مجيء ابن الإنسان

 

 

 

 

 

مجيء ابن الإنسان

(متى 24 : 23  ـ 31 )

 

قالَ الربُّ يَسوع: إِنْ قَالَ لَكُم أَحَد: هُوَذَا المَسِيحُ هُنَا أَوْ هُنَاك! فَلا تُصَدِّقُوا. فَسَوْفَ يَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وأَنْبِيَاءُ كَذَبَة، ويَأْتُونَ بِآيَاتٍ عَظِيمَةٍ وخَوارِق، لِيُضِلُّوا المُخْتَارِينَ أَنْفُسَهُم، لَو قَدِرُوا. هَا إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكُم!
فَإِنْ قَالُوا لَكُم: هَا هُوَ في البَرِّيَّة! فلا تَخْرُجُوا، أَو: هَا هُوَ في دَاخِلِ البَيْت! فَلا تُصَدِّقُوا.


فكَمَا أَنَّ البَرْقَ يُومِضُ مِنَ المَشَارِق، ويَسْطَعُ حَتَّى المَغَارِب، هكَذَا يَكُونُ مَجِيءُ ٱبْنِ الإِنْسَان. حَيْثُ تَكُونُ الجُثَّةُ هُنَاكَ تَجْتَمِعُ النُّسُور.
وحَالاً بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأَيَّام، أَلشَّمْسُ تُظْلِم، والقَمَرُ لا يُعْطِي ضَوءَهُ، والنُّجُومُ تَتَسَاقَطُ مِنَ السَّمَاء، وقُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَع.


وحينَئِذٍ تَظْهَرُ في السَّمَاءِ عَلامَةُ ٱبْنِ الإِنْسَان، فَتَنْتَحِبُ قَبَائِلُ الأَرْضِ كُلُّها، وتَرَى ٱبْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا على سُحُبِ السَّمَاءِ بِقُدْرَةٍ ومَجْدٍ عَظِيم.
ويُرْسِلُ مَلائِكَتَهُ يَنْفُخُونَ في بُوقٍ عَظِيم، فيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الرِّيَاحِ الأَرْبَع، مِنْ أَقَاصي السَّمَاوَاتِ إِلى أَقَاصِيهَا.

 

 

يبدأ إنجيل اليوم بجملة  يقول فيها يسوع: "إن قال لكم أحد: هوذا المسيح هنا أو هناك! فلا تصدّقوا".

 

نعم الكثير من الناس إدّعوا  ويدّعون أنّهم هم المخلّصون ويجدون أتباعًا لهم. هؤلاء الأشخاص أسّسوا ما نسمي البدع، ونحن نعرف  الكثير منها. قد تكون ردّة فعلنا الأولى: الحمد لله، أنا لست منهم، فأنا حافظت على إيماني ولم أنكر يومًا يسوع المسيح، ووجودي في الكنيسة خير دليل على ذلك. هذا صحيح، فإن كنّا في الكنيسة فهذا لأنّنا نعلن يسوع المسيح مخلّصًا وحيدًا. ولكنّ الأمور اكثر تعقيدًا من ذلك، فلنغص إلى الأعماق.

 

المسيح هو من يعطي الخلاص للإنسان، أي الفرح الحقيقي والسلام الذي لا ينتزعه أحد من داخلنا، ولذلك هو من يعطي الحياة معناها.

 

في أحد مزامير القراءات نقول للمسيح "أنت قبلة الأنظار"، أي أنظارنا مشدودة دائمًا نحوك لأنّك أنت النور ومنبع كلّ العطايا.

 

في الواقع، رغم أنّنا نأتي إلى الكنيسة وأنّنا نمارس أسرار الكنيسة ونطبّق وصاياها، إلّا أنّ الكثيرين منّا يعيشون حياتهم اليومية وكأنّ أمورًا كثيرة غير المسيح هي مركز اهتمامهم الوحيد، بل هي كل حياتهم.

 

كم من الناس تستعدّ لتضحّي بكلّ شيء من أجل مركز في العمل، كم من الناس يركضون وراء التكنولوجيا وكأنّ الحياة  لا طعم لها ولا لون إن لم يمتلك أحدث هاتف أو أحدث كمبيوتر، كم من الأشخاص إن لم يتمكّنوا أن يدخلوا شبكة الإنترنت شعروا وكأنّهم يختنقون، شعروا وكأنّهم أموات لا أحياء، كم من الناس يعيشون حياتهم ليكدّسوا المال أو ليشتروا الثياب الجديدة والسيارات الجديدة والسهر كل ليلة وهم يدخّنون "الأرجيلة"، وإن لم يفعلوا ذلك شعروا بفراغ في حياتهم؟

 

إذا كنتَ هكذا تكون قد رفعتَ هذه الأشياء إلى مستوى الألوهة وغرقتَ فيها واعتبرت أنّها هي من تعطيك الفرح والسلام لقلبك. فيسوع يقول لك اليوم: "إن قال لكم أحد: المسيح هنا أو هناك! فلا تصدّقوا".

 

قد يقول البعض: نحن لا تهمّنا هذه الأمور فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ببل بكل كلمة تأتي من الله. ولذلك نحن نهرب من المجتمع ومغرياته وهمومه ووساخته، فإن عشنا بين الناس ومعهم لا يمكن أن نلتقي بالله لأنّ هذا العالم يلهونا عنه.

