إيليّا و أحَزْيا

 

 

إيليّا و أحَزْيا

 

سفر الملوك الأول ٢٢: ٥٢ ـ ٥٤ إلى سفر الملوك الثاني ١: ١ ـ ١٨

 

"وملك أحزيا بن أحاب على إسرائيل في السامرة، وفي السنة السابعة عشرة ليوشافاط، ملك يهوذا، وملك على إسرائيل سنتين. وصنع الشرّ في عيني الربّ، وسار في طريق أبيه وطريق أمّه وفي طريق يارُبعام بن نباط الذي جعل إسرائيل يخطئ. فعبد بعل وسجد له، وأسخط الربّ، إله إسرائيل، على حسب كل ما صنع أبوه.

وتمرّد الموآبيون على إسرائيل بعد وفاة أحاب. وسقط أحَزْيا من شبّاك علّيته في السامرة، ومرض، فأرسل رُسُلاً وقال لهم: "أُمضوا واستشيروا بعل زبوب، إله عقرون، هل أشفى من مرضي هذا". فخاطب ملاك الربّ إيليّا النبيّ قائلاً: "قُمْ فاصعد لملاقاة رسل ملك السامرة وقل لهم: "ألعلّه ليس إله في إسرائيل حتى تذهبوا وتستشيروا بعل زبوب، إله عقرون؟ فلذلك هكذا يقول الربّ: إنّ السرير الذي علوته لا تنزل عنه، بل تموت موتًا". فمضى إيليّا.

ورجع الرّسل إلى الملك فقال لهم: "لماذا رجعتم؟" فقالوا له: "إن رجلاً صعد لملاقاتنا وقال لنا: "أُمضوا راجعين إلى الملك الذي أرسلكم وقولوا له: هكذا قال الربّ: "ألعلّه ليس إله في إسرائيل حتى ترسل وتستشير بعل زبوب، إله عقرون؟ لذلك فالسرير الذي علوته لا تنزل عنه، بل تموت موتًا".  فقال لهم: "ما هيئة هذا الرجل الذي صعد لملاقاتكم وخاطبكم بهذا الكلام؟" فقالوا له: "رجل عليه لباس من شعر وعلى حقويه إزار من جلد". فقال: "هو إيليّا النبيّ".

فأرسل إليه قائد خمسين مع رجاله الخمسين، فصعد إليه فإذا هو جالس على رأس الجبل. فقال له: "يا رَجُلَ الله، إن الملك يقول: إنزل". فأجاب إيليّا وقال لقائد الخمسين: "إن كنتُ أنا رَجُل الله، فلتهبط نار من السماء وتأكلك أنتَ ورجالك الخمسون". فهبطت نار من السماء فأكلته هو ورجاله الخمسين.  ثم عاد فأرسل إليه قائد خمسين ثانيًا مع رجاله الخمسين، فكلّمه وقال له: "يا رجل الله، هكذا أمر الملك، إنزل عاجلاً". فأجاب إيليّا وقال لهم: "إن كنتُ أنا رجل الله، فلتهبط نار من السماء وتأكلك أنت ورجالك الخمسين". فهبطت نار من السماء وأكلته هو ورجاله الخمسين.  ثمّ عاد فأرسل إليه قائد خمسين ثالثًا مع رجاله الخمسين. فصعد قائد الخمسين الثالث، وجاء فجثا على ركبتيه أمام إيليّا وتوسّل إليه قائلاً: "يا رجل الله، لِتَكْرُم في عينيك نفسي  ونفوس عبيدك هؤلاء الخمسين. إنّ النار قد هبطت من السماء وأكلت كلاّ من قائدي الخمسين الأوّلين مع رجالهما الخمسين. والآن فلتكرم نفسي في عينيك". فقال ملاك الربّ لإيليّا: "إنزل معه ولا تخف بسببه". فقام ونزل معه إلى الملك، وقال له: "هكذا قال الربّ: بما أنك أرسلت رسلاً لتستشير بعل زبوب، إله عقرون، كأن ليس إله في إسرائيل تستشير كلامه، لذلك فالسرير الذي عَلَوته لا تنزل عنه، بل تموت موتًا".

فمات بحسب كلام الربّ الذي تكلّم به إيليّا. ومَلَك يورام مكانه في السنة الثانية ليورام بن يوشافاط، ملك يهوذا، لأنّه لم يكن له ابن. وبقيّة أخبار أحزيا وما صنعه، أفليست مكتوبة في سفر أخبار الأيّام لملوك إسرائيل؟"

 

 

القسم الأول تفسير المعنى الكتابي

 

١ملك جديد مدعو ليملك ... (١ مل ٢٢: ٥٢ ـ ٥٤)

"وملك أحزيا بن أحاب على إسرائيل في السّامرة، في السنة السابعة عشرة ليوشافاط، ملك يهوذا، وملك على إسرائيل سنتين. وصنع الشرّ في عيني الربّ. وسار في طريق أبيه وطريق أمّه وفي طريق يارُبعام بن ناباط الذي جعل إسرائيل يخطئ. فعبد البعل وسجد له، وأسخط الربّ، إله إسرائيل، على حسب كلّ ما صنع أبوه".

 

لقد تحقّقت كلمة إيليّا النبويّة التي أعلنت بعد مقتل نابوت، موت أحاب (١ مل ٢١: ١٩؛ ٢٢: ٢٩ ـ ٣٨). كان الله مستعدًا ليرحمه لكن الملك المتقلّب عاد فسقط في خطيئته. الله محبّة لكن لا يأملنّ أحد الحصول على غفران خطاياه بدون توبة صادقة.

 إيليّا لم يمسح بعد ياهو بن نمشي، كما طلب منه الله على جبل حوريب (١ مل ١٩: ١٦). هذا سيتمّ لاحقًا على يدّ تلميذه وخلفه أليشاع (٢ مل ٩: ١ـ ١٠). على أمل الانتظار هوذا الملك الجديد. كيف هو؟ صورة صادقة عن أبيه وأمّه، كما لو أنّ جينة الوالدين الروحيّة الفاسدة قد انتقلت إلى أحزيا. إنّها لكارثة حقيقيّة على إسرائيل! فالوصف الذي تعطيه الآيتان ٥٣ و ٥٤ يتدارك كونه من المستحيل انتظار شيء منه لترميم شعب الله الدينيّ.

 

 

٢ـ الاستشارة الخطيرة (٢ مل ١: ١ ـ ٢)

"وتمرّد الموآبيون على إسرائيل بعد وفاة أحاب. وسقط أحزيا من شبّاك علّيته في السامرة، ومرض، فأرسل رسلاً وقال لهم: "أمضوا واستشيروا بعل زبوب، إله عقرون، هل أشفى من مرضي هذا".

 

لقد سقط أحزيا، جرح، ويرغب أن يعرف إذا كان الأمر خطيرًا. قراره أن يستشير بعل زبوب لا يربطه فقط بصفة شخصيّة، لأنّه كملك لإسرائيل عليه أن يكون مثالاً لشعبه. لأنّه يبعد إسرائيل عن الله بإعطائه مثل عبادة الأوثان.

