مسار الملكوت وتيّار إبليس

 

الأحد الثاني بعد عيد ارتفاع الصّليب

(متى 24/ 1 ـ 14)

تدمير الهيكل ونهاية الأزمنة

خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ الهَيْكَلِ ومَضَى. فَدَنَا مِنهُ تَلامِيذُهُ يُلْفِتُونَ نَظَرَهُ إِلى أَبْنِيَةِ الهَيْكَل. فَأَجَابَ وقَالَ لَهُم: «أَلا تَنْظُرونَ هذَا كُلَّهُ؟ أَلحَقَّ أَقُولُ لَكُم: لَنْ يُتْرَكَ هُنَا حَجَرٌ عَلى حَجَرٍ إِلاَّ ويُنْقَض». وفيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلى جَبَلِ الزَّيتُون، دَنَا مِنْهُ التَّلامِيذُ على ٱنْفِرَادٍ قَائِلين: « قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا، ومَا هِيَ عَلامَةُ مَجِيئِكَ ونِهَايَةِ العَالَم؟». فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُم: «إِحْذَرُوا أَنْ يُضِلَّكُم أَحَد! فكَثِيرُونَ سَيَأْتُونَ بِٱسْمِي قَائِلين: «أَنَا هُوَ المَسِيح! ويُضِلُّونَ الكَثِيرِين. وسَوْفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وبِأَخْبَارِ حُرُوب، أُنْظُرُوا، لا تَرْتَعِبُوا! فلا بُدَّ أَنْ يَحْدُثَ هذَا. ولكِنْ لَيْسَتِ النِّهَايَةُ بَعْد!

سَتَقُومُ أُمَّةٌ عَلى أُمَّة، ومَمْلَكَةٌ عَلى مَمْلَكَة، وتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وزَلازِلُ في أَمَاكِنَ شَتَّى، وهذَا كُلُّه أَوَّلُ المَخَاض. حِينَئِذٍ يُسْلِمُونَكُم إِلى الضِّيق، ويَقْتُلُونَكُم، ويُبْغِضُكُم جَمِيعُ الأُمَمِ مِنْ أَجْلِ ٱسْمِي. وحِينَئِذٍ يَرْتَدُّ الكَثِيْرُونَ عَنِ الإِيْمَان، ويُسْلِمُ بَعْضُهُم بَعْضًا، ويُبْغِضُ بَعْضُهُم بَعْضًا. ويَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويُضِلُّونَ الكَثِيرِين. ولِكَثْرَةِ الإِثْمِ تَفْتُرُ مَحَبَّةُ الكَثِيْرين.

ومَنْ يَصْبِرْ إِلى النِّهَايَةِ يَخْلُصْ. ويُكْرَزُ بِإِنْجيلِ المَلَكُوتِ هذا في المَسْكُونَةِ كُلِّهَا شَهَادَةً لِجَمِيعِ الأُمَم، وحينَئِذٍ تَأْتِي النِّهَايَة.

 

مسار الملكوت وتيّار إبليس

هذا الأحد يعلن مجيء ربّنا وعلاماته، كما وردت في خطبة النهايات، التي يتحدّث فيها يسوع عن حدثين مهمّين: دمار أورشليم ونهاية العالم.

1ـ شرح النصّ

في الفصول الأربعة الأخيرة لمتى (24 ـ 28) نصل إلى ختام مراحل الإنجيل، حيث نجد أمامنا قسمين كبيرين: خطبة كبرى، ينبئ فيها يسوع بآخر الأزمنة، ورواية الآلام والقيامة، وهي في أحد معانيها، تحقيق لنبوءة يسوع هذه في إنجيل اليوم.

تتناول العظة، أربع نقاط، هي :

 

  • هدم الهيكل (آ 1 ـ 2)

