"تاريخ البدايات"

 

 

 

"تاريخ البدايات"

 

 إشكاليَّة التّراث الإنسانيّ في التّراث الكتابيّ

 

إكتشف دارسو العهد القديم، منذ قرن ونيِّف، أنَّ أسفار هذا العهد تضمّ نصوصًا شتَّى تتَّسِم بصفات أساطير الشَّرق القديم، بل وأكثر من ذلك، فقد إستعان مؤلِّفو روائعها بنصوص أسطوريَّة. من هنا تُطرح تساؤلات عدَّة منها:

 

 كيف دخلَت هذه النّصوص الأسطوريَّة في أسفار الكتاب المقدَّس؟

وما الوظيفة - الأدبيَّة والفكريَّة - التي تؤدِّيها في صقل عباراته وصياغة أفكاره؟ وكيف نقوِّم - لاهوتيًّا - وجود الأساطير في الكتاب المقدَّس؟

 

 وما دور الخطاب الأسطوريّ في الخطاب الكتابيّ؟

 

رأينا أنَّ العهد القديم لم يتحرَّك في الفراغ اللاهوتيِّ، بل عاش في إطار تاريخ الشَّرق القديم وتفاعل مع ثقافاته، لا بل هو جزء منها. والتَّفاعل يعني دومًا التّأثير والتأثُّر. ودراسة الأساطير في العهد القديم تتناول إذًا ناحية من نواحي التَّفاعل الثَّقافي بين دائرة الأديان الزِّراعيَّة في عصر التحضُّر والإستقرار.

 

درجَت علوم الكتاب المقدَّس على التَّمييز ثلاثة أطوار في الحقبة الزَّمنيَّة التي تغطِّيها كتب الشَّريعة الخمسة، وهي على التَّوالي: "تاريخ البدايات" (تك 1 - 11) و"تاريخ الآباء" (تك 12 - 50) و"تاريخ الشَّعب" (خر وأح وعد وتث).

 

ويُمكن تأريخ إثنين من هذه الأطوار الثَّلاثة على وجه دقيق فيوضع "تاريخ الآباء" في الحقبة التّاريخيَّة بين (القرون 19 - 13 ق.م.)، ويُحدِّد "تاريخ الشَّعب" في المنتصف الثاني من القرن 13 ق.م.

 

 ثمَّ إنَّ هذين الطَّورَين يندرجان في إطار تاريخ الشَّرق القديم المعروف، فيمكن ربط أخباره الواردة في الكتب الخمسة بالمعلومات التي نجدها في مصادر تاريخ سومر وبابل وكنعان ومصر.

 

 وأخيرًا، يمكن تتبُّع هذين الطّورَين إلى ما سبقهما من القرون الغابرة بواسطة آثار الثَّقافة الماديَّة التي نقب عنها علماء الآثار في بلاد الرّافدين وبلاد الشَّام ووادي النّيل. فيتمثَّل إذًا في هذين الطّورَين تاريخٌ موضوعيِّ حقيقيِّ بالمعنى الإصطلاحيِّ لهذه الكلمة، إذ إنَّه في متناول البحث والتِّنقيب.

 

 أمَّا "تاريخ البدايات"، فخلافًا عن ذلك لا يقبل التّاريخ الدّقيق ولا يحتوي معلومات موضوعيَّة يُمكننا التحقُّق منها بواسطة أدوات علم التّاريخ النّقديِّ. ثمَّ إنَّه لا يتناسق وأحداث تاريخ الشَّرق القديم المعروفة، وكذلك لم يكتشف عالمٌ آثاره في بلد من البلدان. فقد إصطُلِحَ على هذا الطَّور بتسميته "تاريخ البدايات" لاعتبارَين: تتناول أخباره من جهَّةٍ أحداثًا تخرج عن دائرة التّاريخ الموضوعيِّ المألوف لَدَيْنا، ومن جهَّة أُخرى لا تتعلَّق أحداثه بشعب معيَّن ولا ترتبط ببلد من البلدان، بل تشمل الإنسانيَّة جمعاء وتتناول مصير الإنسان بصفته إنسانًا. وهذه الملاحظة تحدو بنا إلى طرح مسألة الوظيفة التي تؤدِّيها "تاريخ البدايات" في بناء الكتب الخمسة.

 

يبدو أنَّ عنوان "تاريخ البدايات" لا يُلائم نوعيَّة هذا القسم ومغزاه من سفر التكوين. ذلك بأنَّه يوحي إلى القارئ بأنَّ روايات هذه المجموعة القصصيَّة تنوي سرد معلومات علميَّة موضوعيَّة حول ما جرى في حقبة من حقب التّاريخ، هي حقبة "البدايات".

 

إنَّ هذا المفهوم "لتاريخ البدايات" لم يصمد أمام العلوم النَّقديَّة، والتمسُّك بهذا المفهوم يحملنا على تشويه مغزى "تاريخ البدايات" ومعناه اللاّهوتيِّ.

 

 لا يتوخَّى سفر التّكوين في هذا القسم عرض معلومات موضوعيَّة عن "بدايات" الكون والتّاريخ، بل يؤدِّي وظيفة مهمَّة في بناء التّراث المدوَّن في الكتب الخمسة.

 

يحوي هذا التّراث تصَوُّرًا لاهوتيًّا عن مسار الإنسان في التّاريخ ومصيره المستقبليِّ، وبالتالي يتمحور حول مقولات لاهوتيَّة. فقد إستنبط التّراث الكتابي هذه المقولات وبلَّورها في قسم "تاريخ البدايات". وبناء على ذلك، يمثِّل هذا القسم، من حيث أنَّه مقدِّمة لتاريخ الآباء وتاريخ الشَّعب، البُعد التأويليِّ اللاّهوتيِّ في التّراث التّاريخيِّ، وبالتالي يُضفي على التّاريخ طابع "تاريخ الخلاص".

