عيد ارتفاع الصليب

 

 

 

عيد ارتفاع الصليب

(يو12/ 20 ـ 32)

 

كَانَ بَينَ الصَّاعِدِينَ لِيَسْجُدُوا في العِيد، بَعْضُ اليُونَانِيِّين. فَدَنَا هؤُلاءِ مِنْ فِيلِبُّسَ الَّذي مِنْ بَيْتَ صَيْدَا الجَلِيل، وسَأَلُوهُ قَائِلين: «يَا سَيِّد، نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوع». فَجَاءَ فِيلِبُّسُ وقَالَ لأَنْدرَاوُس، وجَاءَ أَنْدرَاوُسُ وفِيلِبُّسُ وقَالا لِيَسُوع. فَأَجَابَهُمَا يَسُوعُ قَائِلاً: «لَقَدْ حَانَتِ السَّاعَةُ لِكَي يُمَجَّدَ ٱبْنُ الإِنْسَان. أَلحَقَّ ٱلحَقَّ أَقُولُ لَكُم: إِنَّ حَبَّةَ الحِنْطَة، إِنْ لَمْ تَقَعْ في الأَرضِ وتَمُتْ، تَبْقَى وَاحِدَة. وإِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِير. مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يَفْقِدُهَا، ومَنْ يُبْغِضُهَا في هذَا العَالَمِ يَحْفَظُهَا لِحَيَاةٍ أَبَدِيَّة. مَنْ يَخْدُمْنِي فَلْيَتْبَعْنِي. وحَيْثُ أَكُونُ أَنَا، فَهُنَاكَ يَكُونُ أَيْضًا خَادِمِي. مَنْ يَخْدُمْنِي يُكَرِّمْهُ الآب. نَفْسِي الآنَ مُضْطَرِبَة، فَمَاذَا أَقُول؟ يَا أَبَتِ، نَجِّنِي مِنْ هذِهِ السَّاعَة؟ ولكِنْ مِنْ أَجْلِ هذَا بَلَغْتُ إِلى هذِهِ السَّاعَة! يَا أَبَتِ، مَجِّدِ ٱسْمَكَ». فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ يَقُول: «قَدْ مَجَّدْتُ، وسَأُمَجِّد». وسَمِعَ الجَمْعُ الحَاضِرُ فَقَالُوا: «إِنَّهُ رَعد». وقَالَ آخَرُون: «إِنَّ مَلاكًا خَاطَبَهُ». أَجَابَ يَسُوعُ وقَال: «مَا كَانَ هذَا الصَّوْتُ مِنْ أَجْلِي، بَلْ مِنْ أَجْلِكُم. هِيَ الآنَ دَيْنُونَةُ هذَا العَالَم. أَلآنَ يُطْرَدُ سُلْطَانُ هذَا العَالَمِ خَارِجًا. وأَنَا إِذَا رُفِعْتُ عَنِ الأَرض، جَذَبْتُ إِليَّ الجَمِيع».

 

 

ـ شرح النصّ

  • "نريد أن نرى يسوع". توجّه  اليونايّون إلى فيليبّس لأنّه يتكلّم اليونانية. وإذ طلبوا أن يروا يسوع، فلكي يعرفوا مَن هو، لأنّ العالم الوثنيّ لم يعرفه شخصيًّا، بل عبر تبشير الرُّسل، وبالتحديد من خلال فيليبّس. بهذه الوسيلة دلّ الوثنيّون على اهتمامهم بيسوع أكثر من اليهود. وكما قاد فيليبّس نتنائيل، وأندراوس سمعان إلى يسوع (1 / 9)، ها هما يعملان معًا فيقودان إليه اليونايين. إنّ مجيء الوثنيين وطلبهم رؤية يسوع يفهماننا أنّ الساعة المنتظرة قد جاءت حقًا. إنّها ساعة ابن الإنسان.

 

  • "حبّة الحنطة". إنّها الحبّة التي لا تعطي الحصاد الوفير إن لم تمُتْ. وهذا هو وضع يسوع. فالحبّة تدلّ على أنّ يسوع سيمرّ بالموت فيعطي غلالًا وفيرة، أي يصبح قادرًا على إعطاء الحياة لجميع البشر في كنيسة واحدة. هذه الحبّة هي رمز مدهش للحياة الفصحيّة لكلِّ مسيحيّ عليه أن يختار بين حياة خصبة وحياة عقيمة. لذا نحن مدعوُّون لكي ندخل في سرّ الخصب هذا، وعندئذ تغمر الغلال البشريَّة جمعاء دون تمييز بين الأعراق والشعوب. وبحسب بعض الشرّاح، ليست الذبيحة الإفخارستيّة إلّا إشارة إلى ذلك.

 

  • "من أحبّ نفسه خسرها". إنّ من يركّز نجاحه في ذاته يخسر كلّ شيء، فلا يستطيع أحد أن يدرك شموليّة يسوع إذا تمسّك بالحياة الراهنة وكأنّها كلّ شيء. لقد دُعينا لنتبع يسوع ونقتدي به في ألمه وموته. فالملكوت أشبه باللؤلؤة، ولا بدّ من بذل كلّ شيء لاقتنائها. إنّها القاعدة الغريبة في الحياة المسيحيّة التي يدعونا فيها يسوع إلى التخلّي عن الذات، والتحلّي بالحبّ، والتجلّي في مجد الآب. لذلك لا بدّ لنا نحن معشر المؤمنين أن نصبح "حبّات حبّ" نموت لنمنح الحياة.

