الصوم زمن انتظار ثان

الصوم زمن انتظار ثان

 

تبدو لهجة نثنائيل في القراءة الإنجيليّة (يو 1/ 43 - 51) مضطرّبة بعض الشيء: "من أين عرفتني؟".

 

لقد عرف يسوع نثنائيل في العمق إلى درجة أنّه أرتبك بعض الشيء، على الرغم أنّ جواب يسوع لا يكشف عن أيّ شيء غير اعتياديّ: "لقد رأيتك تحت التينة". ولكن ما لا يلفت انتباهنا عادةً هو غير الاعتياديّ الّذي حصل في نفس المشهد، إذ أنّ جواب يسوع العادي قد حوّل الشكّاك إلى قدّيس في لمحة بصر، وانطلق يُصرّح بملء قلبه وفمه: "ربّي، أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل!".

 

ما الّذي تُراه حصل في قلب نثنائيل وعقله ليتغيّر هذا التغيير الدراماتيكيّ؟ لعلّ شرح الخلفيّة التاريخيّة لهذا الحدث تُساعدنا على فهم هذا المشهد المُفعم بالإيمان والانتظار.

 

إنّ المفتاح لفهم هذا المشهد هو شجرة التين، الّتي بدورها تحتوي على الكثير من الرمزيّة لشعب إسرائيل، فهي ترمز للأمّة. ولكن كلمات يسوع تذهب إلى ما هو أبعد من الرمزيّة. فشجرة التين تمثّل مكانًا عامًا للصلاة، وخاصّةً للمبتدئين في حياة التتلمذ في الشريعة. وإذ دعاه فيلبس من تحت التينة، فهو غالبًا كان يُصلّي. وهذه حقيقة مُهمّة، ولكن ما زالت غير قادرة على تفسير دراما هذا المشهد. إذًا، قد نقول أنّ أحّدًا قاطعه خلال صلاته، ونذكر أنّنا لاحظنا بعضًا من الإرتباك عند نثنائيل في بداية المشهد.

 

يخصّ آخر مفتاح من هذه الأُحجية التعليم الرابانيّ في القرن الأوّل عن الصلاة، فالتعليم يقول: "إنّ كُلّ صلاة لا تطلب مجيء المسيح المُنتظر، ليست بصلاة". ومع بزوغ حركة الفرّيسيّين ذوي الخلفيّة الكتابيّة المتينة… استيقظ هذا النداء من جديد في قلب كلّ اسرائيليّ وعقله.

 

لذا، إن كان نثنائيل يُصلّي، فإنّه كان يُصلّي لمجيء المسيح. ولربّما هذا ما عناه يسوع بقوله إنّه إسرائيليّ لا غشّ فيه، فإيمانه كان يُركّز على مجيء المسيح فقط. فعندما رأى يسوع نثنائيل تحت الشجرة، حاول أن يُساعده على ربط المعلومات في ذهنه… فشخصٌ وحيدٌ يستطيع أن يعرفه، ويسمع ما كان يتوجّه إليه في صلاته للمسيح... المسيح نفسه! وهكذا، وجد نثنائيل نفسه ساجدًا على ركبتيه أمام يسوع فور اكتمال الصورة في قلبه وفي عقله. فالإسرائيليّ الصالح، يُعلن أن يسوع هو الملك.

 

لكنّ يسوع لم يتوقّف على الرمزيّة كما قُلنا، فكما أنّ الكرمة والزيتون لهما رمزيتهما في الكتاب المقدّس، فإنّ التينة لها رمزيتها أيضًا. فهناك تشابه غريب بين التينة وتاريخ اسرائيل. فعلى خلاف جميع الأشجار، فإنّ شجرة التين تأتي بثمارها قبل أن تورق. ولنتذكّر ما حصل مع يسوع عندما لعن التينة المورقة، فإنّها لم تحمل الثمار في موعدها، إذ أنّ ظهور الأوراق يعني حتمية ظهور الثمار قبلاً، وإلّا فإنّها لم تُثمر (راجع متى ٢١: ١٨ - ٢٠)… وهنا رمزية التينة في مفهوم المسيح، فكما تلبس التينة حُللها بعد ثمارها. تأتي عبادات الهيكل فارغة من دون الأصول الروحيّة لها. أو بعبارةٍ أُخرى، إنّ عبادات الهيكل هي تكملة للاختبار الروحيّ.

 

هذا ما أراد يسوع الإضاءة عليه، الحياة الروحيّة العميقة هي مطلبه، وليس الشرائع والطقوس. وهذا ما يطلبه منّا يسوع في زمن الصوم، الحياة الروحيّة الّتي تسعى دومًا للقاء المسيح في الآخرين، وتأتي الشرائع والطقوس في المقام الثاني في صومنا: ماذا نأكل؟ ماذا نشرب؟ متى نصوم؟ وعن ماذا ننقطع؟ الأهم، كيف ننتظر المسيح في زمن الصوم، إذ أنّ زمن الصوم هو زمن انتظار أيضًا…

 

الأب طوني حمصي اليسوعي