وكيل الله على أرض الله

 

 

 

الأحد الرابع بعد الصَّليب

 

 (متى 24/ 45 ـ 51)

قالَ الربُّ يَسوع: «مَنْ هُوَ العَبْدُ الأَمِينُ الحَكِيْمُ الَّذي أَقَامَهُ سَيِّدُهُ عَلى أَهْلِ بَيتِهِ، لِيُعْطِيَهُمُ الطَّعَامَ في حِينِهِ؟ طُوبَى لِذلِكَ العَبْدِ الَّذي يَجِيءُ سَيِّدُهُ فَيَجِدُهُ فَاعِلاً هكَذَا! أَلحَقَّ أَقُولُ لَكُم: إِنَّهُ يُقِيْمُهُ عَلى جَمِيعِ مُمْتَلَكَاتِهِ. ولكِنْ إِنْ قَالَ ذلِكَ العَبْدُ الشِّرِّيرُ في قَلْبِهِ: سَيَتَأَخَّرُ سَيِّدِي! وبَدَأَ يَضْرِبُ رِفَاقَهُ، ويَأْكُلُ ويَشْرَبُ مَعَ السِّكِّيرِين، يَجِيءُ سَيِّدُ ذلِكَ العَبْدِ في يَومٍ لا يَنْتَظِرُهُ، وفي سَاعَةٍ لا يَعْرِفُهَا، فَيَفْصِلُهُ، ويَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ المُرَائِين. هُنَاكَ يَكُونُ البُكَاءُ وصَرِيفُ الأَسْنَان.

 

 

وكيل الله على أرض الله

 

1ـ شرح النصّ

يركّز مَثَل الخادم الأمين على مفهوم السِّرّ، لأنّ لا أحد يعلم اليوم ولا السّاعة. يأتي المطلوب من الخادم على مستويين: المستوى الأساسيّ يقوم على طاعة سيّده، والمستوى الثاني يركّز على العلاقة بين الخادم وجماعة سيّده. بتعبير أوضح، يطلب السيّد من الخادم أن يقوم بعمله الخاصّ وهو الاهتمام بأهل بيته.

تكمن قوّة الخادم العاقل والأمين في تتميم إرادة معلّمه، ولن يتغيّر شيء في حال تأخّره. أمّا الخادم الشرِّير فهو يعيش انفصامًا بين حالته وإرادة سيّده من جهّة، وبين ما يحاول في قلبه وميوله، من جهّة أخرى. وهذا ما دفعه عند تأخّر سيّده، ليس فقط إلى عدم تقديم الطعام إلى أهل بيته، بل إلى التصرّف عكس ذلك تمامًا. إنّه يخاف سيّده في حضوره، أما كلمته فليس لها أي اعتبار في غيابه لأنّ وصيّة سيّده تصبح عبئًا عليه.

إنّ عودة السيّد لم تكن مفاجئة للخادم الأمين، لأنّه تمّم رغبة سيّده في أثناء غيابه، فإذا به ينال كلّ ما لسيّده عند عودته. لذا ساواه السيّد بنفسه وجعله يشاركه في كلّ شيء. في المقابل، إنّ عودة السيّد أربكت العبد الشرير، فكان نصيبه الهلاك مع المرائين. فالمرائي هو الذي يظهر بمظهر مغاير لحالته ولحقيقته، وإنّ ضربه لرفاقه أوصله إلى البكاء، وصريف الأسنان.

 

 

2ـ أمثولات روحيّة

  • في زمن الصَّليب، تضع الكنيسة المؤمنين أمام مسؤوليّة مصيرهم الأبديّ. والصَّليب في حياة يسوع يشكّل مرحلة العبور من الأرض إلى ملكوت الربّ. فالمسيح الحاضر في كلّ مسيحيّ، يدعوه ليعيش زمن الصَّليب هذا، ويمدّه بالنِّعم الإلهيّة الكافية لينتصر على كلّ محنة وتجربة. عندئذٍ تكون هذه المرحلة، مرحلة عبور إلى حياة أفضل.

 

  • من آمن بالمسيح لا يمكنه إلّا أن يجعل سلوكه في ضوء هذا الإيمان، بل عليه أن يقتدي بالمسيح ويسير سيرة الإنسان الصالح والصادق الذي أحبّه الرَّبّ وافتداه بدمه. فأين نحن اليوم وأين الكنيسة من هذه الحقيقة؟ هل تشهد حياة المسيحيِّين على إيمانهم، أم أنّ هناك فرقًا كبيرًا بين ما يقولون بأنّهم يؤمنون به، ونوعيّة الحياة التي يعيشون؟ إنّ المؤمن الحقيقيّ يعيش حياته في حالة شوقٍ وانتظار لعودة الرَّبّ.

