التلاميذ يضطهدون

 

 

التلاميذ يضطَّهدون

 

(متى 10/ 16 ـ 25)

قالَ الربُّ يَسوعُ لِتلاميذِهِ: «هَا أَنَا أُرْسِلُكُم كَالخِرَافِ بَيْنَ الذِّئَاب. فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالحَيَّات، ووُدَعَاءَ كَالحَمَامإِحْذَرُوا النَّاس! فَإِنَّهُم سَيُسْلِمُونَكُم إِلى المَجَالِس، وفي مَجَامِعِهِم يَجْلِدُونَكُم. وتُسَاقُونَ إِلى الوُلاةِ والمُلُوكِ مِنْ أَجْلي، شَهَادَةً لَهُم وِلِلأُمَموحِيْنَ يُسْلِمُونَكُم، لا تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَو بِمَاذَا تَتَكَلَّمُون، فَإِنَّكُم سَتُعْطَونَ في تِلْكَ السَّاعَةِ مَا تَتَكَلَّمُونَ بِهِفَلَسْتُم أَنْتُمُ ٱلمُتَكَلِّمِيْن، بَلْ رُوحُ أَبِيْكُم هُوَ المُتَكَلِّمُ فِيْكُم.


وسَيُسْلِمُ الأَخُ أَخَاهُ إِلى المَوْت، والأَبُ ٱبْنَهُ، ويَتَمَرَّدُ الأَوْلادُ عَلى وَالِدِيْهِم ويَقْتُلُونَهُمويُبْغِضُكُم جَمِيْعُ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ ٱسْمِي، ومَنْ يَصبِرْ إِلى المُنْتَهَى يَخْلُصْوإِذَا ٱضْطَهَدُوكُم في هذِهِ المَدِينَة، أُهْرُبُوا إِلى غَيْرِهَا. فَٱلحَقَّ أَقُولُ لَكُم: لَنْ تَبْلُغُوا آخِرَ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ٱبْنُ الإِنْسَان.


لَيْسَ تِلْميذٌ أَفْضَلَ مِنْ مُعَلِّمِهِ، ولا عَبْدٌ مِنْ سَيِّدِهِحَسْبُ التِّلْمِيذِ أَنْ يَصِيْرَ مِثْلَ مُعَلِّمِهِ، والعَبْدِ مِثْلَ سَيِّدِهِ. فَإِنْ كَانَ سَيِّدُ البَيْتِ قَدْ سَمَّوْهُ بَعْلَ زَبُول، فَكَمْ بِالأَحْرَى أَهْلُ بَيْتِهِ؟

 

 

 

"دم الشهداء زرع المسيحيين"

 

في هذا الأحد، تتذكّر الكنيسة حدث إرسال يسوع تلاميذه الإثنيّ عشر، مزوّدًا إيّاهم محبّته وتشجيعه وتأييده لهم بالرُّوح القدس الضامن لنجاح رسالتهم. وفي الوقت نفسه، يحذّرهم من الصعوبات والمحن والاضطهادات التي سيلقونها، ويعطيهم الضمانة بأنّهم لن يكونوا وحدهم في أداء رسالتهم، بل يتّلقون منه ومن الرُّوح القدس العون والوسائل الكفيلة بتأديتها.

 

 

1ـ شرح النصّ

في المقطع السّابق لهذا النصّ كان يسوع قد أصدر توصياته لتلاميذه: "لا تقصدوا أرضًا وثنيّة"، أي: أُبقوا في حدود إسرائيل، "لا تدخلوا مدينة سامريّة" بسبب الاحتقار المتبادل بين الطرفين، "لا تحملوا نقودًا"، لأنّ الفاعل يستحق أجرته، "سلّموا على الناس"، لأنّ من يستقبل الرّسل يحلّ السّلام عليه. وهذه التوصيات تركّز على ثلاثة عناوين:

 

التشديد على الفقر الماديّ مع التركيز على الجهوزيّة الضروريّة من أجل كرازة سريعة بالملكوت تصل إلى أهدافها.

 

التعامل مع الناس، لا مع الأغنياء العظماء، بل مع أولئك المستعدّين لتقبّل كلمة الملكوت أيًا كان مستواهم الأخلاقيّ والدينيّ.

 

حَمْل السلام إلى الجميع. تلك هي الهديّة أو البركة التي ترافق الرّسل في البيوت التي تستقبلهم، وهي التي ما زالت يحملها المرسلون اليوم.

