الرّوح يعلّم

 

 

 

 

الرّوح يعلّم

 

 

(يو 14/ 21 ـ 27)

 

قال الرَبُّ يَسوعُ لِتلاميذِهِ: «مَنْ كَانَتْ لَدَيْهِ وَصَايَاي ويَحْفَظُهَا، هُوَ الَّذي يُحِبُّنِي. ومَنْ يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وأَنَا أُحِبُّهُ وأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي». قَالَ لَهُ يَهُوذَا، لا ذَاكَ الإِسْخَريُوطِيّ: «يَا رَبّ، مَاذَا جَرَى حَتَّى تُظْهِرَ ذَاتَك لَنَا، لا لِلعَالَم؟».

 

أَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُ: «مَنْ يُحِبُّنِي يَحْفَظُ كَلِمَتِي، وأَبِي يُحِبُّهُ وإِلَيْهِ نَأْتِي، وعِنْدَهُ نَجْعَلُ لَنَا مَنْزِلاً. مَنْ لا يُحِبُّنِي لا يَحْفَظُ كَلِمَتِي. والكَلِمَةُ الَّتِي تَسْمَعُونَهَا لَيْسَتْ كَلِمَتِي، بَلْ كَلِمَةُ الآبِ الَّذي أَرْسَلَنِي.

كَلَّمْتُكُم بِهذَا، وأَنَا مُقِيمٌ عِنْدَكُم. لكِنَّ البَرَقْلِيط، الرُّوحَ القُدُس، الَّذي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِٱسْمِي، هُوَ يُعَلِّمُكُم كُلَّ شَيء، ويُذَكِّرُكُم بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُم.

أَلسَّلامَ أَسْتَودِعُكُم، سَلامِي أُعْطِيكُم. لا كَمَا يُعْطِيهِ العَالَمُ أَنَا أُعْطِيكُم. لا يَضْطَرِبْ قَلْبُكُم ولا يَخَفْ!

 

 

 

 

إنّ إنجيل اليوم هو تكملة لإنجيل عيد العنصرة (يو 14/ 15 ـ 20)، وهو مقطع من خطبة الوداع الأولى التي يعرضها إنجيل يوحنّا على لسان يسوع. وبما أنّ هذه الخطبة تبدأ وتنتهي  بموضوع الإيمان، فهي تدعو التلاميذ إلى الثقة وعدم اليأس أمام حدث الصليب الآتي، وتبيّن بصورة خاصّة أن يسوع العائد إلى أبيه بكامل محبّته وحرّيّته، هو في الواقع طريقنا إلى الآب، وهو يترك لنا وعده لزمن الغياب أي حضور الروح القدس.

 

 

"الروح يعلّم"

هذا هو العنوان المُعطى، لنصّ إنجيل اليوم، حسب الطقس الماروني. وحده يوحنّا أعطى الروح القدس لقب برقليط، لأنّ أبرز أدواره، في حضوره لدى التلاميذ، هو قبل كلّ شيء: التعليم "وسيرسل الآب باسمي البرقليط الروح القدس، فيعلّمكم كلّ شيء، ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم" (1/ 15 ـ 26). فالبرقليط لا يحمل إلينا إنجيلًا جديدًا، لأنّ في حياة يسوع وتعليمه، يوجد كلّ ما تجب معرفته لتوطيد ملكوت الله.

 

إنّ فعل "علّم" عند يوحنّا، يعني فسّر بشكل صحيح، أو نَقَل حقيقة سماويّة. في الأساس علّم الآب الابن ما عليه أن يعطيه للعالم، وهو لا يعلّم شيئًا لم يأخذه من الآب، كذلك الرّوح لن  يعلّم شيئًا لم  يأخذه من الابن. فالوحي مصدره الآب، وقد نقله إلينا الابن ليبلغ غايته عندما يتملّك عمق أعماقنا بفعل الرّوح القدس: "ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم".

 

 بعد رحيل يسوع، يتذكّر التلاميذ أكثر من مرّة كلماته وأعماله (يو 2/ 21 ـ 22) (يو 12 / 16).  ما يدلّ على أنّ البرقليط  لا يكتفي  بأن يعيد إلى الذاكرة أمورًا منسيّة فحسب، لكنّه يمنح القدرة على فهم  الحدث  وإدراك معناه في ضوء القيامة: "إذا جاء روح الحقّ فهو يقود خطاكم في الحقّ كلّه... لأنّه يتكلّم بكلّ ما يسمع، ويخبركم بالآتي" (يو 16/ 13).

 

 إذًا، إنّ مهمّة البرقليط هي التعليم، إلّا أنّ دوره لن يكون في  إعطاء تعليم جديد مختلف عن تعليم يسوع، أو حقيقة يسوع، بل سيقود التلاميذ نحو الفهم الكامل لشخص يسوع وتعليمه وعمله.