 

 

يستهلّ سفر التّكوين عرض التّاريخ برواية دعوة إبراهيم (تك 12/ 1). بهذه الرّواية يبتدئ التّاريخ الموضوعيِّ الوثائقيِّ. وإنطلاقًا من هذا الحدث، تروي الكتب الخمسة تاريخ الشَّعب الحافل بالمآسي والآلام، ثمَّ تروي دعوة إبراهيم والآباء، ودعوة موسى.

 

وحين روى المؤلِّفون هذا التّاريخ، شعروا بحاجة ماسَّة إلى تعليل هذه الحوادث. فقد تساءلوا عن أسباب الشرِّ والألم وعن أسباب الدّعوة، وأجابوا عن تلك التّساؤلات في "تاريخ البدايات" الذي يُعلِّل صيرورة التّاريخ وهدفه في نصوص لاهوتيَّة.

 

ويظهر أنَّ تاريخ البدايات هو جزء لا يتجزَّأ من كامل التّاريخ اللاّحق، ممّا جعله يندمج في إطار التّاريخ القديم وفي سياق الكتب المقدَّسة. وحين دمج التّراث "تاريخ البدايات" في تاريخ العهد القديم، أي أدغم هذه القصَّة الأسطوريَّة في إطار تاريخيِّ وسياق أدبيِّ شامل، جعل من القصَّة الأسطوريَّة تأمُّلاً لاهوتيًّا وقصَّة فلسفيَّة يتساءل فيها عن معنى التاريخ اللاّحق كلَّه.

 

أضاف التّراث الكتابيِّ إلى التّاريخ الموضوعيِّ هذا التأمُّل القصصي، فأبدى قناعته بأنَّ تاريخ الآباء وتاريخ الشَّعب هو جزء لا يتجزَّأ من تاريخ الإنسانيَّة جمعاء، فلا يكتمل معناه إلاَّ في آفاق هذا التّاريخ البشريِّ العامّ، بل لا يكتمل معنى العهد القديم من حيث أنَّه تراث روحيِّ وفكريِّ خاصّ، إلاَّ في آفاق التّراث الرّوحيِّ الفكريِّ للإنسانيَّة جمعاء. من هذا المنطلق النّظريِّ ينبغي لنا أن نطرح إشكاليَّة التّراث الإنسانيِّ في التّراث الكتابيِّ.

 

يتألَّف القِوام القصصي "لتاريخ البدايات" من الفصول (1 - 11) من سفر التكوين. وتنتظّم الموادّ القصصيَّة المنضوية إلى هذا القسم وفقًا لثلاثة محاور روائيَّة تحدِّدها ثلاث مقولات لاهوتيَّة، وهي: الخلق (الكون، الإنسان)، والصِّدام بين الخالق والمخلوق، والصّلح بين الخالق الرّحيم والمخلوق المتمرِّد، أو العهد الأوَّل (بين نوح والله). يمكن إبراز بنية "تاريخ البدايات"، كما يلي:

خلق الكون والإنسان (1/ 1 - 2/ 4) الخلق الرّجل والمرأة

ومأساة صدامهما بالله (2/ 4 - 3/ 24) الصِّدام بين الخالق والمخلوق

تاريخ الشرِّ قبل الطوفان

قايين وهابيل (4/ 1 - 16)

مواليد قايين (4/ 17 - 24)

مواليد شيت (4/ 25 - 5/ 32)

الطوفان والعهد الأوَّل (6 - 9) الصِّلح أو العهد الأوَّل

تعداد شعوب الأرض (10/ 1 - 32)

برج بابل (11/ 1 - 9) الصِّدام

مواليد سام (11/ 10 - 26)

أصل أبرام وسارة (11/ 27 - 32) الصِّلح أو بوادر العهد الثاني

 

يظهر من تسلسل الموادّ القصصيَّة في بناء "تاريخ البدايات" أنَّ هذا القسم من كتب الشَّريعة الخمسة يمثِّل لونًا أدبيًّا خاصًّا في الخطاب اللاّهوتيِّ الذي ينتهجه التّراث الكتابيِّ، ألا وهو التأمُّل القصصيّ.

 

1- التّراث الإنسانيِّ العام في التّراث الكتابيِّ

 

يتَّسِم "تاريخ البدايات" بطابع إنسانيِّ شامل إذ إنَّ هذا "التّاريخ" يشمل البشريَّة برمَّتها، والقضايا التي يطرحها تهمّ الإنسان بصفته إنسانًا، بغضّ النّظر عن إنتماءاته المختلفة.

 

ونظرًا إلى هذا الطابع الشّموليِّ العامّ، لا يُستغرب أن يكون الخطاب الذي ينتهجه التّراث الكتابيِّ في تأمُّله في تلك القضايا غير منحصر في دائرة التّراث الخاصّ بدين العهد القديم، بل مستندًا إلى شتَّى فروع التّراث الرّوحيِّ الثّقافيِّ الذي أنتجته البشريَّة.

 

ويتَّضح ويصبح من باب المعقول أنَّ هذا الخطاب يستعين بعناصر لغويَّة وقصصيَّة وفكريَّة إقتُبِسَت من ثقافات الشّرق القديم الرَّاقية، لا بل قد يعثر القارئ المتمعِّن على عناصر أتت من ثقافات إفريقيَّة وأسيويَّة.

 

 ذلك بأنَّ "تاريخ البدايات" تراث إنسانيِّ مشترك عامّ، يشترك فيه تراث العهد القديم مع غيره من فروع التّراث الإنسانيِّ. ويترتَّب على ذلك أن يتَّصف الخطاب الذي يحوي هذا التّراث الإنسانيِّ المشترك بميزات لغويَّة وأسلوبيّة وفكريَّة تتجاوز خطاب العهد القديم الخصوصيِّ: إنَّ لون الملحمة والأسطورة يخصّ ثقافات الشّرق القديم وثقافات إفريقيا السّوداء، أمَّا لون الحكاية، فقد يعود إلى مرحلة أقدم من تاريخ الثّقافة الإنسانيَّة.