 

 ولكن تذكّر، إن هربتَ  من الناس لتلتقي بالله، لن تجد الإله الحقيقي، الإله المحبّ الذي أرسل ابنه الوحيد ليعيش بين الناس ومعهم ومن أجلهم، بل ستلتقي بإله بارد لا حياة فيه ولا نكهة له.

 

 

لا تتفاجأوا فالكثير  يفكّر هكذا. تعالوا نتذكّر كم من اللحظات  قلنا  في داخلنا : يا ليتني أقدر أن أعيش  لوحدي  بعيدًا عن الناس وعن خبثهم وأصلّي  طوال الوقت.

 

كم من اللحظات قلنا: نيّال الناسك. وكأنّ الناسك هو من يهرب من الناس لا من يحبّهم.

 

 فلكي يُسمح للمؤمن أن يتنسّك، يوجد شرطان أساسيّان

 

أوّلًا أن تكون حياته الاجتماعية ناجحة جدًا ، يحب التعاطي  مع الغير وهو منفتح على الجميع.

 

 ثانيًا أن يعيش النسك مع ناسك آخر كي لا يظنّ أنّه يمكن له أن يعيش مع الله دون المرور بأخيه الإنسان.

 

الناسك لا يتنسّك ليهرب من الناس ومن هموم العالم ومن فساد المجتمع، بل يتنسّك لأنّه يعشق الناس فيعبّر عن محبّته لهم من خلال صلواته.

 

إن كنتَ لا تقدر أن تلتقي بالله بين الناس، فالمسيحيّين منهم وغير المسيحيّين، الضعفاء والأطهار، الخطأة والأبرار، لا تظنّ أنّك ستلتقي به إن هربت منهم. فيسوع يقول لك اليوم: "إن قالوا لكم ها هو في البرية! لا تصدقوا".

ولكن، ليس كلّ الناس يهربون من الناس، فأكثرهم ربّما يلتقون  بالله في الكنيسة مع المؤمنين الآخرين.

 

 فنحن نجتمع  في القدّاس لأنّنا  كجماعة مؤمنة نلتقي بوجه المسيح المشعّ ونعبده.

 

ولكن ، إحذر، لا تحصر المسيح في مكان  واحد، فإن كانت الكنيسة تشهد له وتبشّر به  في هذا العالم إلّا أنّه أكبر منها.

 

 فالبعض لم يعد يشعر بوجود المسيح إلّا في الكنيسة، في جماعة صلاة أو مع المؤمنين، فيأتي إلى الكنيسة يوم الأحد وكأنّها عالم آخر. وتصبح حياته حياتَيْن؛ هي داخل الكنيسة شيء وخارجها  شيء آخر وكأنّه شخصان. إن كنتم هكذا يقول لكم يسوع اليوم: "إن قالوا لكم ها هو في داخل البيت! فلات صدّقوا".

ليس يسوع إذًا في الأمور الزائلة، وإن كان الأكل والمال والسهر مهمّة، لحياة الإنسان تساعده ليعيش حياة كريمة. فإن كان الإنسان لا يحيا بالخبز فقط إلّا أنّه لا يحيا من دونه.

 

وليس يسوع بالهروب من العالم، فمن هرب من الناس وضعفهم وخطاياهم ومشاكلهم هرب أيضًا من يسوع الذي تجسّد بين الناس وعاش معهم وخصوصًا الأكثر خطأة، والموجود في الجائع والعطشان والغريب والسجين، رغم أنّ الإنسان يحتاج بين فترة وفترة إلى فسحة زمن يختلي فيها بينه وبين خالقه، لا ليهرب من الناس بل ليستقي من صلاته القوّة والمحبّة الكافيتّيْن ليذهب لملاقاة الآخرين.

 

 

ولا يُحصر المسيح في الكنيسة وكأنّها وكالته الحصريّة أو كأنّها هي التي تحتضنه،  لا،  هو الذي يحتويها.

 

فالمسيح لا يسعه الكون بأكمله وإن كانت الكنيسة هي الشاهدة الأولى للمسيح وهي جسده وهي تبشّر به وفيها يحتفل المؤمنون بموته وقيامته ويصغون إلى كلمته ويتناولون جسده.

 

 أتريد أن تعرف أين تجد المسيح؟ لا تذهب إلى بعيد، فهو أقرب ممّا تعتقد، هو في داخلك.

 

 إن فتّشت عنه في هذه الدنيا فعبثًا تبحث إن لم تلتقِ به فيك أوّلًا. هذا ما أخبره القدّيسون قبلك، ألم يكن قلبا تلميذَي عماوس يحترقان حين كان يكلّمهما في الطريق؟ (لوقا 24: 32).

 

أليس هذا ما اختبره القدّيس أغسطينوس عندما كتب: "لقد أحببتك متأخّرًا أيّها الجمال القديم، الحديث، أجل متأخّرًا  أحببتك! أنت كنت في داخلي وأنا خارج نفسي! وفي الخارج بحثت عنك طويلًا ووثبت في قباحتي نحو الجمالات التي كوّنتها. أنت كنت معي وأنا لم أكن معك".

 

لا تتعب  وأنت تبحث عن المسيح، فهو الذي يبحث عنك وينتظر أن تستقبله، هو الذي قال: "ها انا واقف على الباب اقرعه، فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب دخلتُ إليه وتعشّيتُ معه وتعشّى هو معي".(رؤ 3/ 20)

 

                                                   الخوري غي سركيس