تقديس البيعة

 

تقديس البيعة

 

عهد جديد، بمَن؟

 

 ( متى 16: 13-20)

13ولمّا أتى يسوعُ إلى مكانِ قيصريَّة فيلبُّس، سائلاً كان تلاميذَهُ وقائلاً: “ما الناسُ قائلونَ عنّي أنا ابنُ الإنسان؟” 14أمّا هم فقالوا: “هناك قائلون: "يوحنّا المعمدان." وآخرون: "إيليّا." وآخرون: "إرميا أو واحدٌ من الأنبياء."” 15فقالَ لهم: “وأنتم، ما قائلونَ أنتم إنّي أنا؟” 16فأجابَ سمعانُ وقال: “أنتَ هو المسيحُ ابنُ الله الحيّ.” 17فأجابَ يسوعُ وقالَ له: “طوباكَ، يا سمعانُ بنَ يونا، لأنَّ اللحمَ والدمَ ما كشفَ لك ذلك، بل أبي الذي في السماء. 18وأنا قائلٌ لك: أنتَ هو الصخر. وعلى هذا الصخر أبني بيعتي وأبوابُ الشيولِ لا تغلبُها. 19لك أعطي مفاتيحَ ملكوتِ السماء، وكلَّ ما تربطُ في الأرض يكونُ مربوطًا في السماء، وما تحلُّه في الأرضِ يكونُ مَحلولاً في السماء.” 20حينئذٍ أمرَ تلاميذَه ألاّ يقولوا لإنسانٍ إنَّه هو المسيح.

 

*  *  *

 

مقدِّمة

ها هو أحد تقديس البيعة ينقلنا إلى العهد الجديد مع عمل التقديس الذي يقوم به يسوع في كنيسته سنة بعد سنة. فهو القدُّوس ويحمل القداسة إلى الكنيسة وإلى المؤمنين. والقداسة إنفصال عن العالم وما فيه من شرّ، من أجل عودة إلى العالم لكي نحمل إليه خمير الإنجيل.

عاش يسوع مع تلاميذه سنتين. رأوه، وسمعوه يتكلَّم، وشاهدوا معجزاته. تعلَّقوا به كما يرتبط التلميذ بمعلِّمه. ولكنَّ يسوع لا يريد تعلُّقًا من هذا النوع. هو اختارهم. وهم تجاوبوا مع هذا الاختيار. يبقى عليهم أن يأخذوا الموقف الواجب تجاهه: من هو في نظرهم؟ أمجرَّد نبيّ، أم أعظم من نبيّ؟ إنَّه المسيح ابن الله الحيّ.

 

الله في جسد ضعيف!

تعرَّفنا إلى يسوع ابن الله، واليوم نتعرَّف إليه على أنَّه ابن الإنسان. تلك كانت خبرة الناس وخبرة التلاميذ الأولى. مشوا مع يسوع. كانوا يزحمونه لكي يروه ويسمعوه، ويشاهدوا معجزة من معجزاته. حسبوه ملكًا عظيمًا، يجلس بعضهم عن يمينه والآخر عن يساره. في السفينة، تعب ونام. على البئر عطش وطلب ماء ليشرب.

 

اعتبر الناس أنَّ المادَّة شرٌّ أو أقلَّه ضعف ونقص، فكيف للإله أن يتجسَّد فيها؟ كيف يكون بشرًا مثل سائر البشر، وإنسانًا بلحم ودم، مع ما في هذه الحالة من ضعف؟ وكانت الهرطقة الأولى: لم يكن الابنُ إنسانًا، بل تظاهر، شُبِّه به! في الواقع، ظلَّ فوق البشر ولم يقاسِ ما قاساه البشر. ولكن حين نقرأ الإنجيل، نفهم أنَّ النظرة الأولى إلى يسوع أفهمت الناس أنَّ المسيح كان إنسانًا حقًّا، ووصلت به إنسانيَّته إلى الموت على الصّليب والدفن في القبر، شأنه شأن جميع البشر.

 

من هو يسوع المسيح؟

هل يكتفي يسوع بهذا الكلام، ولو اعتبره الناس إنسانًا متفوِّقـًا، فيلسوفـًا، صاحب فكر، حامل ثورة، رافض تقاليد؟ كلاّ. لأنَّه عند ذاك يبقى إنسانًا وحسب، ولا يكون له ارتباط بالله. أمّا هو فقال: "أنا لا أعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني". لهذا، قابله الناس والتلاميذ أوَّل الأمر، بالأنبياء. يشبه يوحنّا المعمدان سابقه الذي قال الحقيقة فوُضع في السجن، وقُطع رأسه. يشبه إيليَّا الغيور على عبادة الإله الواحد تجاه البعل. يشبه إرميا الذي أحرقته كلمة الله في أحشائه، فحملها رغم الاضطهادات التي نالها. وإن لم يكن واحدًا من هؤلاء، لأنَّ كلَّ إنسان فريد في ذاته، في رسالته، فهو نبيٌّ من الأنبياء. هو حامل كلام الله، ويقرأ حياته والأحداث على ضوء كلام الله.

