الصلاة في الجزء الثاني من رؤيا القدّيس يوحنّا

 

الصلاة في الجزء الثاني من رؤيا القدّيس يوحنّا

 

 

 

في البداية، وبعد نداء المسيح المُلِحّ الذي قال في الجزء الأوّل من الرُّؤيا سبعَ مرّات: «من له أذنان فليسمع ما يقوله الرّوح للكنائس» (رؤيا 2، 7. 11. 17. 29 ؛ 3، 6. 13. 22)، تُدعى الجماعة للصّعود إلى السّماء للنظر إلى الواقع من خلال عينيّ الله؛ وهنا نجد ثلاثة رموز، وهي نقاط مرجعيّة يجدر الانطلاق منها لقراءة التاريخ: عرش الله، الحمل والكتاب (رؤ 4، 1 - 5، 14).

 



الرّمز الأوّل هو العرش، الذي يجلس عليه شخص لا يصفه يوحنّا، لأنّه يتجاوز كلّ تمثيل بشريّ؛ يمكنه فقط أن يلمِّح إلى الإحساس بالجمال والفرح الذي يشعر يوحنّا به عندما يجد نفسه أمامه. هذا الشّخص الغامض هو الله، الإله الكليّ القدرة الذي لم يبقَ منغلقـًا على نفسه في سمائه، بل جعل نفسه قريبًا من الإنسان، بدخوله في عهدٍ معه؛ الله الذي يُسمِع في التاريخ، بشكلٍ سرّيّ ولكن حقيقيّ، صوته المرموز إليه بالبروق والرعود. هناك عدّة عناصر حول عرش الله، كالأربعة والعشرين شيخًا والأربعة أحياء، الذين يسبِّحون باستمرار الربّ الأوحد للتاريخ.

 



الرمز الأوّل إذًا، هو العرش. أمّا الرمز الثاني فهو الكتاب، الذي يحتوي على تدبير الله للأحداث والبشر؛ إنّه مغلق بإحكام بسبعة ختوم، وما كان أحد يستطيع قراءته. أمام عجز الإنسان هذا في تقصّي تدبير الله، يشعر يوحنّا بحزن عميق يدفعه إلى البكاء. ولكن هناك علاج لتَيَهان الإنسان أمام سرّ التاريخ: هناك مَن هو قادر على فتح الكتاب وإنارته.

 

 

 

 


وهنا يظهر الرّمز الثالث: المسيح، الحمل المذبوح في ذبيحة الصّليب، غير أنّه واقفٌ، كدليل على قيامته. وهو الحمل بالتحديد، المسيح الذي مات ثمّ قام، مَن يفتح تدريجيًّا الختوم ويكشف عن تدبير الله، المعنى العميق للتاريخ.

 



ماذا تقول هذه الرّموز؟ إنّها تذكِّرنا بالطريق لقراءة وقائع التاريخ وحياتنا نفسها. فبالنظر إلى العُلى نحو سماء الله، في العلاقة الثابتة بالمسيح، وبفتح قلوبنا وعقولنا له في الصّلاة الشخصيّة والجماعيّة، نتعلّم رؤية الأشياء بطريقة جديدة لفهم معناها الحقيقيّ. الصّلاة هي مثل النافذة المفتوحة التي تجعلنا نوجِّه نظرنا نحو الله، ليس فقط لنتذكّر الهدف الذي نتوجّه صوبه، ولكن أيضًا لجعل مشيئة الله تُنير مسيرتنا الأرضيّة وتساعدنا على عيشها بعمق والتزام.

 

 