 

لقد دمج الخطاب الذي يحوي التأمُّل القصصي في (تك 1 - 11) كلّ هذه الألوان الأدبيَّة المختلفة في وحدة متماسكة لا تقبل التَّذويب إلى جزئيَّات منعزلة، وإلاّ فقد، لا محالة، قوامه ومغزاه.

 

من هذا المنطلق، يمكن طرح مسألتين أساسيَّتين. تتعلَّق المسألة الأولى بنوعيَّة العلاقة التي أقامها تراث العهد القديم مع ما سبقه وما عاصره من التّراث الدّينيِّ الثّقافيِّ الإنسانيِّ. أمّا المسألة الثانية فتتناول مفهوم "الألوهة" في التّراث الكتابيِّ وتطرح السّؤال لماذا ولأيِّ إعتبار ينظر هذا التّراث إلى "الإله المخلَّص" (هذه هي المقولة المحوريَّة في الكتب الخمسة) على أنَّه "الإله الخالق" (وهذه المقولة هي محور "تاريخ البدايات"). يستخرج التّحليل الدّقيق عناصر الجواب على هاتَين المسألتَين من النّصوص نفسها.

 

هذا وتوضِّح القراءة الخاطفة لنصوص "تاريخ البدايات" أنَّها تضمّ أسلوبَين رئيسيّين وهما الأسلوب القصصي والأسلوب التعدادي. يتعلَّق الأسلوب التعدادي بالسّلالة فيتَّصف بالسّرد الرّتيب للأسماء والأجيال، في حين أنَّ الأسلوب القصصي يتَّسم بعرض أحداث أو أعمال تنتظم حول شخصيَّة بطل وتترتَّب في عمليَّة متّسقة وذات هدف. على الرّغم من الأهميَّة الكبرى التي يتميَّز بها الأسلوب التعدادي في المجتمعات الشّرقيَّة القديمة عامَّة وفي المجتمع البدوي العبري خاصَّة، ينصبّ إهتمامنا في هذه الدّراسة على المقاطع القصصيَّة.

 

 

2- المقاطع القصصيَّة في "تاريخ البدايات"

في مجموعة المقاطع القصصيَّة، يمكن تَمييز ثلاثة نماذج من الرِّوايات طبقًا لنوعيَّة الحدَث أو العمل الذي تعرضه الرّواية (وهذا معيار يتعلَّق بالمضمون). وهذه النَّماذج القصصيَّة هي التالية:

 

روايات الخلق

(1/ 1 - 2/ 4) (كهنوتي)

(2/ 4 - 15، 18 - 24) (يهوي)

(5/ 1 - 2) (كهنوتي)

(9/ 1 - 7) (كهنوتي)

 

روايات الإنجاز

(1/ 26، 28 - 29) (كهنوتي)

(2/ 8، 15 - 16، 20) (يهوي)

(3/ 7، 21) (يهوي)

(4/ 17، 20 - 22، 26) (يهوي)

(5/ 28) (يهوي)

(9/ 1 - 3) (كهنوتي)، (20 يهوي)

(10/ 8 - 9) (يهوي)

(11/ 1 - 9) (يهوي)

 

روايات الخطيئة والعقاب

(2/ 16 - 18، 3/ 1 - 24) (يهوي)

(4/ 3 - 16) (يهوي)

(6/ 1 - 4) (يهوي)

(6/ 5 - 9/ 17) (يهوي وكهنوتي)

(11/ 1 - 9) (يهوي)

 

يُمكن تصنيف جميع نصوص "تاريخ البدايات" في إحدى هذه المجموعات من النّصوص، وهذا أمر في غاية الأهميَّة لاعتبارَين: من جهَّة، يظهر أنَّ "تاريخ البدايات" ينحصر في المؤلَّفَين اليهوي والكهنوتي. ومن جهَّة أُخرى، يتَّضِح أنَّ "تاريخ البدايات" يتميَّز عن بقيَّة أقسام الكتب الخمسة بطابعه الأدبيّ الفريد، إذ إنَّ هذه النَّماذج القصصيَّة الثَّلاثة تختصّ حصرًا بالتّراث المتعلِّق "بتاريخ البدايات" وهي غير واردة في تاريخ الآباء ولا في تاريخ الشَّعب.

 

 أضف إلى ذلك أنَّنا نرى تناسق هذه النَّماذج القصصيَّة فيما بينها، فإنَّ موضوعَيْ "الخلق" و"الخطيئة/ العقاب" يقترنان في سياق رواية واحدة (تك 2 - 3، 9)، ثمَّ إنَّ فكرة "الإنجاز" واردة في جميع النّماذج القصصيَّة. وأخيرًا، فإنَّ الأسلوب التّعدادي (السّلالة) يتداخل في نموذج رواية الخلق (تك 1، 5/ 1 - 2).

 

3- رواية الخلق

ينتمي التّراث اليهوي الكهنوتي الوارد في تكوين (تك 1 - 3) إلى تراث ديني ثقافي واسع الإنتشار في الثّقافات المختلفة، عبر الزّمان والمكان. ثمَّ إنَّ الخطاب الذي يحوي التّراث المتعلِّق بالخلق يتَّصِف بحيويَّة وقوَّة، فإنَّه لا يزال يُثبِّت وجوده في الأوساط الثقافيَّة التي هجرت المعتقدات الدّينيَّة وكلّ الأنواع الأخرى من الخطاب الدّينيِّ (كما هو الحال مثلاً في الثّقافة العلميَّة الحديثة). إنَّ ذلك لدليل على أمر ذي مغزًى، وهو أنَّ موضوع "الخلق والإله الخالق" يتخطَّى التّراث الكتابي إلى التّراث الإنسانيّ على إختلاف فروعه الدّينيَّة وغير الدّينيَّة.