 

أجل، يسوع كلَّم الناس، فجاء كلامه في خطِّ كلام الأنبياء. ولكنَّ يسوع لم يكن فقط نبيًّا. إذا كان يوحنَّا المعمدان أعظم من نبيّ. فمَن ترى يكون يسوع؟ هو أعظم من حامل كلمة الله، إنَّه كلمة الله بالذات، الكلمة الذي كان لدى الله، والذي هو الله. لهذا، لم يرضَ يسوع بجواب الرّسل وما فيه من اختباء خلف آراء الناس، لأنَّهم لا يريدون أن يتَّخذوا موقفـًا. فتابع: وأنتم من تقولون إنِّي أنا؟

 

اكتشاف الرسل

اكتشف الرسل، وعلى رأسهم بطرس، أنَّ يسوع هو المسيح. هو ذاك الذي أرسله الآب إلى العالم ليحمل الخلاص الذي انتظره اليهود منذ أجيال وأجيال. أعلنه الآب في العماد ابنَه الوحيد. وطلب منَّا في التجلِّي أن نسمع له. وهيَّأنا لنفهم أنَّ مجيئه سيكون على سحاب السّماء ليدين الأحياء والأموات. لو فهم اليهود هذه الحقيقة، لكانوا جاؤوا إلى الابن وكانوا أوَّل المؤمنين. ولكنَّهم ظلُّوا عند يسوع الإنسان. بل هم لن يفهموا تجسُّده العجيب وميلاده المجيد.

 

أمّا الرسل فقاموا بالخطوة الأولى: "أنت المسيح"، وساروا وراءه على ضوء هذا الاكتشاف الذي لا يفهمه إلاَّ الذين في الداخل. هؤلاء قبلوا أن يدخلوا في سرِّ يسوع، فأعطي لهم ما لم يُعطَ للآخرين الذين انغلقوا على نداء يسوع. واكتشف الرّسل على ضوء القيامة، أنَّ هذا المسيح هو ابن الله بالذات. أجل، بعد يسوع لا مسيح سواه، ولا مخلِّص غيره، ولا وسيط بين الله والبشر إلاَّ هو. وبعد المسيح، لا إله إلاَّ إله ربِّنا يسوع المسيح الذي حده يقدِّس البشريَّة ويقدِّمها للآب ذبيحة لا عيب فيها.

 

ما هي ميزات العهد الجديد؟

ونقرأ في تقديس البيعة أيضًا، مقطعًا من الرّسالة إلى العبرانيِّين. نجد كلامًا عن العهد الأوَّل الذي كان مع موسى بفرائض أعطيت على جبل سيناء. ولكنَّه عهد عفـَّاه الزمان بعد أن جاء العهد الثاني بيسوع المسيح، العهد الجديد الأبديّ. وقرأنا كلامًا عن المسكن الأوَّل، بما فيه من آنيَّة تدلُّ على حضور الله، ولاسيَّما تابوت العهد الذي فيه لوحا الوصايا (كلام الله) وجرَّة المنّ (عناية الله)، وعصا هارون (الكهنوت في شعب الله). ذاك المسكن كان رمزًا. أمّا جسد يسوع المسيح فهو الحقيقة. ففيه يُقيم ملء اللاهوت كلِّه، وبه نتقرَّب إلى الله. من الممكن أن يُهدم الهيكل. أمّا جسد المسيح، وإن جُعل في الموت وفي القبر، فهو يقوم بعد ثلاثة أيَّام. فإلى هذا المسكن الثاني نتوجَّه، إلى الكنسية جسد المسيح، ومعه تبدأ مسيرة قداستنا.

 

عيش الكلمة

 

من هو يسوع بالنسبة إلينا؟

مرَّات عديدة نعجل الإجابة في أُطرنا البشريَّة. يسمِّيه البعضُ الفيلسوف الذي قدَّم فلسفة، شأنه شأن سقراط وأفلاطون وغيرهما. ويسمِّيه البعض الآخر معلِّم أخلاق، ويقابلون تعليمه بما عند كونفوشيوس وبوذا وغيرهما. ويطلق عليه البعضُ اسمَ النبيّ الذي يحمل الكلمة الصادقة، ويجعلونه نبيًّا بين الأنبياء. وهناك من يسمِّيه الثائر وصاحب الموقف الجريء الذي يعلِّم البشريَّة أن ترفض كلَّ صور الذلِّ والعبوديَّة.

 

في الواقع، يسوع هو المسيح الذي جاء يحمل الخلاص للعالم. هو الإله الذي تجسَّد فعاش مع الإنسان ليرفعه إلى الله. فإن لم يكن مسيحنا هكذا، فهو ليس المسيح الذي تعلنه الأناجيل، بل صورة من عندنا هي أقرب إلى الفكرة والصنم منها إلى حقيقة الإيمان.

 

 

الخوري بولس الفغالي