كيف يرشد الربّ الجماعة المسيحيّة في قراءة أعمق للتاريخ؟ بادئ ذي بدء، داعيًا إيّاها للنظر إلى الحاضر الذي نعيشه بواقعيّة. يفتح الحمل إذًا الختوم الأربع الأولى للكتاب والكنيسة ترى العالم الذي تنضوي فيه، وهو عالم يوجد فيه العديد من العناصر السلبيّة. هناك الشّرور التي يقوم بها الإنسان، مثل العنف، الذي يتولّد من الرّغبة في التملّك، وهيمنة البعض على البعض الآخر، حتّى الوصول إلى قتل بعضهم البعض (الختم الثاني)؛ أو الظلم، لأنّ البشر لا يحترمون القوانين التي صاغوها لأنفسهم (الختم الثالث). إلى هذه يجدر إضافة الشّرور التي ينبغي على الإنسان أن يعانيها، مثل الموت والجوع والمرض (الختم الرابع). أمام هذه الوقائع، المأساويّة في كثير من الأحيان، يُدعى الجماعة الكنسيّة إلى عدم فقدان الأمل أبدًا، وأن تؤمن إيمانًا راسخًا بأن قدرة الشرّير الكليّة الظاهريّة تصطدم بقدرة الله الكليّة الحقيقيّة. والختم الأوّل الذي يحلّه الحمل يحتوي بالتحديد على هذه الرّسالة. إذ يروي يوحنّا: «ورأيت فإذا فرسٌ أبيض، والرّاكب عليه معه قوس، وأُعطي إكليلاً، فخرج ظافرًا، ولكي يظفر أيضًا» (رؤ 6، 2). دخلت قوّة الله في تاريخ الإنسان، وهي ليست قادرة على تحقيق التوازن مع الشرّ فحسب، بل أيضًا على التغلّب عليه؛ فاللّون الأبيض يشير إلى القيامة: لقد أصبح الله قريبًا لدرجة أنّه نزل إلى ظلام الموت لينيره بروعة حياته الإلهيّة؛ لقد أخذ على عاتقه شرّ العالم لتطهيره بنار محبّته.

 



كيف ننمو في هذه القراءة المسيحيّة للواقع؟ يقول لنا سفر الرؤيا إنّ الصّلاة تغذّي في كلّ واحدٍ منّا وفي جماعاتنا هذه الرّؤية المكوّنة من النّور والأمل العميق: فهو يدعونا لئلاّ ندع الشرّ يتغلّب علينا، بل لأن نغلب الشرّ بالخير، وأن ننظر إلى المسيح المصلوب والقائم من الموت الذي يُشركنا في انتصاره. فالكنيسة تعيش في التاريخ، وهي لا تنغلق على نفسها، بل تواجه بشجاعة طريقها في خضمّ المصاعب والمعاناة، مؤكِّدة بشكلٍ قاطع أنّ الشرّ في نهاية المطاف لا يتغلّب على الخير، والظلام لا يحجب روعة الله. وهذه نقطة مهمّة بالنسبة لنا؛ إذ لا يمكننا أبدًا كمسيحيّين أن نكون متشائمين؛ نحن نعرف جيّدًا أنّنا في مسار حياتنا كثيرًا ما نواجه العنف والباطل، والكراهية، والاضطهاد، ولكن هذا لا يحبطنا. تعلِّمنا الصّلاة على الأخص أن نرى علامات الله، وحضوره وعمله، لا بل أن نكون نحن أنفسنا أنوار خير، تنشر الأمل وتشير إلى أنّ النصر هو لله.

 



يؤدّي هذا المنظور إلى رفع الشّكران والتسبيح لله والحمل، فالأربعة والعشرون شيخًا والأربعة أحياء يرنّمون معًا «ترنيمة جديدة» تحتفل بعمل المسيح الحمل، الذي سيجعل «كلّ شيءٍ جديدًا» (رؤ 21، 5). لكنّ هذا التجديد هو قبل كلّ شيء عطيّة نطلبها. وهنا نجد عنصرًا آخر يجب أن يميِّز الصّلاة: مناشدة الربّ بإلحاح أن يأتي ملكوته، وأن يكون للإنسان قلبًا مطواعًا لسيادة الله، أن تكون مشيئته هي التي توجِّه حياتنا وحياة العالم. تُمثَّل في سفر الرؤيا هذه الصّلاة-الطلب بتفصيل هامّ: فـ «الشيوخ الأربعة والعشرون» و«الأحياء الأربعة» يحملون بأيديهم، مع القيثارة التي ترافق ترنيمهم، «كؤوسًا من ذهب ملأى بخورًا» (5، 8 أ) وهي، كما يُفسَّر، «هي صلوات القدّيسين» (5، 8 ب)، أي صلوات أولئك الذين بلغوا الله، ولكن أيضًا صلواتنا نحن جميعًا السّائرين على الدّرب.