 

  • نجّني يا أبتِ من هذه الساعة". يعيش يسوع صراعًا بين شوقه إلى هذه الساعة والاضطراب من هذه الساعة التي يودّ أن ينجو منها. إنّه وقت التجربة العظمى، تجربة السّاعة الأخيرة التي أتى من أجلها. فأتى صوت من السّماء يقول: "قد مجّدته وسأمجّده أيضًا". يذكّرنا هذا الصّوت بأولئك الملائكة الذين ذكرهم لوقا وهم يخدمون المسيح في نزاعه: "وأنا إذا رُفعتُ من الأرض جذبت إليّ الناس أجمعين". إنّ إرتفاع المسيح على الصّليب هو السقوط النهائيّ للعدوّ الأكبر، إبليس (رؤ 12/ 19 ـ 20)، فيربح المسيح ما يخسره إبليس. وهذا يعني أنّ العالم الوثنيّ الممثّل باليونانيين كان تحت حكم إبليس، فتخلّص اليوم من قبضته، وحصل على الخلاص بسلطة المسيح.

 

 

ـ أمثولات روحيّة

 

  • يجب اعتبار مكان الصّلب ، الذي هو جلجلة التاريخ، محور الكون كلّه، لأنّ الخلاص للعالم بأسره جاء منه. والاحتفال بالصّليب ليس مجرّد تكرار لتقليد تاريخيّ كنسيّ، بل هو مشاركة المسيحيّين بالإيمان الواحد، وعيش لمعنى الصليب في حياتنا. إنّه ليس علامة ألم وعذاب وموت، بل علامة انتصار الرّجاء على اليأس. إنّ الصّليب بالنسبة إلينا هو ضمانة حبّ الله المجاّني لكلّ واحد منّا وعلامة حبّنا للآخرين.

 

  • الصّليب هو علامة حبّ الآب لنا من خلال ابنه. ففي كلّ مرّة نكرّم الصّليب في الكنيسة أو في البيت أو في أعناقنا وصدورنا، نكون أبناء للآب بالتبنّي، ونستحقّ الاشتراك في ملكوت حبّه الأبديّ. والصّليب هو مدرسة في التربية المسيحيّة، نتعلّم فيها كبارًا وصغارًا، شرف التضحية وبذل الذات، "إذ ما من حبّ أعظم من أن يَهَب الإنسان نفسه في سبيل أحبّائه"، وبخاصّة في سبيل المحتاجين والمتألّمين والمتروكين على طرقات النسيان والإهمال. فلنسعَ كي يكون الصّليب ذخيرة لحياتنا وخلاصنا لا زينة لصدورنا وأعناقنا.

 

  • يجب أن نجاهر ونقول:لا أهميّة للصّليب من دون المصلوب، ولا ديانة مسيحيّة من دون الاعتراف بموت يسوع الناصريّ وقيامته. إنّ الصّليب مكوّن من خشبتين، الأولى عاموديّة تدلّ على أنّ المسيح ممدود من الأرض إلى السّماء، والثانية أفقيّة تدلّ على أنّ المعلّم يضمّ في ذراعيه المسكونة بأسرها.

 

  • على المسيحيّ أن يعرف في أنّ كلّ ألم يصيبه ، أنّ المسيح المصلوب هو شريك له، وأنّه لا يُلقى وحده في القبر، لأنّ فيه روحًا لا يقدر التراب أن يقضي عليه. وعليه أن يدرك أنّه ليس عبدًا متروكًا للمصير المجهول. ولئن سقط في الخطيئة، فإنّه ناهض إلى البرّ، كونه يحمل في عمق أعماقه طاقة الحبّ، التي تخوّله أن يذوق الفرح في أمراضه، والشفاء في عاهاته، وأن يختبر في الذبيحة الإلهيّة (ذبيحة المصلوب)، "كمال ملكوت السماوات والدّالة لدى الله لا لمحاكمة ولا لدينونة"، لأنّه قد انتقل بقيامة المخلّص من الموت إلى الحياة.

 

  • مهما قيل ومهما كُتب عن يسوع، علينا أن نُدرك أنّه حوّل خشبَتيّ الصّليب إلى خشبة خلاص. فأصبح سِمَة المخلّصين وهويّتهم وشعارهم. به نتبارك ونبارِك، نحتمي نستعين، وحيثما يُرفع صليب، فيسوع موجود ونحن معه. وكلّما صلّينا، وبأيّ شكل، نبدأ ونختم بإشارة الصّليب. وكلّ مرّة نُحِبّ أو نتوب أو نغفر، باسم الصّليب وتكريمًا له. وكلّ فعل محبّة على الأرض، ينبع منه ويرتدّ إليه.

 

صلاة

أمامك ربّي، لا نملك سوى أن نصمت ونسجد. فصليبك ذروة عظائمك وقمّة الدهور: يحوّل الموت إلى حياة، والشرّ إلى قداسة في شركة أبناء الله وخلقه إلى أبد الآبدين. آمين.

 

                                         "يسوع موعد حبّ"

                                        الأب يونان عبيد