 

  • وحده الوكيل الأمين المُخلص والصَّادق يتصرّف بحسب قلب سيّده ويقوم بالخدمة التي أوكلت إليه في المجتمع أو في الكنيسة، خير قيام. هذا الوكيل سيحظى حتمًا بالجزاء الحَسن لدى عودة سيّده. وبالتالي سيُقيمه سيّده على جميع أمواله، وكأنّه يقول له: "أنت معي في كلّ حين، وكلّ ما هو لي هو لك" (لو 15/ 31).

 

 

  • أمّا الوكيل الذي يستغلّ غياب سيّده، فنراه مستسلمًا لأهوائه وأنانيته، ومن الطبيعيّ أن يكون حسابه قاسيًا. فهو لا يستحقّ أن يبقى مع سيّده عند عودته، ويكون مصيره العزلة والازدراء.

فلنسعَ نحن الوكلاء على بيوتنا ومؤسَّساتنا ورعايانا، أن نرعاها بحسب إرادة يسوع، وأن نكون يقظين حاضرين للخدمة حتى لا نفاجأ بساعة مجيء المعلّم.

 

 

3ـ خلاصات عمليّة

  • الوكيل الأمين هو كلّ إنسان ذو سلطان دينيّ أو مدنيّ مفوّض من قِبَل الله أو الكنيسة ليُجري العدل والقضاء. قال يسوع لبيلاطس: "لو لم يُعطَ السّلطان من عَلُ، لما كان لك عليّ من سلطان". إنّه عبد الله الذي يعمل باسم الله وبالسّلطان الذي أعطي له. مثالنا على ذلك، هو المسيح الذي استخدم سلطانه من أجل خلاص البشر: طَرَد الشياطين، وشفى المرضى، وبشّر بسنة مُرضيّة للربّ، وأحبّنا بموته وقيامته. في المقابل، إنّ يسوع في تجربته مع الشيطان لم يستغلّ بنوّته الإلهيّة لمآرب خاصَّة، بل ظلّ أمينًا وطائعًا لإرادة أبيه.

 

  • يركّز مَثَل يسوع على الثقة التي أولاها السيّد لوكيله. إنّها ثقة قويّة وكاملة محرَّرَة من أيّ شرط، أو من أيّ مكافأة مسبقة. ومع هذه الثقة يُفسَح المجال واسعًا أمام الوكيل بسبب غياب سيّده وعدم تحديد وقت للعودة. وجاء هذا الغياب فرصة ضروريّة ليتصرّف الوكيل بملء المسؤوليّة تجاه من أوكله السيّد عليهم.

على صعيد إعادة الثقة في حياتنا العمليّة اليوميّة مع الأهل والأصدقاء والمعارف، يُطلب منّا التحلّي بفضائل ستّ: الاعتراف بالخطأ بكلّ شجاعة، الصدق والأمانة والحكمة، الإصغاء إلى كلام الآخرين، الصبر، تحمّل مسؤوليّة الخطأ، والتركيز على النيّة الصادقة.

 

  • المعروف عن المسيح، أنّه يكلّمنا بالأمثال لكي نفهم ونعمل. فهو يدعونا كي نبتعد عن الرذائل والسّير في طريق النّور، فنخلع إنسان آدم بكلِّ أعماله ونلبس إنسان يسوع بتجسّده وصليبه وقربانه وقيامته. بهذه الطريقة نصبح قابلين لتجدّد المتسمرّ كمشروع للنموّ الدائم في نوعيّة حياتنا المسيحيّة. هذا التجدّد المستمرّ للمعرفة، هو المحاولة الأكيدة للتشبّه بالمسيح، لأنّه "الإنسان الجديد".

 

  • التحلّي بالصدق، هو جوهر الفضائل المسيحيّة، كونه يعبّر بحقّ أنّنا تعرّينا من أعمال الإنسان العتيق. كما أنَّ الكذب وتزييف الحقائق هما من أكثر الرذائل خطورة، لأنّهما امتداد لخطايا الكلام والتواصل، التي بإمكانها أن تحطّم الوحدة وعلاقة بعضنا مع بعض.

بالإضافة إلى ما سبق، وحدها المحبّة تثبّت الأعضاء معًا وتوحّدهم وتحدث الإنسجام بينهم. ويُطلب من كلّ مسيحيّ أن يكون خبيرًا بالمحبّة، يعرف كيف يحبّ الآخرين ويخدمهم ويضحّي من أجلهم على مثال معلّمه الذي أتى ليَخدم لا ليُخدم.

 

 

صلاة

نشكرك يا ربّنا لأنّك بصليبك افتديتنا وخلّصتنا. أعطنا أن نحمل صليبك إلى مَن لم يعرفوك بعد، فنكون معًا أهلًا لملاقاتك في مجدك. آمين.

 

الأب يونان عبيد