 

إنّ مهمّة البرقليط تقوم على أن يشرح للكنيسة التدبير الجديد في ضوء موت الربّ وقيامته.

والروح القدس الذي يشهد ليسوع ويفسّر لنا معنى كلامه، يكون بدوره، مقيمًا وحاضرًا في كلّ مؤمن، فيحوّله إلى تلميذ حقيقيّ ليسوع، وإلى شاهد لحبّ الآب في قلب العالم.

 

المحبّة وحفظ كلام يسوع

 

في العهد القديم سكن الله في خيمة العهد، ثمّ في هيكل أورشليم. وفي نبوءات حزقيال وأشعيا، يسكن الله وسط شعبه وبينهم. أمّا في العهد الجديد، فالإنسان نفسه يصبح هيكلًا لسكن الآب والابن والرّوح والقدس.

 

 وكما في العهد القديم، كذلك في العهد الجديد، يرتبط حضور الله الثالوثيّ في المؤمن بمحبّته لله، المتمثلة هنا بمحبّة الأقنوم الثاني المتجسّد يسوع المسيح. وهذه المحبّة ليست عاطفية، بل واقعيّة، تتجسّد في حفظ وصايا المسيح والعمل بها: "من أحبّني  حفظ وصاياي" (14/ 21). وعلى هذه المحبّة أن تتملّك الإنسان بكامله. فالذي يحبّ الله من كلّ قلبه، لا يستطيع أن يستعبد جسده للخطيئة والشهوات وغيرها. ومن هنا يشدّد المسيح على أنّ من لا يحفظ وصاياه لا يحبّه فعلًا، وبالتالي لا يحبّ الآب، لأنّ الكلمة التي يعلّمها يسوع هي كلمة الآب الذي أرسله.

 

وإذا أردنا ظهور يسوع للعالم، حسب يهوذا الرّسول، علينا أن نبحث عنه في القلب.

 

فكلّ مرّة يسمع فيها إنسان كلام الله ويكرّره لنفسه ويطبّقه في حياته، يصبح من عائلة الله. ولكي يتحقّق ذلك، لا بدّ من أن نكون في نظام الحبّ: "من لا يحبّني لا يحفظ كلامي".

 

 

 أظهر يوحنّا في بداية إنجيله، أنّ المسيح القائم هو هيكل الله الحقيقيّ (2/ 20)، والآن يصبح المؤمن المتّحد بالمسيح مسكن لله. كان يسوع يقود تلاميذه نحو الآب، والآن هو الآب ذاته يأتي ليسكن في التلميذ المؤمن. فقد امّحت المسافة بين الله والإنسان، ومَنْ أزالها هو الله  بالذات، لأنّه لا يمكن أن يظهر ذاته لمن يرفض كلمته. وهذا هو الفرق بين التلاميذ والعالم.

 

إنّ كلمة يسوع مقدّمة دومًا للجميع، وهي تهب الحياة لمن يؤمن به، لكنّ جواب الإنسان يبقى حرًا حتى النهاية.  

 

إنّ الحضور الجديد في الرّوح الحيّ فينا، سوف يُترجم بالسلام، وهو سلام " لا كما يعطيه العالم". إنّ سلام العالم هو تهرّب من الصعوبات، وهو  يقوم على إزالة تهديد الأعداء. أمّا السلام الذي يمنحه الرّوح القدس، فهو سلام يسوع في صميم آلامه وفي اتّحاده المتواصل بالآب وبمشيئته.

 

 وهكذا، يرتبط السلام بشخص يسوع، فيدلّ على الخلاص الذي يتمّه بالنسبة إلى تلاميذه، وعلى السعادة برفقة الله. هذا السلام هو عطيّة مجانيّة، لأنّه يختلف كلّ الاختلاف عن سلام يحمله العالم ولا يعدو كونه هدنة بين حَربَيْن، ولذا لا مكان للاضطراب والقلق مع سلام يسوع.

 

هنا يقدّم يسوع لتلاميذه سلام نهاية الأزمنة، من أجل مدى التاريخ كلّه مهما كانت المحن (16/ 33). وذهاب يسوع يجب ألّا يولّد الخوف والإضطراب عند التلاميذ، بل عليهم بالأحرى أن يفرحوا لعودة الابن إلى الآب، وأن يؤمنوا بأنّ الرّوح سيتابع بينهم حضوره المهدّئ والمنير.

 

إنّ سلام يسوع يخوّلنا أن نعمل باحترام ووقار من أجل كلّ ما يكوّن الإنسان وكلّ ما ينمّيه نفسًا وجسدًا. كما أنّ سلام المسيح هو أيضًا سلام نحقّقه لنا وللآخرين، لكونه وَعَد صانعي السلام بالسعادة، لأنّهم في الحقيقة أبناء الله.