 

 

بعد هذه التوصيات، نرى يسوع يرسل رسله، ويحذّرهم من الاضطهادات التي تنتظرهم، لأنّ إعلان الملكوت يعطّل مصالح العظماء في العالم. لهذا السبّب شدّد يسوع على وداعة الخراف، وحكمة الحيّات وبساطة الحمام، وقال لهم ما يلي:

"أنا مرسلكم كالخراف بين الذئاب"

 أرسل يسوع أخصّائه كخراف وسط الذئاب. بالنسبة إلى العهد الجديد، تدلّ الذئاب على الأنبياء الكذبة، أو على ما يهدّد القطيع. أمّا في هذه الآية، فالذئاب ليسوا الهراطقة، بل اليهود ولا سيّما الفرّيسيّين الذين كانوا خصوم يسوع  ثمّ خصوم رسله. هذا هو الإطار الذي فيه أعلن يسوع لرسله ما ينتظرهم من ألآم. إذًا الذئاب هم أعداء المسيح، وأعداء كلّ حقّ وخير وجمال. يقول بولس الرسول: "أنا أعلم أنّ ذئابًا ضارية سوف تندسّ بينكم وبعد رحيلي ولن ترفق بالقطيع" (أع 20/ 28 ـ 30). والذئاب أيضًا هم الرؤساء الذين بدلًا من حماية القطيع، ينقضّون عليه.

 

من جهة ثانية يوصي الربّ يسوع حاملي رسالته ببساطة الحمام وحكمة الحيّات والحذر الدائم من سطوة الذئاب. إنّ كتاب أعمال الرّسل يروي لنا رسالة الكنيسة الأولى و ما عانت من اضطهاد ومحن، كما ذكرها يسوع في رواية إنجيل اليوم. وأبرزها:

 

جَلْب الرّسل إلى المحاكم

 ظنّ التلاميذ أنّ المسيرة ستكون سلسلة من الانتصارات المجيدة، ولكنّهم فهموا أنّ اليهود والوثنيِّين الذين ذهبوا إليهم سيبغضونهم، ناهيك بالإخوة والأخوات. وهكذا يكون مصير التلاميذ مثل مصير المسيح الذي مَثَل أمام "السنهدرين" في آلامه.

 

الاقتياد إلى الولاة والحكّام

ما يصيب المسيحيّين من قهر وتعذيب يعود إلى سبَبَيْن: الأوّل انتقادهم الشديد السلطات اليهوديّة، والثاني، اعتبار كلام التلاميذ عن المسيح تجديفًا. وعلى مثال يسوع، أُسلم التلاميذ إلى الولاة والحكّام. لنتذكّر ما قاله بطرس: طوبى للإنسان الذي يحتمل الظلم من أجل الله. أمّا إن ضُرب لذنب اقترفه فلا مفخرة له (1 بط 2/ 19 ـ 20). ولئن اقتيد التلاميذ إلى الحكّام، فلكي يشهدوا بطريقة رسميّة وعلنيّة.

 

متى أسلموكم

 حين يقف المرسلون أمام المحافل والمجامع، والولاة والملوك، فلن يكونوا وحدهم، لأنّ روح أبيهم يكون معهم، كما كان في السّابق مع الأنبياء. فروح الآب يظهر في الأزمات وفي أوقات الشدّة، ولا ينتهي مفعوله على الأرض، إنّما يرافقهم إلى مجد السماء.

 

وتكونون مُبغَضين

سيلقى التلاميذ المقاومة من كلِّ جانب. لا طمأنينة لهم في فلسطين ولا خارجها. أمّا سبب البغض بكلِّ بساطة، فهو إعلان اسم يسوع. يقول أشعيا: "أبغضوكم وطردوكم لأجل اسمي" (66/ 5). إنّ تماهي التلاميذ مع يسوع واعترافهم به، هما سبب الاضطهاد. فمن الطبيعي أن يعانوا الاضطهاد في كلِّ مرَّة يتكلّمون مثل معلّمم ويفعلون ما يفعل. وعلى الرّغم من المآسي الظاهرة، فالتلاميذ سينجون من الموت ويجدون الحياة، لأنّ "من يصبر إلى المنتهى يخلص".

 

لا تلميذ أعظم من معلّمه

 هذا الكلام يدلّ على ضرورة الألم. فالذين اضطهدوا المعلّم، من المؤكّد أنّهم سيضطهدون التلميذ. ويدلّ أيضًا على التعزية والتشجيع، ما يعني أنّ معاناة التلاميذ على مثال معلّمهم، تتحوّل فخرًا واعتزازًا وتعزية. قال فيلون الإسكندريّ: "أن يكون الإنسان عبد الله، فهذا أعظم فخر له، هو كنز أثمن من الحريّة والصحة والقوّة وجميع ما يعزّ على قلب الإنسان". في أيّة حال، إن لم يكن التلميذ مساويًا للمعلّم، فهو يتوق إلى أن يتشبّه به.

