الحرفيَّة أو التاريخيَّة (تقرأ الكتاب داخل الكتاب)، تأتي القراءة الرّوحيَّة التي تستنتج لنا درسًا من أجل حياتنا.

وتبقى القراءة الأسمى القراءة السريَّة، تلك التي تدخلنا في سرِّ المسيح والكنيسة. على هذا المستوى فقط نستطيع أن نتحدَّث عن نبوءة أشعيا على أنّها الإنجيل الخامس.

 

الخورأسقف بولس الفغالي