 

 إنَّه لموضوع يتعلّق بمعنى وجود الإنسان، وبالتالي فإنَّ الخطاب الذي يحويه يتعدَّى أيضًا دائرة دين العهد القديم إلى الأديان الأخرى، بل وإلى الثّقافات غير الدّينيَّة: إنَّه لخطاب التأمُّل في الإنسان ومصيره. من هذا المنطلق يجب أن نتطرَّق إلى البحث في نصّ (تك 1 - 3) وعلاقاته بمحيطه الثّقافي الدّينيِّ المباشر وغير المباشر.

 

يضمّ نصّ (تك 1 - 3) روايتَين عن الخلق:

 

 فيورد التّراث الكهنوتي (تك 1) رواية خلق الكون بأسره، في حين أنَّ الرّواية اليهويَّة (تك 2) تقتصر على خلق الإنسان.

 

إنَّ تَمييز نموذجَيْ رواية الخلق وارد في أديان الشَّرق القديم التي تعرف أساطير تروي خلق الإنسان أو شخص من الأشخاص المشاهير (مثلاً: خلق "أنكيدو" عن يد الإلهة "أُرورو" في ملحمة جلجامش)، إضافة إلى الملحمات الكبرى التي تروي خلق الكون برمَّته (مثلاً: الملحمة البابليَّة "إينوما إبليش"). ثمَّ يمكن الإهتداء إلى خطّ التطوُّر الفكري الأدبي من نموذج رواية خلق الإنسان إلى نموذج رواية خلق الكون: فهذه هي متأخِّرة عن تلك في التّراث الكتابي وفي الأساطير السّومريّة البابليَّة على حدِّ سواء، لا بل أكثر من ذلك فإنَّ هذا القول ينطبق على الأديان الإفريقيَّة وغيرها أيضًا، ممَّا يدلّ على أنَّ الأمر يتعلَّق بقاعدة عامَّة تستوعب، على ما يبدو، التّراث الإنسانيِّ المتعلِّق بموضوع الخلق:

 

إنَّها قاعدة تمييز رواية خلق المفرد/ الخصوصيّ من رواية خلق الكلّ/ العموميّ وتطوُّر الأولى نحو الثانية.

 

 وهذه النّقطة هي عنصر من العناصر التي تلقي الضَّوء على كيفيَّة إنتماء التّراث الكتابي إلى تراث البشريَّة الثّقافي الدّينيِّ.

 

 

ثمَّة عنصر آخر لا يقلّ أهميَّة عن العنصر الأوَّل، إذ إنَّه يدلّ على فعَّاليَّة العلاقة التي أقامها التّراث الكتابي بمحيطه الثّقافي الدّينيِّ. فقد درجت الأديان الشَّرقيَّة القديمة والإفريقيَّة على إنتهاج مفهومَين للخلق، وهما "الخلق عن يد إله خالق" و"الخلق عن طريق النَّشأة التِّلقائيَّة". وكثيرًا ما يتداخل المفهومان في أحبوكة قصصيَّة واحدة (مثلاً في ملحمة "إينوما إبليش").

 

إنَّ العنصر الشَّخصاني الذي يُميِّز مفهوم "الإله الخالق" عن مفهوم "النَّشأة البحتة" يظهر في النّصوص الطّقسيَّة (كأناشيد المديح والمناداة في الآداب الشَّرقيَّة، أو "مزامير الخلق" (مز 8 و104) في (ع.ق.) لقد إنتهجت الأساطير والملحمات الشّرقيَّة القديمة مفهوم "الخلق بالنّشأة" في روايات "مواليد الآلهة" ("إينوما إبليش": الألواح الأولى)، حيث تطبِّق هذه الرِّوايات مفهوم "الخلق" على مفهوم "الألوهة"، ممَّا حدا بها إلى تصوُّر "بدايات الآلهة" وبالتالي إلى دمج الألوهة في الكون المخلوق. أمَّا التّراث الكتابي فقد تخلَّى عن مفهوم "الخلق بالنَّشأة البحتة" فخصَّص موضوع "الخلق" بالإله الخالق وموضوع "المخلوقيَّة" بالكون والإنسان.

 

 في هذه النّقطة أثبت التّراث الكتابي إستقلاله عن محيطه الدّينيِّ الثّقافيِّ، فإنَّه، إذا نزَّه مفهوم الألوهة من صفات "النّشأة" و"المخلوقيَّة" و"الولادة"، أعاد تأويل موضوع "الخلق" في ضوء مفهوم "الألوهة" التَّوحيديِّ الذي تصوَّر مقولة "الوجود الذي لا بدء له".

 

 نرى في هذه النّقطة عمليَّة فكريَّة ضخمة ذات أبعاد حضاريَّة، ألا وهي الإختلاف بين الخطاب اللاّهوتيِّ والخطاب الأسطوريّ. وجدير بالذِّكر أنَّه يمكن الإهتداء إلى بعض إرهاصات هذه العمليَّة الفكريَّة في التّراث الثّقافي في سومر وبابل: ذلك بأنَّ فكرة "الخلق"، عبر تعاقب السّلالات الإلهيَّة، تتغلَّب على الأساطير السُّومريَّة، في حين أنَّ هذه الفكرة قد تراجعَت، في الأساطير البابليَّة، أمام فكرة "الإله الخالق".

 

إنَّ موضوع "الخلق من طريق عراك الخالق للفوضى" عنصر آخر يكشف عن عمليَّة إعادة التأويل. وهذا الموضوع شائع في أساطير وملحمات الشّرق القديم. تروي ملحمة "إينوما إبليش" المعركة الضَّارية التي قامَت بين الإله "ماردوك" (وهو الخالق)، والتنِّين "تعامة" (عنصر الماء المالح)، وهو يمثِّل قوى الفوضى البدئيَّة التي تعارض عمليَّة النّظم الخالقة، فلا بدَّ للإله الخالق "ماردوك" من الإنتصار عليه وقتله لإطلاق عمليَّة الخلق.