 

من يستشير؟

 بعل زبوب هو إله كنعانيّ يعبده الفلسطينيّون في عقرون إحدى مدنهم الخمس. عقرون في نواحي يافا. إذا كان الفلسطينيّون قد غلبهم داود منذ جيل ونصف سابقًا ، فتأثير عبادتهم الوثنيّة يبقى قويًا. بعل زبوب ليس محض ألوهة. فاسمه الحقيقيّ هو "بعل العظيم، الأمير" لكن الكاتب اليهوديّ عن سخريّة غيّر اسمه إلى "بعل زبوب" أي "بعل الذباب"!

 

فهذا الصنم ليس كما يُقال اليوم في علم الاجتماع الدينيّ "ممثّلاً، رمزيًا يعبّر عن مفهوم للموضوع المقدّس". إنّه شيطان. بولس قاطِع بهذا الموضوع مع مسيحيّي قورنثية، المحاطين بالآلهة اليونانيّة: "إنّ ذبائح الوثنيِّين هي ذبائح للشياطين لا لله. وأنا لا أريد أن تكونوا شركاء للشياطين" (١ كور ١: ٢٠).

 

لعدد كبير من أبناء الكنيسة، العبادة المقدّمة للآلهة هي في الواقع عبادة للشياطين: هؤلاء يحاولون أخذ مكان ديانة الله الواحد والحقيقيّ، فيجذبون الناس ويسخرون من إكرام العبادة. إذا كان عدد من الناس هكذا وفير يريد أن يصير إلهًا مكان الله، فكم بالحري يبحث عن ذلك الملائكة المتمرّدون. مطالبة الشيطان هذه تصير بوضوح في إحدى تجارب يسوع في البريَّة: "وأخذه إبليس إلى جبل عالٍ جدًا، فأراه جميع ممالك الدنيا ومجدها وقال له: "أعطيك هذا كلّه، إن سجدت لي وعبدتني". (متى ٤: ٨ـ ٩).

 

وأيضًا نعود فنجد بعل زبوب هذا نفسه في الأناجيل مع لقب "رئيس الشياطين" (متى ١٢: ٢٤ ؛ مرقس ٣ : ٢٢ ؛ لوقا ١١: ١٥).

 

بالنسبة إلى أحزيا، المضي واستشارة بعل زبوب يعنيان توسّل إليه، قدّم له الذبائح والنذور في الهيكل، وبكلمة جعل عهدًا مع قوّات الشرّ. بعمله هذا يفتح الملك ملكه على تأثيرات القوّات الشريرة.

 

 

٣ ـ إيليّا لا يحبّ طلبًّا موازيًا! (٢مل ١: ٣ـ ٤)

" فخاطب ملاك الربّ إيليّا النبيّ قائلاً: "قُم فاصعد لملاقاة رسل ملك السامرة وقل لهم: "ألعلّه ليس إله في إسرائيل حتى تذهبوا وتستشيروا بعل زبوب، إله عقرون؟ فلذلك هكذا يقول الربّ: إنّ السرير الذي علوته لا تنزل عنه، بل تموت موتًا". فمضى إيليّا". (٢ مل ١: ٣ـ٤).

 

ـ لكل واحد رسوله: فبينما الملك الأرضيّ يرسل رسله إلى عقرون، يرسل ملك السّماء هو أيضًا رسوله أو ملاكه إلى رسالة أخرى. في دورة إيليّا، هذه الرّسالة هي عادة، "كلمة الربّ" الموجّهة مباشرة إلى النبي (١ مل ١٧: ٢و١٨؛ ١٩: ٩ـ ٢١ و ١٧ و ٢٨). هنا، عمدًا، لم تُستعمل هذه الصيغة لأنّ التناقض بين مرسلي الملك وبين مرسلي الله مطروح منذ بداية القصّة.

 

ـ وفي هذه المرّة أيضًا، المبادرة تأتي من الله نفسه، الذي يظهر كالأبدي... مانع عبادة الأصنام. هذا الأمر يخصّ الله مباشرة لأنّه إله غيور: "فنبذ الإله الذي صنعه واستخفّ بصخرة خلاصه. أغاروه بالغرباء وأسخطوه بالقبائح، ذبحوا لشياطين ليست الله ولآلهة لم يعرفوها...". (تثنية ٣٢: ١٥ ـ ١٧).

 بطرحه هذا السؤال: "ألعلّه ليس إله في إسرائيل؟" يبيّن النبّي عدم إيمان الملك الجديد، لأنّ خطيئة أحزيا هي أنّه لا يؤمن أن بإمكان إله إسرائيل أن يشفيه، مع أن الله يعيد مرّات عديدة: "لأنّي أنا الذي يشفي". أليس الشّعب كلّه شاهدًا على ماء مارّة: "لأنّي أنا الربّ معافيك" (خروج ١٥: ٢٦).

 

فإذا كان الربّ هو الطبيب الحقيقيّ، فالعلاج الحقيقيّ هو في الرّجوع الصّادق إليه. أحزيا لا يعترف بهذا بالرغم من كلّ المعجزات التي سمعها بشأن شخص إيليّا، لأن قلبه قسا.

 

ـ إيليّا هو مطواع كليًّا لعمل الله: يطيع كلّّ ما يطلبه منه الرَّبّ. ليونة النبّي الحقيقيّ، ومثل الريح الذي لا يعرف أحد من أين تأتي وإلى أين تذهب. معاصروه يفكّرون أنّه لا يتوقّف عن الظهور وعن الغياب، مدفوع بريح الرّوح القدس (١مل ١٨: ١٢ ). وباعتباره فارغًا من ذاته يمكنه في كلِّ لحظة أن يُرفع بروح الرَّبّ. هل عطيّة الحضور في كلّ مكان أم خضوعه لله يجعله باستمرار أن يظهر أو يغيب؟

إنّ إيليّا، حامل الكلمة التي تقوده، يبدو بدون أي مخطّط خاص، بدون أي تخطيط رعاويّ. لا يُبدي ولا مرّة واحدة رغبة شخصيّة: كلّ شيء فيه قبول لرسالة الله وعطيَّته.

 

له على هذا اللّقب صورة الذي هو الكلمة، الذي صار جسدًا. سلطته غير العاديّة على الناس تأتيه من خضوعه المطلق للرّوح وللكلمة. وانتهى إيليّا بأن يشبه الذي يحبّه جدًا. لقد أمسكته قداسة الله وعظمته، فلا يحتمل أن يضعف مجده من خيانات الشعب. إنّ كلمته بإعلانها للشعب وفاة الملك ليست إذًا المحضر الوحيد أن المرض خطير. إنّها نبوءة: أحزيا ذاهب إلى الموت لأنّه يرفض أن يلجأ بتواضع إلى الذي يهب الحياة.

 

رجل الصّلاة هو مرتبط بالعمق بتاريخ زمانه: يتّخذ موقفًا في إطار العصر السياسي، كي يكشف مجازفاته. فحيث لا يرى معاصروه سوى مسيرة دينية عاديّة من قِبَل إنسان مريض، إيليّا يكتشف جحود إسرائيل. هذه الرؤية الأخرى للأشياء تبني حريّتها وجسارتها على إدانة اختيارات الملك.