 

 

 

ونرى أمام عرش الله ملاكًا يمسك بِيده مبخرة من ذهب حيث يضع باستمرار حبوب البخور، أي صلواتنا، بينما يُقدَّم عطرُها العذب مع الصّلوات التي ترتفع أمام الله (راجع رؤيا 8، 1-4). إنّها رمزيّة تقول لنا كيف أنّ كلّ صلواتنا - مع كلّ المحدوديّة والجهد والفقر والجفاف والعيوب التي قد تكمن بها - تُنقـّى وتصل إلى قلب الله. علينا أن نثق من أنّه لا توجد صلوات لا لزوم لها، لا طائل منها؛ إذ لا تُفقَد أيٌّ منها. وهي تُستجاب، وإن بشكل غامض في بعض الأحيان، لأنّ الله محبّة ورحمة بلا حدود. يكتب يوحنّا «وأخذ الملاك المبخرة، وملأها من نار المذبح، وألقاها على الأرض، فحدثت رعودٌ وأصواتٌ وبروقٌ وزلزلة» (رؤ 8، 5). تعني هذه الصورة أنّ الله ليس غير مبالٍ بابتهالاتنا، وهو يتدخّل ويجعل قدرته وصوته على الأرض محسوسين، ويهزّ نظام الشرّير ويقلبه. نحن نشعر، في كثير من الأحيان، أمام الشرّ بالعجز على فعل أيّ شيء، لكنّ صلاتنا بالتحديد هي الردّ الأوّل والأكثر فعاليّة الذي يمكننا أن نعطيه والتي تقوّي التزامنا اليوميّ في نشر الخير. تجعل قدرة الله ضعفنا مثمرًا (الرسالة إلى روما 8، 26-27).

 



أودّ أن أختتم ببعض الإشارات إلى الحوار النهائيّ (راجع رؤيا 22، 6 – 21). يكرِّر يسوع عدّة مرّات: «هاءنذا آتي عاجلاً» (رؤيا 22، 7 . 12). لا يشير هذا التأكيد إلى المنظور المستقبليّ في نهاية الزمان فقط ، بل إلى الحاضر أيضًا: يسوع يأتي، يضع مسكنه في مَن يؤمن به ويقتبله. تكرِّر الجماعة ليسوع حينها، بتوجيه من الرّوح القدس، الدّعوة الملحّة ليقترب منها أكثر فأكثر، «تعال!» (رؤ 22، 17أ). إنّها مثل «العروس» (22، 17) التي تتطلّع باتّقاد إلى ملء الزواج. يتكرّر الابتهال للمرّة الثالثة: «آمين! تعالَ، أيّها الرّبّ يسوع» (22، 20 ب)؛ ويختم القارئ بتعبير يدلّ على معنى هذا الحضور: «نعمة ربّنا يسوع المسيح مع جميع القدّيسين» (22، 21).

 

 



يُشركنا سِفر الرُّؤيا، على الرّغم من تعقيدات رموزه، في صلاة غنيّة جدًّا، نستمع بفضلها نحن أيضًا إلى الرّب، ونسبِّحه، ونشكره، ونتأمّل به، ونسأله المغفرة. إنّ هيكليّته، كصلاة ليتورجيّة جماعيّة كبيرة، هي أيضًا دعوة قويّة لإعادة اكتشاف الاندفاع الرّائع والمحوِّل الذي يكمن في الإفخارستيّا؛ أودّ أن أدعو، على وجه الخصوص، بقوّة لأن نكون أوفياء للقدّاس الإلهيّ نهار الأحد في يوم الربّ، الأحد، المركز الحقيقيّ للأسبوع! يذكّرنا غنى الصّلاة في سِفر الرُّؤيا بالماسة، التي تحوي مجموعة رائعة من الجوانب، لكنّ نفاستها تكمن في نقاء نواتها المركزيّة الوحيدة. إنّ أشكال الصّلوات الرّائعة التي نجدها في سفر الرؤيا تلمّع نفاسة يسوع المسيح الفريدة والفائقة الوصف. 

 

 

 

البابا بنديكتس السادس عشر - 2012