 

كذلك تورد أساطير كنعان رواية المعركة التي قامت بين الإله "بعل" وإله الفوضى المائيَّة "يمّ" في سياق رواية "الخلق". أمَّا أساطير أوغاريت فتجهل موضوع "عراك الإله الخالق للفوضى البدئيَّة" كلّ الجهل، ممَّا يدلّ على أنَّ موضوع "العراك الإلهيّ" كان أصلاً موضوعًا مستقلاًّ عن موضوع "الخلق" فتمَّ القرن بينهما في الأساطير البابليَّة.

 

 

 هذا وقد فصل التّراث الكتابي في (تك 1 - 3)، عمدًا وعن وعي، موضوع "الخلق" عن موضوع "العراك الإلهي"، وذلك على الرّغم من أنَّ هذا الموضوع كثير الورود في الفروع المختلفة من التّراث الكتابي التي تعرف الوحوش البدئيَّة المختلفة مثل "رهب" (أش 51/ 9 - 10 ومز 89/ 10 - 15) و"يمّ" (أش 51/ 9 - 10 ومز 74/ 12 - 17 وأيِّ 3/ 8) و"لاوياتان" (أش 27/ 1 - 2 ومز 104/ 25 - 27 وأيِّ 40/ 25) و"بهيموت" (أيِّ 40/ 15)، وأخيرًا "تنِّين" (أش 51/ 10 ودا 7/ 2 - 7). يظهر من التَّحليل الدَّقيق للنّصوص أنَّ التّراث الكتابي على إختلاف فروعه (الحكمي والطّقسيِّ (المزامير) والنَّبويِّ) قرن موضوع "عراك يهوه مع الوحش المائيِّ" بموضوع "الخلاص"، إذ إنَّ موضوع "العراك" غدا رمزًا لنشاط يهوه الخلاصي.

 

 

 لقد إستبدل التّراث الكتابيّ سياق الموضوع الأسطوريّ (وهو موضوع "الخلق") بسياق لاهوتيّ (وهو موضوع "الخلاص"). ذلك بأنَّ موضوع "الخلق من طريق عراك الفوضى المائيَّة" يختلف عن موضوع "الخلق من العدم في البدء" إختلافًا جوهريًّا، فهو ليس "خلقًا" بالمعنى الكتابي لهذا اللَّفظ، بل يقتصر على إدخال النّظام في الهيّولى الفوضويَّة البدئيَّة.

 

وقد أدَّت عمليَّة الفصل بين الموضوعَين إلى تنزيه موضوع "الخلق" من التصوّرات الأسطوريَّة.

 

أمَّا القرن بين موضوعَيْ "الخلاص" و"العراك الإلهيّ"، فقد أضفى على هذا الأخير طابعًا رمزيًّا واضحًا، فأضحى صورة رمزيَّة لقوَّة يهوه وقدرته على إنقاذ المسكين الضَّعيف من أعدائه.

 

 وممَّا تجدر الإشارة إليه أنَّ موضوع "العراك الإلهيّ" عادةً ما يرد في إطار الصَّلاة الطّقسيَّة (المزامير)، أو في نصوص ذات طابع شعريّ (الحكمة والنّبوَّة)، الأمر الذي يُبرز طابعه الرَّمزيِّ بوضوح.

 

 إنَّ هذا التَّعامل التأويليِّ مع موضوعَيْ "الخلق" و"العراك الإلهيّ"، وهما عنصران من عناصر التّراث الثّقافي الدّينيِّ للبشريَّة، إنَّما يبرز أمرًا في غاية الأهميَّة، وهو أنَّ التّراث الكتابي قد أخذ الكثير من تراث محيطه الثّقافيّ الشَّرقيِّ، إلاَّ أنَّه لم يقلِّده تقليدًا حرفيًّا، بل غربل ما إقتبس من عناصره اللّغويَّة والقصصيَّة والموضوعائيَّة، فطبعه بطابعه، فغدا جزءًا لا يتجزَّأ منه.

 

لقد إصطلح في علم الأنطروبولوجيّا الثّقافيَّة على هذا المنحى المبدع في التّعامل مع الثّقافات الأخرى بتسمية إعادة التأويل. يدلّ منهج إعادة التأويل على كون الكاتب يعي وعيًا واضحًا أنَّه يقتبس من الثّقافة الأخرى عنصرًا من عناصرها، بل وهو يتوخَّى إقتباسه واستخدامه في مؤلّفه. لا ينفرد تراث العهد القديم بمنهج إعادة التأويل، بل إنَّه ظاهرة ثقافيَّة واسعة الإنتشار كانت الشّعوب القديمة والحديثة تمارسها في نطاق واسع، وهو معروف جيِّدًا في تاريخ ثقافات الشّرق القديم.

 

 

4- روايات الخطيئة والعقاب

وردَت في "تاريخ البدايات" أربع روايات تسرد أحداثًا تتعلَّق بمخافة الإنسان لأوامر إلهيَّة ونتائجها. ويورد التّراث اليهوي ثلاثًا من هذه الروايات (الطّرد من جنَّة عدْنٍ وقايين وهابيل وبرج بابل)، في حين أنَّ المؤلِّف الكهنوتيّ يضمّ رواية الطّوفان فقط.

 

إنَّ التّراث اليهوي كعادته يولي الإنسان ومصيره إهتمامًا واسعًا وعميقًا، ولذلك يذكر رواية خلق الإنسان، في حين أنَّ التّراث الكهنوتيّ يروي رواية خلق الكون. ثمَّ يستفيض كذلك في الخطاب عن قضيَّة الخطيئة من حيث أنَّها تكشف مقدرة الإنسان المريعة على مخالفة مشيئة الخالق، أي إمكانيَّة الصِّدام بين الخالق والمخلوق: سوء إستعمال الحريَّة في تمرُّد المخلوق على الخالق، القتل، وتفشِّي الفساد بين البشر أجمعين، وتكبُّر الإنسان المغرور بذاته على الخالق. وما يبعث على التأمُّل في هذه الإشكاليَّة هو البحث عن الأسباب، أي التَّعليل.