 

 

٤ ـ رُسُل الحدث العاطل أو المرض لا علاج له (٢ مل ١: ٥ ـ ٨)

ورجع الرّسل إلى الملك فقال لهم: "لماذا رجعتم؟" فقالوا له: "إنّ رجلاً صعد لملاقاتنا وقال لنا: "أُمضوا راجعين إلى الملك الذي أرسلكم وقولوا له: هكذا قال الربّ: "ألعلّه ليس إله في إسرائيل حتى ترسل وتستشير بعل زبوب، إله عقرون؟ لذلك فالسرير الذي علوته لا تنزل عنه، بل تموت موتًا".

 

إنّ إيليّا، باعتباره قد التقى بالرّسل قريبًا من السَّامرة، هؤلاء عادوا بسرعة إلى القصر الملكيّ، لمفاجأة الملك. بدون أن يعرفوا إيليّا، اندهشوا إلى هذا الحدّ من سلطة شخصه حتى أنّهم رجعوا إلى أحزيا. الطاعة لكلمة إيليّا (آية ٦) هي أقوى من وصيّة الملك للذهاب إلى عقرون (آية ٢)!

 

"فقال لهم: "ما هيئة هذا الرجل الذي صعد لملاقاتكم وخاطبكم بهذا الكلام؟" فقالوا له: "رجل عليه لباس من شعر وعلى حقويه إزار من جلد". فقال: "هو إيليّا النبيّ".  (آية ٧ـ ٨).

 

إنّ الثوب في الكتاب المقدّس هو علامة الشّخص في هويَّته وتميّزه. بهذا اللباس المتقشّف يبيّن النبّي تعلّقه بالزهد وبالقفر. هذا الوصف سيلهم الخطوط الكبيرة لرسم إيليّا الغنيّ: ثوبه مؤلّف من لباس من شعر الحيوان، ومن إزار من جلد. سيكون هذا لباس يوحنّا المعمدان: "وكان يوحنّا يلبس ثوبًا من وبر الجمال، وعلى وسطه حزام من جلد" (متى ٣: ٤). إنّ الثوب الخاصّ بالنبّي ـ والذي يعرّف عنه ـ هو علامة فرادة شخصه.

 

 

٥ـ "نار من السّماء" (٢ مل ١: ٩ـ ١٢)

"فأرسل إليه قائد خمسين مع رجاله الخمسين، فصعد إليه فإذا هو جالس على رأس الجبل. فقال له: "يا رَجُلَ الله، إنّ الملك يقول: إنزل". فأجاب إيليّا وقال لقائد الخمسين: "إن كنتُ أنا رَجُل الله، فلتهبط نار من السّماء وتأكلك أنتَ ورجالك الخمسون". فهبطت نار من السماء فأكلته هو ورجاله الخمسين. ثمّ عاد فأرسل إليه قائد خمسين ثانيًا مع رجاله الخمسين، فكلّمه وقال له: "يا رجل الله، هكذا أمر الملك، إنزل عاجلاً". فأجاب إيليّا وقال لهم: "إن كنتُ أنا رجل الله، فلتهبط نار من السّماء وتأكلك أنت ورجالك الخمسين". فهبطت نار من السماء وأكلته هو ورجاله الخمسين".

 

 

* تسوية كلّ شيء بالقوّة أو عمى الملك

 

قد يكون الملك قد تبلبل باختراق إيليّا يُعلمه بنيّته الخفيّة في استشارة بعل زبوب. وقد تساءل كيف عرف ذلك؟ هو إله إسرائيل هو الذي كشف له؟ والحال، فعوض أن يتّهم نفسه، انطلق أحزيا في الهرب إلى الأمام. وبينما كان يتمكّن من الذهاب شخصيًا ليبحث عن النبي أو يرسل خادمًا لأخذ موعد لقاء، أرسل بعثة عسكريّة من خمسين رجلاً لإلقاء القبض على إيليّا بالقوّة المسلّحة.

فمن جهّة، قوّة رجل الله الروحيّة، ومن جهّة أخرى القدرة الهمجيّة، قدرة الملك عابد الأصنام. من الذي سينتصر؟

 

هذا النصّ "حامٍ" جدًا. خمسون رجلاً يحترقون بسرعة بنار من السّماء.. من الصعب تصديق هذا! واسمع هذا السؤال: "إذا كان الله حبًا، فلماذا هذه العقوبة القاسية جدًا؟" إن معنى القصة هي على غير مستوى. فلفهم معنى هذا النص، ينبغي أن نعرف أن سفيرًا يُعتبر كممثّل للأمّة. اليوم أيضًا، إذا وُجّهت إهانة إلى عضو بعثة ديبلوماسيّة، فتُعتبر إهانة للشعب الممثَّل. بالعكس، إكرام موجّه إلى مفوّض يظهر احترامًا للبلد الذي يرمز إليه. وكذلك إيليّا الذي يمثّل سيّده. الاعتراف بسلطة إيليّا، هو رضيَ بسلطة الله، نفسه. فالنبّي لم يهرب، ولم يدافع عن نفسه تاركًا معلّمه يحمي "شخصه كسفير" وهذا ما فعله الله بطريقة مدهشة.

 

 

* احترس، نبيٌ

إن فرقة الخمسين الأولى تتصرّف كعميل للغستابو KGB. واثقة من تفوّقها العدديّ ومن السلطة التي يعطيها إيّاها الملك، تتوجّه إلى إيليّا كي تلقي القبض عليه. أين هو إيليّا في هذا الوقت؟ "كان جالسًا على رأس الجبل". يدلّ الجبل هنا على جبل الكرمل الذي أعاد الله تكريسه (١ مل ١٨: ٣٨)؛ ولكن أيضًا المرتفعات حيث الله، لأن قمّة الجبل هي نقطة اللقاء الرمزيّة  بين السماء (مكان الله) والأرض (مكان البشر). إيليّا هو على نقطة الوصل هذه بين عالمين، يستمرّ منتظرًا، في وضع صلاة.

بعد اطلاعنا على موقف فرقة الخمسين، نحن الآن بصدد النزول. فليس إيليّا هو الذي ينزل ولكن نار "تهبط". فكما أن الله استجاب صلاة إيليّا بإنزاله نارًا من السماء على الذبيحة ليغلب الآلهة الكاذبة (١ مل ١٨)، ينزل الآن النار ذاتها كي يحمي خادمه.

 

 إنّ قدرة الله المخيفة أكثر من قدرة مقتدري هذا العالم، تعطى لإيليّا، لأن الله ولنبيّه مصلحة مشتركة: فمن يصيب الواحد يصيب الآخر. لهذا السبب، الخليقة هي في خطر إذا شاءت أن تلقي القبض على الله (٢صم ٦: ٦ـ٧) أو أن تثور على ممثّليه (عدد ١٦: ٣٠ ـ ٣٢).