كان اليهود يتطلّعون إلى الهيكل لكونه علامة مُلكهم، فهوالموضع الوحيد الذي يُعلن فيه الله مجده ويتقبّل من أيدي مؤمنيه الذبائح والتقدمات. وحيث وُجد المؤمن وحلّت به ضائقة، تطلّع نحو الهيكل لينعم بعون إلهيّ. وكانت أبنية الهيكل بضخامتها علامة لعظمة ملكوتهم. لهذا السبب أراد التلاميذ أن يُروا المعلّم هذه المباني، لكن يسوع أكّد لهم "أنّه لا يُترك ههنا حجر على حجر إلّا ويُنقض". والسبب في ذلك، أنّ الهيكل على الرّغم من قدسيّته، قد تحوّل في حياة اليهود، بسبب ريائهم وفكرهم الماديّ، إلى عقبة أمام العبادة الرّوحيّة. فقد انشغلوا بعظمة الهيكل الخارجيّة وتخلّوا عن قدسيّة هيكل القلب الدّاخليّ، فكانوا يهتمّون عبر العصور بإصلاح المباني لا القلب، الأمر الذي أجبر الأنبياء على أن يكرّسوا حياتهم لتصحيح هذا المفهوم، وأبرزهم إرميا، الذي قال: "لا تتّكلوا على كلام الكذب، قائلين: "هيكل الرَّبّ، هيكل الرَّبّ هو" (7/ 4). وجاء بعده حزقيال النبيّ  يُعلن لهم أنّ مجد الرَّبّ يفارق البيت ويفارق المدينة كلّها، كلّ ذلك، لأنّهم اهتمّوا بالخارج وتناسوا الداخل (حز 10/ 18 ـ 19، 11/ 22 ـ 23) . وما قاله يسوع تحقّق حرفيًا سنة 70 م، حين أصرّ الرّومان بقيادة تيطس على هدم الهيكل، وكان ذلك إعلانًا عن قيام الهيكل الجديد لكنيسة العهد الجديد مع مفاهيم جديدة. هذا الهيكل الجديد ليس من صنع البشر، إنّما هو الإنسان الجديد على صورة الخالق. هذا العمل هو بداية حلول الملكوت فينا، وعربون للتمتّع بالملكوت النهيويّ، الذي من خلاله ننتظر بفرح مجيء الرَّب كمخلّص لنفوسنا.

 

  • ظهورمسحاء كذبة (آ 3 ـ 5)

إنّ توطيد الملكوت الجديد فينا، سيواجَه بقوّة إبليس ليَستبدل ملكوت يسوع بمملكته. إنّ سؤال التلاميذ الذي كان الدافع إلى خطبة يسوع يقع على صعيدين: متى يكون خراب أورشليم؟ وما هي "العلامات" التي تخبر بمجيء ابن الإنسان في المجد ونهاية العالم؟ لم يُجِبْ عليه يسوع بوضوح، بل اكتفى بتقديم العلامات، لا ليعرفوا الأزمنة، بل كي لا يخدعهم المسحاء المضلّلون الذين يظهرون لأجل مقاومة الحقّ تحت ستار الدين نفسه. إنّ هذه الأحداث بالنسبة إلى يسوع لا بدّ أن تتمّ قبل انقضاء الدّهر، ولذا عليهم أن يكونوا أكثر اهتمامًا واستعدادًا، فيعيشوا في طريق الله باستمرار، حتّى إذا جاء ثانية يعترف بهم كخاصّته.

 

  • حدوث كوارث (آ 6 ـ 10)

ليس عجيبًا أن تكون علامات المسيح في مجموعها تمثّل جوانب متعدّدة من الآلام والمتاعب والكوارث، لأنّ هذا هو الطريق الذي يمهّد لمجيئه. فكلّما أدرك إبليس أنّ ممكلة المسيح على الأبواب، اشتدّت حربه ضدّ المؤمنين لكي يجرّهم إلى معسكره. وبهذا يزداد المؤمنون السّاهرون والحكماء قوّة وثباتًا، ويتمتّعون بإكليل الظفر، وينال إبليس وأتباعه ثمار شرّهم. أمّا بدء هذه الآلام التي يثيرها عدوّ الخير، فهي تهيئة جوّ نفسي ضاغط من حروب وانقسامات على مستوى الألم، وظهور أوبئة، وحدوث زلازل. إنّه يريد أن يحطّم نفسيّة الناس، فيروا إخوتهم كأشرار منقسمين، يشعلون الحروب ويعيشون في حالة رعب. والذين لا تطالهم الحروب، يتعرّضون للأمراض فيخافون على حياتهم الزمنيّة. ولئن هربوا من الأوبئة فإنّ الزلازل المفاجئة تلاحقهم.

إنّ هدف إبليس بات واضحًا، فهو يريد أن يربك المؤمنين بعيدًا عن الفرح بمجيء المسيح، فيلهيهم بالمشاكل الإنسانيّة والصحيّة والسياسيّة. يبقى علينا أن نتمسّك بمسيحنا، ولا ندع إبليس يشغلنا بمشاغباته، ويبعدنا عن تفكيرنا بالمسيح الملك.