 

 

بما أنَّ إشكاليَّة الشرِّ والألم والموت تهمّ الإنسان بصفته إنسانًا، فإنَّ الخطاب الذي يحوي التأمُّل القصصي في هذه الإشكاليَّة يضرب، ولا غرو، جذوره في أعماق التّراث الثّقافي الدّينيِّ للبشريَّة.

 

 فقد بات من باب البديهيَّات أنَّ رواية الطّوفان الكهنوتيَّة (تك 6 - 9) واردة، إضافةً إلى الأساطير الإفريقيَّة والأميركيَّة الهنديَّة، وأساطير الشّعوب الهنديَّة الأوربيَّة، في "ملحمة جلجامش" السُّومريَّة. بل وأكثر من ذلك، فقد إتَّضح أنَّ الرِّواية الكهنوتيَّة والرّواية السُّومريَّة تلتقيان، لا في الموضوع القصصي فقط، بل في تفاصيل الأحبوكة القصصيَّة أيضًا. كيف يمكن تفسير هذا التّشابه البنائيِّ والموضوعاتي بين الرِّوايَتَيْن؟

 

 نظرًا لتباعد التّراثَين الكتابي والسُّومريِّ، لا يُحتمل الإفتراض القائل بعلاقات إقتباس مباشرة، لكن من المحتمل أن يكون الإتِّصال الثّقافي قد تمَّ في إطار الأمبراطوريَّة البابليَّة التي أفسحت في المجال للإحتكاك بين الشّعوب المندمجة فيها. وكانت ملحمة جلجامش من المؤلِّفات المنتشرة والمعروفة في الثّقافة البابليَّة التي كان أهل فلسطين، المنفيُّون إثرَ الفتوحات البابليَّة (عام 586 ق. م.)، ولا شكَّ، يحتكّون بها ويتعرَّفون إليها. يبدو أنَّ رواية الطّوفان قدَّمت لمؤلِّفي التّراث الكهنوتيّ الخامة القصصيَّة المناسبة للتأمُّل في إشكاليَّة الشرّ.

 

أمَّا رواية "الفردوس المفقود" (تك 2 - 3)، فلها نظيراتها في أساطير إفريقيا وأمريكا. تتناظر الرّواية اليهويَّة والأساطير الإفريقيَّة تناظرًا بنائيًّا، فتنتظم الأحبوكة القصصيَّة في كلتيهما حول المقولات نفسها، وهي: "حياة الإنسان في حالة فردوسيَّة"، و"مخالفة الإنسان لأمر إلهيّ" و"اضمحلال الحالة الفردوسيَّة كعقاب للمخالفة". ثمَّ إنَّهما تتقابلان تقابلاً موضوعاتيًّا في وصف الحالة الفردوسيَّة والحالة ما بعد فقدان الفردوس. فهذه هي أنواع العقاب في كلتا الأسطورتَين:

تكوين (3؛ 6 - 9):                          الأسطورة الإفريقيَّة:

فقدان الخلود                                   الموت

الطوفان                                        كارثة كونيَّة

                                                 إبتعاد الإله عن الإنسان

العمل الشاقّ                                    العمل والجوع

آلام المخاض عند الولادة                      آلام المخاض عند الولادة 

                                                  مسخ النّاس الأوائل قردةً

بابل واختلاط اللّغات                           التَّمايز العرقي بين النّاس.

 

 

يدلّ لقاء التّراث الكتابيّ والأساطير السُّومريَّة والإفريقيَّة على حقيقة هامَّة، وهي أنَّ هذه الفروع التّراثيَّة تتفرَّع عن تاريخ تراثيّ مشترك كان قد سبق نشأة الثّقافات الشّرقيَّة الرّاقية وبلوَرَتها (سومر وبابل ومصر). والدّليل غير المباشر على هذا التّراث المشترك، علاوة على ما سبق من الأدلَّة، هو أنَّ بعض الموضوعات المنتمية إلى رواية "الفردوس المفقود" ("الحالة الفردوسيَّة" و"نبات الحياة" و"الحيَّة") واردة منفصلةً في الأسطورة السُّومريَّة، على الرّغم من أنَّ التّراث الدّينيِّ البابليِّ السُّومريِّ لا يعرف "رواية الفردوس المفقود". وينطبق هذا القول على التّراث الدّينيِّ المصريِّ أيضًا.

 

 

5- روايات "الإنجاز"

تضمّ روايات "الخلق" مقاطع قصصيَّة تتعلَّق "بإنجازات" الإله الخالق، أي بأعماله ونشاطاته التي تُقضي إلى نشأة الكون والإنسان. وتتمثَّل هذه الإنجازات بموضوعات "جبل الإنسان ترابًا من الأرض" و"الفصل" و"الكلمة الخالقة" و"غرس جنَّة عدْنٍ" و"البركة". كذلك تتناول روايات "الإنجاز" أعمال النّاس ونشاطاتهم.

 

ينطبع هذا النَّموذج القصصيِّ في التّراث اليهوي الكهنوتيِّ بطابع فريد يميِّزه عن التّراث الأسطوريِّ على إختلاف أنواعه وفروعه.

 

فإنَّ التّراث الكتابيِّ قد إستنبط وبلور نظرة جديدة إلى "إنجازات" الإنسان يمكن إعتبارها "دنيويَّة"، خلافًا لما كانت الأساطير عليه من تقديس الأعمال الإنسانيَّة وتأليهها. ذلك بأنَّ التّراث الكتابيِّ ينظر إلى أعمال ونشاطات الإنسان نظرته إلى "إنجازات" حقيقيَّة تصدر عن كائن مُبدِع ومبتكر، ممَّا يُضفي على العمران والنِّتاج الحضاريّ صفة الإبداع الإنسانيّ.

 

 فقد لعبت فكرة "الإنتداب الإلهيّ" الذي حظي به الإنسان في كلتا روايتَي "الخالق" (تك 1/ 26 - 28 و2/ 15) دورًا أساسيًّا في إستنباط وبلورة هذه النَّظرة "الدّنيويَّة" إلى العمل الذي يقوم به الإنسان بصفته شريكًا للخالق في إكمال الخليقة.