 

 

* محاولة ثانية

"ثمّ عاد فأرسل إليه قائد خمسين ثانيًا مع رجاله الخمسين، فكلّمه وقال له: "يا رجل الله، هكذا أمر الملك، إنزل عاجلاً". فأجاب إيليّا وقال لهم: "إن كنتُ أنا رجل الله، فلتهبط نار من السماء وتأكلك أنت ورجالك الخمسين". فهبطت نار من السماء وأكلته هو ورجاله الخمسين".

 

ـ إن تصرّف الملك الانتحاريّ يجعلنا نفكّر بتصرّف هؤلاء الحكّام الذين يرسلون جموعًا متتالية من الجنود إلى موت محتّم، ونتيجة غير أكيدة. إنّ احتقار الله يجلب حتمًا احتقار البشر.

فالملك ورجاله لا يفهمون شيئًا، "لهم عيون ولا ينظرون وآذان ولا يسمعون". ينقصهم الذكاء فلا يكتشفون  ما يجري ويواصلون العمل كما لو لم يكن شيء قد حصل. عناد وإصرار أُناس خطأة يثيرون حملة حرب جديدة. إذا كان الرجل يريد المواجهة مع الله، فيفعل ذلك على مسؤوليته. ومهما يسعى لمضاعفة الهجمات، فالحروب خاسرة مسبقًا.

 

 

مدراش

حتى ولو كان يبدو أنه يقترف عملاً شرّيرًا مجحفًا بحقّ الناس، فإيليّا يصنع الخير. هذا ما تحتفظ به الأسطورة من تصرّف النبّي الشرس المشوّش. وإليكم مثالاً:

قليلون الأشخاص الذين تمتّعوا بحميميّة النبّي إيليّا أكثر من رابّي يوشواه لاوي (منتصف القرن الثالث) بما يخصّ التوراة. في بداية مهنته، صام أيَّامًا طويلة وصلّى إلى الربّ ليل نهار كي يهبه نعمة رؤية إيليّا. وأخيرًا ظهر له إيليّا وسأله ما يرغب؟: "لا  شيء آخر سوى أن أرافقك على الطريق وأشاهد ما تعمل" أجابه الرابّي يوشواه. "أنت غير قادر أن تفهم أعمالي وستضجرني بأسئلتك" قال له إيليّا. فوعده الرابّي يوشواه قائلاً: "لا سيّدي، لن أطرح عليك أيّ سؤال!" فقبله إيليّا إذًا كرفيق طريق، مصارحًا إيّاه بأنّه سيطرده عند أوّل سؤال يسأله إيّاه.

 

فعند المساء الأوّل استُقبل المسافران عند فلّاح فقير الذي لم يكن يملك سوى بقرة واحدة. قام إيليّا عند الصباح وصلّى إلى العليّ كي تموت البقرة، فتعجّب الرابّي يوشواه من غرابة النبّي ولم يتمكّن من أن يمسك لسانه: "يا لها من مكافأة حسنة على الخير الذي نلناه". فقال له إيليّا بقسوة: "كلمة أخرى وأطردك!".

 

في المساء، وصلا عند رجل غني لم يعطهما شيئًا ليأكلا. والحال، فهذا الرجل كان عنده حائط قد سقط. في الصباح، استيقظ إيليّا وصلّى إلى الربّ كي يبني الحائط. كان الرابّي يوشواه يريد أن يطلب شروحًا، لكنّه تذكّر تهديدات إيليّا وعضّ على لسانه. فسارا النهار كلّه ووصلا عند المساء إلى مجمّع يعجّ بالمؤمنين الذين استقبلوهما بفظاظة كبيرة.  في الصباح، طلب إيليّا في صلاته أن يصير كلّ من المؤمنين رئيسًا. في المساء نفسه، استُقبلا في قرية مليئة بأناس فقراء ولكن طيّبي القلب ؛ عند الصباح استأذنهم إيليّا متمنيًّا لهم أن يعطيهم الربّ رئيسًا واحدًا.

 

هذه المرّة تشكّك رابّي يوشواه وبدون أن يبالي بأن يُطرد، يسأل إيليّا أن يشرح له أعماله. إيليّا لم يعد ينتظر الأسئلة وقال: "بخصوص الرجل الفقير الذي ماتت بقرته، إعلم أن امرأته كانت ستموت وصلّيت إلى الربّ كي يميت البقرة مكان المرأة. تحت حائط الغني كان يوجد كنز، وبإعادته بناءه منعته من اكتشاف الكنز. بينما الذين تمنّيت لهم أن يكون كلّ واحد رئيسًا فلأني أردت أن أخذلهم لأن جماعة كلّ أعضائها يأمرون معدّة للتلاشي، بينما تمنّيت رئيسًا واحدًا للناس الطيّبين فأمّنت لهم هكذا الازدهار".

(Cité par "Elie le Prophète", Etude Carmalitaines DDB).

 

 

 

٦ـ جنديٌ مُستنكف ضميريًا (٢ مل ١ : ١٣ ـ ١٨)

"ثم عاد فأرسل إليه قائد خمسين ثالثًا مع رجاله الخمسين. فصعد قائد الخمسين الثالث، وجاء فجثا على ركبتيه أمام إيليّا وتوسّل إليه قائلاً: "يا رجل الله، لِتَكْرُم في عينيك نفسي ونفوس عبيدك هؤلاء الخمسين. إنّ النار قد هبطت من السماء وأكلت كلاّ من قائدي الخمسين الأوّلين مع رجالهما الخمسين. والآن فلتكرم نفسي في عينيك" (آية ١٣ ـ ١٤).

 

عندنا هنا مثل إنسان يعرف أن يتكلّم مع النبّي، بتواضع واحترام! فبسجوده أمامه، يعترف بنفوذ إيليّا. يرتعد أمام جبروت الله الذي يظهر ليحمي إيليّا. رجل صالح، يعترف بعمل الله، فيسجد أمام السرّ الذي يحمله إيليّا. إنّه مملوء من مخافة الله.

بنظر نرساي، أحد آباء سريان القرن الرابع، إن ما يخلّص قائد الخمسين الثالث، هو التواضع:

" رأى المتواضع أن سلاح الكبرياء واضعت رفاقه؛

فتمنطق بسلاح التواضع كي لا يهلك.

صعد المتواضع وبدأ يتوسّل باتّضاع:

"لتكرم في عينيك نفسي"

ولا تعتبر مجيئي إليك إثمًا".

ولأنّه لم يكن متسلّحًا بالكبرياء كسابقيه

أشارت الرؤيا إلى الغيور: "إنزل معه".