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ السلام في إنجيل يوحنّا هو ثمرة فصح يسوع وعبوره بالموت إلى مجد القيامة، ولن نحصل عليه إلّا بواسطته، على الرغم من الشدّة التي سنعاني في هذا العالم.

 

 

 أمثولات روحيّة

لا شهادة، لا تعليم لا ذاكرة خارج الرّوح القدس. إنّ فاعليّة التبشير لا تكمن بالوسائل البشريّة المستخدمة وبترابط البراهين وتكامل الاستنتاجات، بقدر ما ترتكز على اختبار المبشّر للمسيح والإصغاء المستمرّ إلى الرّوح. هذا ما اختبره الرسول بولس الذي أكّد أنّ الفراغ الكبير الذي سيطر على كيانه، لم يملأه إلّا الرّوح القدس، الذي خوّله أن يجترح المعجزات، ويدعم بشارته بالعلامات والبراهين.

 

 

إنّ عمل الرّوح هو إذًا تعليم وتذكير من الداخل، أي في عمق قلب الإنسان المؤمن، كي يفهم معنى كلمات يسوع، فيحفظها ويجعلها حاضرة في حياته كفرد وجماعة. بهذه الطريقة تبقى كلمة يسوع حيّة وفاعلة فينا جميعًا على مدى الأجيال، لأنّها لا تقتصر على معرفة عقلانيّة أو خارجيّة بل هي معرفة الإيمان والمحبّة: "أمّا أنتم فإنّ المسحة التي قبلتموها منه مقيمة فيكم، فليس بكم حاجة إلى من يعلّمكم" (1 يو 2/ 27).

 

 

نحن مدعوّون إلى أن نحبّ مثل يسوع، لا بقوانا الذاتيّة، بل بقوَّة محبَّته الفاعلة فينا. فيسوع هو الذي يشعل نار المحبَّة في صدورنا، ويمنحنا القدرة على أن نحبّ إخوتنا كما هو أحبّهم وأحبّنا. وهكذا تصبح محبّتنا بعضنا لبعض مشاركة بالحبّ الإلهيّ الواحد المضطرم في قلب الثالوث. وبفعل هذه المحبّة، ننجو من خطر الانغلاق على ذواتنا، وننفتح على آفاق العالم بأسره ونكون شهود المحبّة.

 

خلاصات روحيّة

يتميّز عالمنا اليوم بتقدّم هائل في مجال العلوم والتقنية والمعرفة، ما دفع الإنسان المعاصر إلى الإعتقاد بأن تحسين حالته المادية كفيل بإيصاله إلى مبتغاه في السعادة وتحقيق الذات، وهذا ما أبعد الكثيرين عن القيم الدينيّة. إزاء كلّ ذلك، لا يمكننا إلّا أن نؤكّد مع بولس الرسول في زمن العنصرة قائلين: "إنّ الرّوح واحد والربّ واحد والله واحد".

فاليوم وكلّ يوم، إنّ روح الربّ يعمل فينا ومعنا كما في الكنيسة الأولى.

 

 

على الإنسان المسيحيّ، في عالم يسوده الاضطراب ويجنح صوب العلمنة، أن يكون متيقظًا وساهرًا، فلا ينغلق على اللحظة الراهنة مستسلمًا للأمور الماديّة، بل يرفع نظره إلى أبعد ممّا هو آني وملحّ. المهمّ أن نتطلّع إلى الله كي ننال منه نعمة القيام بالعمل القويم والانفتاح على الحبّ، والقدرة على تحقيقه.

 

 

بما أنّ يسوع هو بالقرب من الآب، فهذا يعني أنّه قريب منّا، إذ لم يعد موجودًا في مكان معيّن في العالم، كما كان قبل الصعود، بل هو الآن حاضر من أجل الجميع ـ على مدى التاريخ كلّه وفي كلِّ مكان ـ بقدرته التي تتخطى كلّ مكان، لأنّه موجود على "جبل الآب"، ينزل في كلّ لحظة، إلى موكب حياتنا، فيرانا ويسمعنا: "أنا ذاهب وسأرجع إليكم". هذا هو اعتقاد مسيحيّتنا، وسبب فرحنا.

 

 

صلاة

إمنحنا أللهمّ أن نكون لديك واحدًا، كما دعينا برجاء دعوتنا الواحد. لأنّ لإيماننا واحد ومعموديتنا واحدة، والله أب كلّنا واحد. وهو فينا يعمل بنا ما يحسن دومًا لمشيئته. لك المجد إلى الأبد. آمين.

 

 

                                                           الأب يونان عبيد