 

 

أمَّا النّظرة الأسطوريَّة فخلافًا عن ذلك تعزو العمران والنِّتاج الحضاري برمَّته إلى التدخُّل الإلهيِّ المباشر في شؤون الدّنيا، فمن هنا لا يُستغرب أن نرى أنواع النَّشاط الإنسانيِّ المختلفة تنحدر مباشرة من أحد الآلهة الذي يضطَّلِع بالإشراف على ذلك النَّوع من النَّشاط، ومن هنا أيضًا توزيع النَّشاطات الدّنيويَّة المختلفة (كالزِّراعة ورعي الحيوان والحرف المختلفة والفنون) بين الآلهة: فهم الذين إخترعوها وعلَّموها البشر.

 

إنَّ طريقة التّراث الكتابيِّ (المتمثِّل في المؤلَّفَين اليهوي والكهنوتي) في معالجة موضوع "الإنجازات" تلقي الضَّوء الكاشف على منحاه المبدع في التَّعامل التأويليِّ مع تراث البشريَّة الدّينيِّ الثّقافيِّ. فقد إقتبس كلّ من المؤلّفين اليهويّ والكهنوتيّ شتَّى العناصر اللّغويَّة والموضوعاتيَّة والفكريَّة من التّراث الأسطوريّ على إختلاف فروعه، إلاَّ أنَّ كليهما أعاد تأويلها على صعيد البنى المعرفيَّة العميقة. وأعادا خاصَّةً تأويل وفهم مفهوم "الألوهة" ومفهوم "الإنسان"، فتوصّلاً إلى تطوير مفهوم "الإنسان الدنيويِّ" الذي يقوم بأعمال الإنجاز المستقلَّة، مشاركًا الخالق في عمل الخلق:

 

 فقد إخترع قايين الحراثة وإبتكر هابيل رعي الماشية (تك 4/ 2)،

 

 وكذلك إخترع بنو لامَك حرفة الحدادة وحرفة النحَّاسين، وكذلك فنَّ العزف على الكنَّارة والمزمار (تك 4/ 20 - 22).

 

 لقد نزَّه التّراث الكتابيِّ مفهوم "عمل الإنسان" من القدسانيَّة الإلهيَّة فطبعه بطابع دنيوي واضح. وكذلك نزَّه هذا التراث مفهوم "الألوهة" من طابع التخلُّق بخلقة الإنسان - ذلك على الرّغم من ورود بعض المقاطع "المشبَّهة" في المؤلّف اليهوي، التي تتماشى مع متطلِّبات اللَّون القصصي - فطبعه بطابع الرّوحانيَّة المطلقة.

 

 يتميَّز التّراث الكتابي بهذين المفهومَين الجديدَين، وهما النّاظم المعرفي الأساسيِّ الذي يوجِّه عمليَّة التَّعامل التأويليِّ مع التّراث الثّقافيِّ الدّينيِّ للإنسانيَّة: فإنَّه، حينما يقتبس الخامة الأدبيَّة والفكريَّة على صعيد البنية الكلاميَّة السَّطحيَّة، يعيد صياغتها وتأويلها على صعيد البنية المعرفيَّة العميقة.

 

6  - المعنى اللاّهوتيِّ "لتاريخ البدايات"

لقد أوضحت الملاحظات التحليليَّة السّابقة أمرًا لا ريب فيه، وهو أنَّ التّراث الكتابيِّ المتعلِّق "بتاريخ البدايات" ينتمي إلى التّراث الإنسانيِّ المشترك ويستند إليه عمدًا وعن وعي. ومعنى ذلك إنَّ هذا التّراث ليس منغلقًا ومنكمشًا على ذاته، ومتقيِّدًا بعصبيَّة عرقيَّة أو دينيَّة، بل إنَّه، على عكس ذلك، لتراث منفتح على الآخر، يقبل الأخذ والعطاء، دارجًا على التّعامل مع ما سبقه ويعاصره من تراث إنسانيِّ.

 

إلاّ أنَّ هذه العلاقة المنفتحة على الآخر لا ترادف الخضوع السَّلبي ولا التَّقليد الحرفيّ، بل تعني التَّعامل الفعَّال المبدع مع التّراث الإنسانيّ على عدَّة مستويات: مستوى الموضوعات والمقاطع القصصيَّة، مستوى المفاهيم ومستوى "تاريخ البدايات" كوحدة متماسكة.

 

تمَّت عمليَّة إعادة التأويل، في هذا المستوى الأخير، بإضافة "تاريخ البدايات" إلى "تاريخ الآباء" و"تاريخ الشَّعب". نتيجة لهذه العمليَّة، أُقيمَت علاقة منطقيَّة بين الخطاب عن الله الخالق والمعاقب (تك 1 - 11) من جهَّة والخطاب عن الله المخلِّص (بقيَّة الكتب الخمسة) من جهَّة أُخرى. إنَّ هذه العلاقة المنطقيَّة بين مقولتي "الخلق" و"الخلاص" لقيَت التَّعبير الرَّمزيَّ عنها في تراث الكتب الخمسة نفسه بشتَّى الوسائل اللّغويَّة والإنشائيَّة، نذكر منها واحدة على سبيل المثال لا الحصر، وهي التَّناظر الواضح بين "كلمات الخلق العشر" (تك 1) و"كلمات العهد العشر" (خر 20) في رمزيَّة العدد "عشر".

 

 

لقد حوَّلَ التّراث الكتابي (المتمثِّل في المؤلِّفَين اليهوي والكهنوتي) الخطاب عن الله الخالق والمعاقب إلى مقدِّمة للخطاب عن الله المخلِّص، وبذلك جعلا من التّراث الإنساني العامّ مكمِّلاً وخلفيَّةً لتراث العهد القديم الخاصّ.