(عظة ٢٣ عن إيليّا١٢٥ ـ ١٢٧ نرساي    (Cahier évangilique p.85    

 

كلمته ليست أمرًا بل صلاة. وسيُكافأ... لأنّه عصي على الذي أرسله. وكما أنّه مصغٍ إلى الله، هو مُصغٍ كذلك إلى الناس، لأنه يفكّر بالجنود المسؤول هو عنهم. فالذين أطاعوا عن غباوة أو سوء نيّة عوقبوا بالموت. لأنّ الإنسان الذي يرفض أن يمارس حريّته هو إنسان ميت. مسيرة الخمسين هذه تدلّنا على أنّ كلّ فرد عليه أن يبرهن عن مبادرة وأن لا يحترم السلطة البشريّة إلّا بقدر ما لا تجرّ إلى الخطيئة. ففرقة الخمسين هذه الثالثة، بلا قصد، هي مستنكفة ضميريًا، تطبّق عمليًا ما سيُطالب به بطرس  والرسل أمام السنهدرين: "يجب أن نطيع الله لا الناس". (أعمال ٥: ٢٩).

 

 

٧ ـ جواب إيليّا (آية ١٥ ـ ١٧)

جواب إيليّا لا يتعلّق بتقديره هو فقط، بل بإرادة الله. هذه المرّة يقول له ملاك الربّ أن يذهب مع الخمسين. وبقوله له: "لا تخف بسببه" يطمئنّ بذلك النبيّ المطمئن قلبه إلى الله والخائف فطريًا أمام الخطر.

 

 إنّ الإيمان الفائق الطبيعة لا يلغي الخوف الطبيعيّ. لماذا رضي أن يذهب مع الخمسين الثالث بينما كان قد رفض سابقًا اتباع الخمسين الأوّلين؟ فكيف نشرح هذا التباين بين البشر، قسم يموت وقسم ينال الخلاص؟

 

يمكننا أن نركّز على أربعة تعاليم في هذه القصة: الأوّل يتعلّق بالله، الثاني بالبشر عامّة، والثالث بالنبّي، والرّابع بعلم التربية الإلهيّ.

 

* الله هو الله!

هذه الواقعة المثيرة جدًا تذكّرنا بذلك أنه قدّوس، جبروت، إله البهاء، والمجد والجلال. لا يُسخر به. ويل للإنسان الذي يريد مراقبة الله أو يسعى لإلغائه. إنّه يسلك طريقًا بدون مخرج تؤدّي إلى الموت: "من هدم هيكل الله هدمه الله" (١ كور٣: ١٧).

 

هذا النصّ يملأ وظيفة الإعلانات الملصقة على الأعمدة الكهربائيّة = انتبه، خطر! إذا كانت الكهرباء بحدّ ذاتها صالحة ومفيدة، فينبغي تنبيه المارّين أن يبقوا بعيدًا... احترامًا.

 

* ليس الإنسان مبرمجًا مع الظروف. فهو حرّ ومسؤول عن أفعاله. الخمسين الثلاثة كانوا في وضع مماثل: الملك ذاته، المهمّة ذاتها، النبيّ ذاته... لكنّهم اختلفوا في التصرّف.

 فالبعض بتماهيهم بالقائد الظالم، ليسوا فقط ضحايا تراتبيّتهم بل شركاء نفوذ فاسد. مع هذا، واحد منهم اختار أن يُنجز عمله بطريقة مختلفة، بدون أن يتخلّف أو أن يغتاظ، ولكن باحترامه الله ومرسله.

 

 البديل ليس "أكون أو لا أكون" من الخمسين، لكن: "أكون أو لا أكون" ضدّ الله.

 

 مهما كان واجبه المدنيّ أو التزاماته أمام السلطات البشريّة، فكلّ إنسان يلتزم باحترام الله وخدّامه. تذكّرنا هذه القصة الشعبيّة باستبصار كبير للحالة النبويّة في إسرائيل، أي أن عمل الله يأخذ بالاعتبار عمل الإنسان. إنّ لتصرّف الانسان ردّات فعل على الطريقة التي بها يتدخّل الله في حياته لأن ليس عند الله استبداد.

 

* فرقة "الخمسين الصالحة"

 

سيم الأب الألماني فرانز ستوك (١٩٠٤ ـ ١٩٤٨) كاهنًا سنة ١٩٣٢. إلمامه باللغة الفرنسيّة مكّنه من أن يتعيّن مرشدًا للجماعة الألمانيّة في باريس. فأثناء الحرب العالميّة الثانية، تعيّن مرشدًا للمساجين التعساء في "شرش ميدي" و"فريسْن". إنّه خاضع بذات الفعل لسلطة رؤساء النازيّين. كان في وضع على غاية من الصعوبة، لأنّه كان في الوقت نفسه مشتبهًا به من الغستابو ككاهن كاثوليكيّ ذي تصرّف إنجيليّ مثالي، ومن المساجين الفرنسيِّين كألماني  في خدمة المحتلّين. ومع هذا، فبالرغم من وضعه المحيّر موضوعيًا، سيتصرّف فرانز ستوك تصرّف إنسان حرّ ومستقيم وسيمارس وظيفته غير العادية في خدمة الموقوفين من كلّ العنصريات، والديانات، والنزاعات السياسيّة. وإذ لُقّب "بمرشد الجحيم" فسيكون عضدًا لألوف المقاومين المعذّبين والمحكوم عليهم بالموت. فسوف يكسب أيضًا احترام اليهود كما احترام الشيوعيّين؛ جميعهم سيكرّمونه هو الذي ساعد المساجين كي يبقوا أحياء أو يموتوا بكرامة. سيرافق أكثر من ألفيّ محكوم بالإعدام إلى مكان إعدامهم في مون فاليريان أو في مكان آخر.

 

* والنبّي إيليّا لا يختار طبقًا لميوله ما سيقدّمه للناس، كلمة غفران أو لعنة، لأنّه ليس سيّد رسالته، لكنّه حاضر ليكون مطواعًا لإرادة الله الذي هو وحده "السيّد". بطاعته كلام الملاك، إيليّا هو خادم حقيقيّ لله.

 فليس النبّي هو الذي يختار مواضيع كرازته (الرّحمة أو العدل، التعزية أو التهديد...) لأنّ الله يعطي الأمر الذي يريد وعندما يريد، وكيفما يريد، ولمن يريد.

 

 بالنسبة إلى الخطأة، العاصين على الله، الكلمة هي لعنة (نار السماء) لكن بالنسبة إلى ذوي الإرادة الصالحة (كقائد الخمسين الثالث وجيشه)، هي حياة ونعمة. يعود إلى الإنسان أن يختبر إمّا حلم الله وإمّا غضبه.

 

" أُنظر إنّي قد جعلت اليوم أمامك الحياة والخير، والموت والشرّ. إذا سمعت إلى وصايا الربّ إلهك التي أنا آمرك بها اليوم، محبًّا الربّ إلهك وسائرًا في سبله وحافظًا وصاياه، وفرائضه وأحكامه، تحيا وتكثر ويباركك الربّ إلهك في الأرض التي أنت داخل إليها لترثها. وإن تحوّل قلبك ولم تسمع وابتعدت وسجدت لآلهة أخرى وعبدتها، فلقد أعلن لكم اليوم أنكم تهلكون هلاكًا ولا تطيلون أيّامكم في الأرض التي أنت عابر الأردن لتدخلها وترثها. وقد أشهدت عليكم اليوم السماء والأرض بأنّي قد جعلتُ أمامك الحياة والموت، البركة واللعنة. فاختر الحياة لكي تحيا أنتَ ونسلك" (تثنية ٣٠ : ١٥ ـ ١٩).