 

 

2ـ خلاصات عمليّة

 

الإضطهاد هو معاناة وتألّم وموت يُنزله الإنسان بأخيه الإنسان عمدًا وظلمًا، بسبب معتقداته ومواقفه الدينيّة أو السياسيّة أو الاجتماعيّة. وما عانى تلاميذ المسيح، من معاكسات ومشقّات ومضايقات لا زال يتقرّر ويتكرّر في بعض البلدان والأنظمة بحقّ المسيحيِّين، وذلك بسبب إيمانهم بالمسيح وبإنجيله، وبسبب مسلكهم الذي به يتمسّكون. والمكافأة الموعود بها المضطهدون تجد مسوغاتها، لا  في ما يعانون من عذابات، بل في كونهم يتعذّبون من أجل المسيح.

 

 

المسيحيّ في وداعته يكون كالحمامة التي لا تحمل حقدًا ولا تنصُب فخاخًا لأحد، لكنّه يلتزم حكمة الحيّات، فلا يُفسح لأحد مجالًا في أن يوقعه في الشراك. والمسيحيّ الذي يسمح للآخرين بأن يخدعوه، يكون مخطئًا كمن يحاول أن يخدع الآخرين (القدّيس إيرونيموس).

المطلوب من تلميذ يسوع أن يسلك مسلكًا صالحًا فلا يُعرّض نفسه للاتهامات. والدليل الذي يعطيه للناس عن إيمانه هو حسن سلوكه. وإذا تعرّض للاضطهاد بسبب رسالته وأعماله الصّالحة، فطوبى له.

 

 

إنّ تحمّل الاضطهاد من أيّ نوع كان هو بذاته عمل تبشيريّ، أبلغ من كلّ كلام، إنّه موعظة بليغة. قال ترتليانوس: "دم الشهداء زرع المسيحيِّين". إنّ عالمنا يطلب مثل هؤلاء الشهود ـ الشهداء، ويمنحهم ثقته، ويقتنع بهم وينقاد إلى تعليمهم: "فلا تستحِ بالشهادة لربّنا، ولا تستحِ بي أنا سجينه، بل شاركني المشقات في سبيل البشارة... غير أنّي لا أستحي بها لأني عالم على من توكّلت" (2 طيمو 1/ 8 ـ 12). "والذين يزرعون بالدموع يحصدون بالتهليل" (مز 126/ 5). فالمضطهدون يتألّمون من أجل يسوع ومثله ومعه. يقول بطرس: "إفرحوا بقدر ما تشاركون المسيح في ألآمه، حتى إذا تجلّى مجده، كنتم في فرح وابتهاج" (1 بط 4/ 12 ـ 14).

الاضطهاد هو علامة حياتنا المسيحيّة ومقياس أصالتنا. إنّه من نصيب كلّ مسيحيّ، كما كان من نصيب المسيح، خاصّة وأنّ تاريخ الكنيسة حتى أيّامنا، كُتب أكثر الأحيان بدم الشّهداء وبشهادة القدّيسين اليوميّة ليسوع. وكما حاكم العالم يسوع وصلبه وظنّ أنّه انتصر نهائيًا عليه، كذلك سيحاكم التلاميذ ويدفعهم إلى الموت، ظنًّا منه أنّه سينتصر عليهم وسيقتل البُشرى بقتلهم. إلّا أنّ الرّوح القدس، كما شهد ليسوع معلنًا قيامته ومجده، كذلك سيشهد للتلاميذ أيضًا، وسيجعل من اسشتهادهم ساعة مجدٍ جديد لمن أرسلهم، وسيحوّل موتهم إلى حياة وهداية للكثيرين. إلى أمثال هؤلاء الشهود يتعطّش عصرنا، وإلى نفحة من شهادتهم الحيّة، تفتقد الكرازة اليوم.

فلنكن في هذا الزمن خاصّة، واعين لعمل الرُّوح فينا ومتفاعلين معه، لنحقّق يومًا بعد يوم هويّتنا المسيحيَّة على مثال قائدنا وقدوتنا وقدرتنا، يسوع ربّنا.

 

 

صلاة

إقبل أللّهمّ صلاتنا، مشفوعة بصلوات شهودك وشهدائك وشذا أمانتهم. أتمّ عهد النعمة وهبات الخلاص، واجمعنا إليك شعبًا مفتدًى مكمّلًا بالمحبّة وبالسّلام الذي منك. آمين.

 

 

"يسوع موعد حبّ"

الأب يونان عبيد