 

 إنَّ عمليَّة الإضافة هذه بحدِّ ذاتها فعل إعادة تأويل مزدوجة: فمن جهَّة، يعاد تأويل التّراث الإنسانيّ العامّ في ضوء العهد القديم، أي يُعاد فهم "تاريخ البدايات" باعتباره مقدِّمة "لتاريخ الخلاص". ومن جهَّة أُخرى، يُعاد تأويل العهد القديم في ضوء التّراث الإنسانيِّ العامّ، إذ تُضفى عليه صفة النِّسبيَّة، فيَتَّضِح أنَّ معناه غير كامل: لا يكتمِل معنى تراث العهد القديم إلاَّ نظرًا إلى الماضي المتمثِّل في الخلق والصِّدام والعقاب، ونظرًا إلى المستقبل المتمثِّل في وعد الخلاص.

 

 ولقد أصبح التّراث الإنسانيّ يُخاطب تراث العهد القديم ويكلِّمه على القضايا التي تهمَّه بصفته إنسانًا: كونه مخلوقًا لله وعلى صورته والمسؤوليَّة المترتِّبة على كونه إنسانًا مخلوقًا وكارثة مخالفة الأمر الإلهيّ ونتائجه.

 

أمَّا تراث العهد القديم، فقد بادر إلى مخاطبة الإنسانيَّة جمعاء بالخلاص والمستقبل المفتوح على الخلاص، موضِّحًا مفاهيم التّراث البشريِّ الأساسيَّة بإعادة تأويلها في ضوء مفاهيمه المنقَّحة المنقَّاة.

 

 فلا يخفى على القارئ المتمعِّن والنّاظر إلى العهد القديم في هذا المنظور مدى إعادة تأويل التّراث الإنساني في التّراث الكتابي. تتناول عمليَّة إعادة التأويل، على صعيد وحدة "تاريخ البدايات"، البنى المعرفيَّة العميقة، حيث تكون المفاهيم الأساسيَّة ("الله" و"الإنسان" و"الخلق"، و"الإنجاز"، و"العقاب") النّواظم المحوريَّة لهذه العمليَّة الفكريَّة. وتنعكس هذه العمليَّة التأويليَّة، لا محال، بنتائجها على طريقة معالجة عناصر البنية الكلاميَّة السَّطحيَّة من مقاطع قصصيَّة وروايات، وكذلك على منحى إستعمال الموضوعات والرّموز المنفردة.

لقد حصلنا على الجواب عن السّؤال الذي كان منطلق ملاحظاتنا التحليليَّة:

 

 لماذا ربط التّراث الكتابيّ "تاريخ الخلاص" "بتاريخ البدايات".

 

إنَّ "تاريخ الخلاص"، إذا ما بقي خاصًّا بشعب واحد، فسوف ينغلق على ذاته، معرِّضًا لأخطار التَّسييس، ويكون سوء إستعماله أداة لتبرير ممارسات مناقضة لروحه. أمَّا إذا إنفتح "تاريخ الخلاص" هذا على الإنسانيَّة جمعاء، فغدا دعوة موجَّهة إلى كلِّ خليقة الله، فسوف يتعرَّف في "الإله المخلِّص" إلى "الإله الخالق" الذي آمن به الإنسان في كلِّ زمان وفي كلِّ مكان. وعندئذٍ يصغي هذا التّراث الخاصّ إلى ما يقوله تراث الإنسانيَّة الرُّوحيِّ الثّقافيِّ عن هذا "الإله الخالق".

 

إنَّ التّراث الدّينيِّ الثّقافيِّ للإنسانيَّة يشاطر التّراث الكتابي المعرفة للقضايا الرّوحيَّة الفكريَّة الكبرى التي تهمّ الإنسان بصفته إنسانًا، كقضيَّة "الإله الخالق" و"الإنسان المخلوق"، وقضيَّة "مأساة الإنسان المنتصب ضدَّ الخالق" و"إشكاليَّة الألم والموت"، وما شابه ذلك.

 

 وهذه المعرفة الإنسانيَّة المشتركة لحقيقة واقعة لا يرقى الشكّ إليها، إذ لا يستطيع التّراث الكتابي أن يسوق خطابه عن هذه القضايا إلاّ وهو يستند إلى ما بين يديه من تراث إنسانيّ.

 

 لقد إستعان تراث الكنيسة الفكريّ بمقولات مختلفة لصياغة هذه الحقيقة. فالقدّيس يستينس الشَّهير (ق.2.م.) قد أثبت أنَّ التّراث الإنسانيّ على إختلاف فروعه يضمّ "بذور الكلمة"، أي أجزاءً مبعثرة من معرفة المسيح. وتكلَّم ترتليانس على "الطّبيعة المسيحيَّة للنَّفس الإنسانيَّة" (ق.3.م.). ثمَّ صاغت النّظريَّة اللاّهوتيَّة مفهوم "الوحي البدئي" (ق. 19 - 20) معبِّرًا عن الإعتقاد بأنَّ البشريَّة جمعاء مدعوَّة إلى معرفة الله والخلاص بفضلها.

 

 ليست هذه المقولات اللاّهوتيَّة سوى صياغات مختلفة للإعتقاد الإنسانيّ بأنَّ الإنسان المخلوق على صورة الله يتمتَّع بالمعرفة الأساسيَّة حول الدَّعوة الموجَّهة إليه لتحقيق هذه الصّورة وإكمالها، حيث أنَّ هذه المعرفة وديعة إنسانيَّة مشتركة تشغل فكر الإنسان قبل التّراث المقدَّس وخارجه، على إختلاف أطوار التطوُّر الحضاريّ. وليست الوديعة المشتركة بين التّراث الإنسانيّ والتّراث الكتابيّ المتمثِّل في (تك 1 - 11) إلاَّ أن يبيِّن أنَّ "بذور الكلمة" زُرعَت وبغزارة في تراث الشَّرق القديم، فلا غرو من أن نكتشف آثارها في التّراث الكتابي.

 

الأب روبير بندكتي