 

* علم الله التربويّ.

 يقدّم بإيجاز القدّيس سيزار دارل في التفسير التالي:

" وأخيرًا، قائد الخمسين هذا الثالث، الذي بتواضع كبير وتوبة كما ينبغي، جاء يتوسّل إلى إيليّا بصوت باكٍ، لم يستحقّ فقط أن ينجو من الحكم ولكنّه نال أيضًا أن يتنازل الطوباوي إيليّا ويرافقه إلى قصر الملك. لكن كلّ هذا يا إخوتي الأعزّاء حدث لخلاص الشعب كلّه. لأنّ الربّ الصّالح والشّفوق ضرب البعض منهم ليشفي الجميع؛ عاقب بموت عادل بعض الأشخاص ليعطي الخلاص للجميع. وباعتبار أن لا أحد منهم كان يخاف الدينونة العتيدة، فلكي يعلّمهم أقلّه بموت زمني لأجسادهم، أن يخافوا دمار نفوسهم".

                                     (Cité par cahier évangélique ,p.86)

 

ـ خارجًا عن المعنى الحرفي الذي يشكّكنا، يقدّم القدّيس سيزار دارل صفتين هامّتين لعلم الله التربوي:

 

ـ كلمة "شفى" تشير إلى الناحية الطبّية من اللعنة، مقدّمة "كوقاية صحيّة" تمنع المرض الروحيّ أن يتفشّى في إسرائيل... فكما ننزع البطاطا المهترئة كي لا تفسد كلّ صندوق الثمر، وكما نقطع عضوًا مريضًا كي نتحاشى أن يتفشّى المرض المميت في كلِّ الجسم. إنّ همّ الخير العامّ هو الذي يساعد على فهم معنى هذه اللعنة القاسية.

 

ـ يمكننا أن نرى في هذا النص صورة عن الدينونة الأخيرة. فهذه القراءة التي نسمّيها "تأويليّة" تقودنا إلى معنى الأحداث بعلاقة مع الحياة الأبديّة. هذه القصة تعطينا استعداد القلب لقبول الخلاص وتحاشي ما يسمّيه القدّيس فرنسيس الأسيزيّ، بعد سفر الرؤيا "الموت الثاني".

يجمع المسيح الناحيتين المذكورتين عندما يعلّم: "فإذا جعلت عينك اليمنى تُخطئ فاقلعها وألقها عنك، لأنّه خير لك أن تفقد عضوًا من أعضائك ولا يلقى جسدك كلّه في جهنّم. وإذا جعلتك يدك اليمنى تُخطئ، فاقطعها وألقها عنك، لأنّه خير لك أن تفقد عضوًا من أعضائك ولا يذهب جسدك كلّه إلى جهنّم". (متى ٥: ٢٩ ـ ٣٠).

 

 

 

القسم الثاني إيليّا والمسيح ـ قراءة كريستولوجية

 

سؤال التلاميذ الغريب

هناك نصّ في الأناجيل غير معروف كثيرًا، يشير بطريقة تلميحيّة إلى قصّة الملوك. مقارنة النصوص تظهر مشابهات ومفارقات:

"ولمّا حان الوقت الذي يرتفع فيه إلى السماء، عزم على أن يتوجّه إلى أورشليم. فأرسل رسلًا يتقدّمونه، فذهبوا ودخلوا قرية سامريّة ليهيّئوا له منزلًا، فرفض أهلها أن يقبلوه لأنّه كان متوجّهًا إلى أورشليم. فلمّا رأى ذلك تلميذاه يعقوب ويوحنّا قالا: "يا سيّد، أتريد أن نأمر النار فتنزل من السماء وتأكلهما؟" فالتفت يسوع وانتهرهما، فساروا إلى قرية أخرى". (لوقا ٩ : ٥١ ـ ٥٦).

 

ـ  أوّل مشابهة: يجري الحدث قليلًا قبل "ارتفاع" يسوع، تعبير مستعمل من القدّيس لوقا يدلّ على موت يسوع وأيضًا على صعوده، وجهتين غير منفصلتين عنّ السرّ الفصحيّ. بهذه الكلمة "ارتفاع"، حياة يسوع موضوعة بعلاقة مع حياة أحنوخ وإيليّا.

 

ـ ثاني مشابهة: إنّ عمل إرسال رسل هو عمل الملك أحزيا في ٢ ملوك ١ :٢ وعمل يسوع في الإنجيل. التعبير يُترجم حرفيًا "فيرسل ملائكته أمام وجهه". هذا يلمّح إلى نبوءة ملاخي... عن دور إيليّا: "هاءنذا مرسل رسولي فيعدّ الطريق أمامي، ويأتي فجأة إلى هيكله السيّد الذي تلتمسونه، وملاك العهد الذي ترتضون به". (ملاخي ٣: ١). في ضوء هذه النبوءة يظنّ أن تلاميذ يسوع هم هؤلاء الملائكة أو الرسل السابقون مجيء المسيح إلى هيكل أورشليم، "هيكله".

 

ـ ثالث مشابهة: "فلم يقبلوه". يسوع مثل إيليّا يعيش اختبار رفض الناس.

 

رابع مشابهة: السؤال نفسه. يعقوب ويوحنّا يستحقّان عن جدارة اسمهما "أبناء الرعد" (مرقس ٣:١٨). بتشكّكهما من قلّة اعتبار معلّمهما، لأنّهما يعرفان أنّه أعظم من إيليّا، ويعتبران أنّ إهانة مجد الله هذه تستحقّ لعنة مثاليّة: تدميرًا كاملًا لقرية السامريّين. إذا كان الله قد قاصص الناس الذين قللوا الاحترام لإيليّا، عليه أن يقاصص هذه الإهانة بحقّ ابن الله. غيرة التلاميذ، إظهار حبّ سيّئ الوضوح، يمثّل محاولة المتعصّبين الذين يرغبون أن تظهر دينونة الله هنا والآن. هو أيضًا نوع من المشيحانيّة الزمنيّة، أن تريد مهما كلّف الأمر "أن يعاقب الله مباشرة... الشيوعيّين، والماسونيّين، وأعداء الكنيسة، إلخ...".

 

 

* يسوع ينتهر تلاميذه

بعد النظر في هذه المباينات، ندرك أكثر القطيعة التي قام بها يسوع هنا مع العهد القديم. فرادة رسالته تظهر عندما ينتهر تلاميذه ويتّخذ بحزم موقفًا ضدّ ردّة الفعل الدينيّة القديمة. فرحمة الله التي يظهرها يسوع تمارَس بطريقة مختلفة. "فسمع يسوع كلامهم، فأجاب: "لا يحتاج الأصحّاء إلى طبيب، بل المرضى. فاذهبوا وتعلّموا معنى هذه الآية: أريد رحمة لا ذبيحة. وما جئت لأدعو الصالحين، بل الخاطئين". (متى ٩: ١٢ ـ ١٣).