 

  • ظهور أنبياء كذبة (آ 11 ـ 14)

كثيرًا ما يرد ذكر أنبياء كذبة في العهد القديم، كانوا أناسًا يدّعون أنّهم قد وصلتهم رسائل من الله، وكانوا ينادون "بالرّخاء والثراء"، ويقولون للشّعب ما يريد أن يسمعه. كذلك كان هناك كذبة في زمن الرَّبّ يسوع. وحتّى الآن لدينا أنبياء كذبة، هم بعض القادة المشهورين الذين ينشرون تعاليم كاذبة ويقولون للنّاس ما يريدون سماعه. هذا  السبب كان كافيًا ليحرّر يسوع تلاميذه من الإصغاء إلى أقوال الأنبياء الكذبة. مع التعليم الكاذب والانحطاط الأخلاقيّ، يأتي مرض مدمّر هو فقدان المحبّة الصادقة لله وللآخرين. وقد أنبأ الرَّبّ يسوع أتباعه بأن يتوقّعوا اضطهادات قاسية من الذين يبغضون تعاليمه. وفي خضمّ هذه الاضطهادات الرَّهيبة، يجب أن يظلّ رجاؤهم بالخلاص ثابتًا. فأوقات التجارب "تفرز" المؤمنين الحقيقيِّين عن المسيحيِّين الكذبة.

عمليًّا، يوجّه إلينا إبليس ثلاثة أسهم: الأوّل هو خلق جوّ ضاغط على الإنسان، لكي يجرّه بعيدًا عن حياته الداخليّة، الثاني هو تصويب الضيقات على الإنسان كي يُبعد عنه يسوع. أمّا الثالث وهو الأخطر، فيقوم على تصويب السَّهم ضدّ الإيمان، ممّا يجعل المؤمن ينحرف عن مسار الملكوت، وينجرف في تيّار إبليس.

 

أمثولات عمليّة

  • على الأوقات العصيبة أن تذكّرنا بضعفنا وعدم مقدرتنا على التعامل مع الأزمة. لذا نحتاج إلى إرشاد قيادات حكيمة ونصائح واضحة، وعلى كلمة الله، أن تبدأ في هذه الأوقات في جذب اهتمام كلّ مَن لم يُعرها اهتمامًا من قبل. من هنا علينا أن نكون مستعدّين لاغتنام هذه الفرصة لمشاركة كلمة الله في الوقت الضيّق وفي كلّ وقت.
  • يصف النبيّ دانيال زمن التجربة، بالأمور التالية:

ـ السّقوط في الخطيئة

ـ الرّعب وفقدان الثقة

ـ اتّباع التعاليم الخاطئة دون وعي

ـ التعرّض للألم والاستشهاد

فإذا تمسّكنا بإيماننا ستؤدّي التجربة إلى صَقله وتجعلنا أقوى رجاءً وأكثر اتحادًا بالربّ. يقول بولس: "ونحن نعلم أنّ الله يجعل كلّ الأمور تعمل معًا لأجل الخير لمحبّيه المدعوين بحسب قصده" (رو 8/ 28).

  • إنّ لله قصدًا من وراء كلّ مشكلة. فهو يستخدم الظروف لتطوير شخصيّتنا ويعتمد عليها ليجعلنا نقتدي بيسوع الذي حذّرنا من أنّنا سنواجه مشاكل في العالم. إذ لا يوجد أحد محصّن ضدّ الألم أو معزول عن المعاناة، وليس بإمكان أحد أن يتمتّع دائمًا بحياة ورديّة خالية من المشاكل. فالحياة هي سلسلة من الأزمات، وفي كلّ مرّة تُحلّ واحدة نجد الأخرى في انتظار أن تأخذ مكانها. وعلى الرّغم من حدّتها، فإنّها ستكون مفيدة في عمليّة نموّنا في شركة الله، الذي يعمل على طريقته ليجذبنا إليه: "قريب هو الرَّبّ من المنكسري القلوب، ويخلّص المنسحقي الرّوح" (مز 34 / 18).

 

صلاة

أبانا السماويّ، باسم ابنك وفي شركة روحك نصلّي: تقدّس اسمك وانجلى ملكوتك، وكملت مشيئتك على الأرض كما في السّماء. الآن وإلى الأبد. آمين.

 

"يسوع موعد حبّ"

                                                           الأب يونان عبيد