 

ـ يسوع ينتهرهم لأنّهم لم يفهموا تعليمه. ففي أحد الأمثال، يدعو إلى موقف آخر، موقف التواضع بين يديّ الآب وموقف الصبر. فإلى الخدّام الذين يريدون أن يقتلعوا الزؤان، يقول المعلّم: "لا، لئلّا تقلعوا القمح وأنتم تجمعون الزؤان. فاتركوا القمح ينمو مع الزؤان إلى يوم الحصاد، فأقول للحصّادين: اجمعوا الزؤان أوّلًا واحزموه حِزَمًا ليُحرق. وأمّا القمح فاجمعوه إلى مخزني". (متى ١٣: ٢٩).

 

الحكم يعود إلى الله "ربّ الحقل" وليس إلى الناس، الخدّام. على هؤلاء أن يزهدوا برغبتهم في إقامة العدل باسم الله.

 

فطلب يعقوب ويوحنّا في هذه القصّة يكشف أمرًا مهمًا. لأنّ المشهد يحدث بينما يقصد يسوع أورشليم أي عندما يتوجّه إلى الصّليب. ففي الوقت نفسه الذي فيه يطلب البشر حكمًا صارمًا لإزالة الشرّ وأصحابه، يظهر يسوع الرّحمة في آلامه وموته وقيامته. فهو يريد بموته الاختياريّ أن يجلب رحمة الناس وبخاصّة رحمة تلاميذه. لكن في ساعة آلامه على الصليب ستتركه الأغلبيّة. الله يرحم الإنسان لكن الإنسان لا يقدّم رحمة الله. فالصّليب هو في الوقت نفسه، إظهار خطيئة البشر، وإظهار حبّ المسيح الرّحيم.

 

 

* هناك نارٌ ونار

إنّ النّار التي يريد يسوع أن يراها تهبط من السماء، هي نار الحبّ، نار الرّوح القدس: "إنّي جئت لألقي نارًا على الأرض، وكم أتمنّى أن تكون اشتعلت". (لوقا ١٢: ٤٩).

يا للتباين بين انتظارات البشر ـ النار المنتقمة ـ وبين رغبة الله ـ النار التي تعطي دفء الحبّ ونوره.

 

أوليست هذه ردّة فعلي فأغضب عندما أشاهد بعض أحداث ظالمة على التلفزيون؟ أليس في داخلي شخص يتمنّى، مثل يعقوب ويوحنّا، انتقام الله يهبط على عالمنا؟

أيّها الربّ يسوع، إجعلني أترك أفكاري البشريّة الضيّقة

كي أدخل في أفكارك.

هلمّ نقِّ فيَّ انعدام الحكمة والرّحمة.

 

 

 

القسم الثالث بعض طرق مرسومة للحياة الروحيّة

 

لنتأمل بمختلف الأشخاص في هذه القصّة. مَن أنا؟

 

١ ـ هل أنا أحزيا؟

عندما أكون مريضًا وأذهب لأستشير أيًّا كان ليعتني بي أكون مثل أحزيا. والحال، محاولات الشفاءات هي كالفطر، إذا لم نكن على ثقة بأنّها ليست صالحة، الأفضل أن نمتنع عنها... بعض محاولات، خطيرة للنفس، تفتح الأبواب للأرواح الشرّيرة. كتاب التعليم المسيحيّ الكاثوليكي يذكّرنا أنّ رغبة الشّفاء لا تبرّر أيّة ممارسة تكون:

 

٢١١٦ ـ يجب نبذ جميع أشكال العرافة: اللّجوء إلى الشيطان أو الأبالسة، استحضار الأموات أو الممارسات الأخرى المفتَرض خطأً أنّها "تكشف" عن المستقبل. استشارة مستطلعي الأبراج والمنجّمين وقارئي الكفّ، وشارحي الفأل أو الشؤم أو الحظّ، وظاهرات الرّائين واللجوء إلى الوسطاء، أمور تخبّئ إرادة التسلّط على الوقت، وعلى التاريخ وأخيرًا على البشر وفي الوقت عينه الرغبة في استرضاء القوى الخفيّة. إنّها على تناقض مع ما لله وحده علينا من واجب الإكرام والاحترام الممزوج بالخشية المحبّة.

 

٢١١٧ ـ جميع ممارسات السحر أو العرافة التي يزعمون بها ترويض القوى الخفيّة لجعلها في خدمة الإنسان، والحصول على سلطة فائقة الطبيعة على القريب ـ حتى وإن قصد بها توفير الصحّة له. إنّها مخالفة جسيمة لفضيلة الدين ـ ويكون الحكم أقسى على هذه الممارسات عندما تصحبها نيّة إيذاء الآخرين، أو تلجأ إلى مداخلات شيطانيّة. وحمل التعاويذ هو أيضًا مُلام. ومناجاة الأرواح تنطوي مرارًا على ممارسات عرافة أو سحر. ولهذا تنبّه الكنيسة المؤمنين إلى تجنّبها. واللجوء إلى أنواع الطبّ المدعوّة تقليديّة لا يسوغ استدعاء القوى الشرّيرة ولا استثمار ما عند الآخرين من سرعة تصديق.

 

ـ إنّ الذهاب إلى أحد يمارس التوسّلات (إلى مَن؟) أو يلجأ إلى الأكاذيب (حجارة خاصة، ورق...) ويقول أن عنده مواهب ونفوذًا ومقدّرات (ممّن؟) للشفاء، يلجأ إلى رؤى مضحكة... هذه كلّها مضرّة وخطيرة. ينبغي أن نعرف ذلك.

 

ـ إذا كنت أستخدم أنا هذه الأمور فلأطلب المغفرة من الله في سرّ التوبة. إذا كان هذا ضروريًا، بعد تمييز من قِبَل رجل أو امرأة من الكنيسة. أطلب صلاة تحرير من شخص وقور ذي وظيفة معروفة.

 

 

٢ ـ هل أنا قائد خمسين شرّير؟

ـ إن التاريخ المعاصر مليء بمعمّدين أطاعوا بخنوع سلطات ظالمة أو ناكرة للقدسيَّات. فالقتلة النازيون، الرونديون، الصربيون... هؤلاء اقترفوا جرائمهم ضدّ الله وأبنائه مكلّفين لهذا منفّذين مطواعين وخاضعين. ولكن في الحياة العادية، المنفّذون السلبيون لتوجيهات لا أخلاقية. موزّعون في جميع الأمكنة... إنّهم يرضون بأن يقوموا بضغوطات على بعض أجزاء المشاريع، وتحقيق تمويل غير قانوني للأحزاب السياسية... الأكثريّة يقومون بهذه الأعمال عن جبن أكثر منها عن ملعنة.

 

ـ إن الأب (Lebbe) لابي، مُرسَل بلجيكي في اليابان، كان شاهدًا خارق العادة للمسيح. فمنذ بداية القرن العشرين قبل المجمع الفاتيكاني الثاني بزمن، فهم وتنبّأ "عن المثاقفة" أن تكون مسيحيًا صينيًا مع الصينيِّين وبدون أن تفرض الثقافة الغربية والاستعماريّة. فأثناء هجوم اليابان على الصين ارتكبت فظاعات كثيرة. مرسلون كثيرون أوروبيون لم يكونوا يتجرّأون على التدخّل خوفًا من إزعاج ديبلوماسيّي بلادهم الأصلية، أو بسبب مبدأ منع التدخل. الأب لابي الذي نصحوه بالصمت وعدم التحزّب، قال هذه الكلمة المشهورة: "لن أكون أبدًا كلبًا صامتًا".

 

إنّ الفيلسوف عمّانوئيل مونييه، كتب كتابًا عنوانه: "المجابهة المسيحيّة" يناقض فيه مقالات نيتشه الذي يعاتب المسيحيّة على نزع رجولة الانسان. وفي  حدّة شديدة، يعاتب هذا المفكّر الشخصانيّ كاثوليكيِّين متأخّرين، فاترين الذين يشبهون الخراف المجرورة إلى الذبح منهم الحمل الغالب الشرّ. وإليكم نصّ عمّانوئيل مونييه:

 

" هذه الكائنات الملتوية التي لا تتقدّم في الحياة إلّا بمراوغة، منخفضة النظرات، هذه النفوس المخلّعة، هؤلاء وازنو الفضائل، هذه الضحايا الأسبوعية، هؤلاء الجبناء التقويون، هؤلاء الأبطال الكسولون، هؤلاء الأجنّة اللطفاء، هؤلاء العذارى العابسات، هذه الآنية المضجرة، هذه الأكياس من البراهين، هذه ظلال الظلال. هل هنا طليعة دانيال سائرًا ضدّ الوحش؟

 

فلكي نمحو بضربة واحدة صورًا عديدة منهكة، يكفي عشرة وجوه رهبان ضائعين في عمق دير، تكفي هذه الفلاّحة الأسبانيّة التي شاهدتها يومًا في ظلال أقبية كنيسة في طليطلة، مصلوبة الأيدي بحركة سلطانيّة، مستقيمة كملكة في سجودها. ولكن هل ينبغي إذًا أن ننقّب الأديرة والكنائس الأسبانيّة لنجمع إنعكاسات نار مائتة التي عليها أن تُلهب العالم. هل صحيح إذًا أن المسيحيّة، الصّالحة لتلقي شعاعًا هادئًا على الحضارات القديمة وعلى الحيوانات في غروبها، هي سمّ للعضلات الفتيّة، وعدوّ للقوّة الرجوليّة وللنعمة الطبيعيّة، مرض الشرق السّاقط على الإنسان اليونانيّ لأنَّ متعصّبًا صغيرًا من طرطوس نجا، لسوء الحظّ ، من العاصفة؟

      (L'affrontement Chrétien , E. MOUNIER- Ed. De Seuil)

 

 

3 ـ هل أنا قائد الخمسين الصّالح؟

* حتى في الأوضاع الصعبة، أحاول كالأب فرانس ستوك أن أبقى أمينًا لله ولخدمة الناس. أنا قائد الخمسين عندما أجهد النفس في احترام الله وممثّليه (الكنيسة) حتى ولو كان عملي يضعني  في تناقض مع قيم الإنجيل والمسيح. موقف احترام هذا للبابا، للأساقفة، للكهنة، للرّهبان والرّاهبات، موجود لدى الكثيرين من طيّبي القلب حتى غير المؤمنين أو غير المماسين، الذين لا يرضون بالوسائل السحريّة، ويكنّون احترامًا للذين وللواتي يمثّلون الله.

 

* أنا أيضًا قائد خمسين صالح، عندما أعود إلى عدم التحالف مع الذين يحاولون أن يجرّوني إلى مخالفة شرائع الله والرّسوم الداخليّة أو القرارات اللّاأخلاقيّة.

 

 

٤ـ هل أنا إيليّا؟

أنا إيليّا بقدر ما أرضى بأن أكون مطواعًا لإلهامات الرّوح القدس، المبلبلة أحيانًا. فالرّسالة ليست ملكًا لي. فالربّ يمكنه أن يحملني على أن أعيد النظر بأموري الخاصّة، بأفكاري، بمشاريعي، بتطلّعاتي: علاقتي الزوجيّة، تعليم أولادي، عملي، إلتزامي في الكنيسة... أنا إيليّا إذا سمحت لله أن يزعجني، أن يضع مفاهيمي على بساط الجدل، وأن يرى خلاف ما خطّطته سابقًا.

أنا إيليّا عندما تكون عندي الشجاعة لأسمّي الأغلاط والخطايا التي تحيط بي. إليك مثلاً خَلَقَ ضجّة كبيرة في الولايات المتّحدة. بمناسبة استلام جورج بوش الرئاسة، كان قسيس مدعوًا "ليصلي" أمام مجلس الشيوخ. في هذا الموقف الرسمي عادة، تُقال انطباعات تقويّة لا تزعج أحدًا. هذا النهار، حدثت المفاجأة...

قبل أن أعرض عليكم هذا النصّ، أشير إلى أنّني لا أعني كوني مع أو ضدّ جورج بوش أو لأدافع عن الحياة الدينيّة الأميركيّة، ولكن أن نعتبر هذه الصلاة مبادرة شجاعة لتخطّي التقليد العادي.

صلاة المحترم د. ورَيْت:

" أيّها الآب السماوي، لقد حضرنا أمامك في هذا اليوم كي نلتمس غفرانك وتمييزك. نعرف هذه الآيات من الكتاب المقدّس: "ويل للذين يقولون عن الشرّ أنّه خير". وهذا للأسف ما عملناه.

لقد قَلَبنا كلّ القيم ونعترف بها.

لقد جعلنا الحقيقة المطلقة في إنجيلك سخرية وسمّينا هذا: التعدّدية.

لقد عبدنا آلهة أخرى وسميّنا هذا: انفتاحًا ثقافيًا.

لقد وافقنا على فساد الأخلاق وسمّينا هذا: أساليب مختلفة في العيش.

لقد شجّعنا الكسل وسميّنا هذا: الرّاحة.

لقد قتلنا أطفالاً في أحشاء أمّهاتهم وسمّينا هذا: اختيارًا.

لقد أهملنا تعليم أولادنا وسمّينا هذا: التعليم الذاتي.

لقد سخرنا من السلطة وسمّينا هذا: السياسة.

لقد اشتهينا خيرات جيراننا وسميّنا هذا: طموحات مشروعة.

لقد أفسدنا الجوّ بالبورنوغرافيا  وسمّينا هذا: حريّة الرأي.

لقد جعلنا سخرية القيم والمبادئ، قيم آبائنا ومبادئهم، وسمّينا هذا: العصرنة.

إملأ قلوبنا يا الله، لأنك وحدك تعرف ما له قيمة حقيقة.

اغفر لنا خطايانا وحرّرنا

نطلب منك باسم ابنك، ربّنا يسوع المسيح. آمين".

إيليا رجل من نار

أوليفيه بيلليل