يسوع يبتهج بالروح

 

يسوع يبتهج بالروح

(لو 10/ 21 ـ 24)

 

قال الرّبّ يسوع: "الحقّ الحقّ أقول لكم: إنّكم تبكون وتنوحون، أمّا العالم سيفرح. أنتم ستحزنون ولكن حزنكم سيتحوّل إلى فرح. المرأة تحزن وهي تلد، لأنّ ساعتها قد حانت. ولكنّها متى ولدت الطفل، لا تعود تذكر ضيقها، لفرحها أنّ إنسانًا ولد في العالم.

 

فأنتم الآن أيضًا تحزنون، إنّما سأعود فأراكم، وتفرح قلوبكم، ولا ينتزع أحدٌ فرحكم منكم. وفي ذلك اليوم لن تسألوني شيئًا. الحقّ الحقّ أقول لكم: كلّ ما تطلبونه من الآب باسمي، يعطيكم إيّاه. حتى الآن لم تطلبوا باسمي شيئًا. اطلبوا تنالوا فيكتمل فرحكم".

 

 

1ـ إطار النصّ

 

يبتهج يسوع ويتهلّل بالرُّوح القدس، أمام تلاميذه، وينشد نشيد غبطة وشكران، لأنّ الآب أظهر لهم سرّه من خلال الأطفال البسطاء، مستبعدًا الحكماء والفهماء.

 

يتفرّد لوقا (لو 10/ 21 ـ 24) ومتى (11/ 25 ـ 30) بسرد هذا النصّ المشابه لروحانيّة الإنجيل الرّابع، في ما يخصّ تسليم الآب ليسوع كلّ شيء، واستعمال كلمة "الابن" المطلق ليسوع، والمعرفة المتبادلة بين الآب والابن. هذا التقارب بين متى ولوقا ويوحنّا، هو شهادة لإيمان الجماعة الأولى بألوهيّة يسوع.

 

يقدّم لنا لوقا الإنجيليّ ثلاثة مشاهد

 

 الأوّل، يسوع يحدّث تلاميذه ويقول لهم: "لا تفرحوا بأنّ الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بأنّ أسماءكم مكتوبة في السماوات" (10/ 20).

 

 وفي الثاني، نرى يسوع يتوجّه إلى الآب، ويقول له: "أحمدك أيُّها الآب، يا ربّ السَّماء والأرض، لأنّك أظهرت للبسطاء ما أخفيته عن الحكماء والفهماء" (10/ 21).

 

وفي الثالث، يعود يسوع ويتوجّه مجدّدًا إلى تلاميذه قائلًا: "هنيئًا لمن يرى ما أنتم ترون".

 

لقد أراد يسوع أن يشرك تلاميذه في فرحه الذي يفوق الفرح الذي أختبروه، مع أنّه يختلف عنه.

 

 

2ـ شرح النصّ

 

قبل أن يتهلّل يسوع بالرّوح، كان التلاميذ ممتلئين فرحًا، ومبتهجين بالقدرة على تحرير الناس من الأرواح الشريرة، لكنّ يسوع نبّههم ألّا يفرحوا بالسلطان الذي نالوه، بل بالمحبّة التي يحظون بها وقال لهم: "إفرحوا بأنَّ أسماءكم مكتوبة في السّماوات". وما كانت خبرة التلاميذ سوى دافع وامتنان ليسوع.

 

فهم القدّيس لوقا هذا الفرح من منظار ثالوثيّ

 فيسوع "تهلّل بدافع من الرّوح القدس" ورفع الحمد والشكر للآب.

 

إنّها لحظة فرح داخليّ نابع من محبّة يسوع العميقة لأبيه، "ربّ السماء والأرض الذي أخفى هذه الأشياء عن الحكماء وكشفها للصغار". فالله كشف عن أسرار ملكوته، وأكّد عن سيادته الإلهيّة بيسوع. في المقابل أخفى كلّ هذه الأمور عن الممتلئين من أنفسهم والمدّعين أنّهم يعرفون كلّ شيء، ولا  يفسحون المجال لله. أمّا الصغار فهم المتواضعون والبسطاء المتعبون، الذين أحبّهم يسوع وطوّبهم.

 

إنّ كلمات يسوع: "نَعَم، أيّها الآب، هكذا كانت مشيئتك"، تُفهَم انطلاقًا من فرحه الداخليّ، حيث  تشير المشيئة إلى تدبير خلاصيّ ومحبّ أراده الآب للبشر.

 

 ما يعني أنّ يسوع تهلّل، لأنّ الآب  قرّر أن يحبّ البشر بالمقدار عينه الذي به يحبّ الابن، وبالتالي يذكّرنا الإنجيليّ لوقا بفرح مريم: "تعظّم نفسي الربّ".

 

الآب هو نبع الفرح، والابن هو ظهوره، والرّوح القدس محرّكه. وفي كلّ الأحوال، إنّ فرح التلاميذ العائدين من الرسالة، وتهلّل يسوع، هما فرح من أجل الخلاص الذي يتحقّق، لأنّ المحبّة التي بها أحبّ الآب الابن قد وصلت إلينا، وبواسطة الرّوح القدس تغمرنا، وتدخلنا في حياة الثالوث الأقدس.

 

3ـ أمثولات روحيّة

صلاة يسوع

 

 أكّد المعلّم لتلاميذه أنّ كلامه لم يسمعه أنبياء وملوك كثيرون. عندئذٍ ردّد هذه الصلاة:

 "سبحانك يا أبتاه يا سيّد السماء والأرض". إنّ هذه الصّلاة هي اعتراف لله الآب وشكرانه، لأنّه منح تلاميذه السلطان على قوى الشرّ وكتب أسماءهم في ملكوت السموات. هؤلاء التلاميذ هم الذين قبلوا بوداعة الأطفال، سرّ يسوع خلافًا لعلماء الشريعة الذين رفضوه ولم يؤمنوا به بسبب كبريائهم.

 

تَهلُّل يسوع

 هو مناجاة بنويّة تُرفع إلى الله الآب، الذي كشف ذلك للبسطاء أخفاه عن الحكماء. لذلك يقول بولس الرسول: "واختار الله ما يحتقره العالم ويزدريه ويظنّه لا شيء ليُزيل ما يظنّه العالم شيئًا، حتى لا يفتخر بشر أمام الله" (1 قور 1/ 28 ـ 29). لقد أكّد يسوع مرارًا كثيرة أنّه ابن الله، وأنّ كمال الوحي قد تمّ بشخصه وكلامه وأفعاله: "كلّ  شيء دُفع إليَّ من أبي ولا أحد يعرف مَن هو الآب إلّا الابن..."

 

 

تطويبة يسوع للعيون

كما ظهرت أعمال يسوع على يدّ التلاميذ الإثنين والسبعين من خلال اتّحاده بالآب، هكذا تظهر أعمال الله وقدرته في حياتنا.

 

وكما كان يسوع بحاجة إلى تلاميذه لكي ينشر ملكوته، هكذا هو الآب بحاجة إلى كلّ واحد منّا لكي يواصل عمله الخلاصيّ في تاريخ البشريّة. عندئذٍ تستحق عيوننا تهنئة يسوع، الذي يساعدنا على الانتصار في وجه قوى الشرّ.

 

"صلّوا ولا تملّوا"

 يقول كارل راهنر:

"الصلاة هي المكان الوحيد الذي فيه يكون الإنسان على اتصال شخصيّ بالله".

 

 فالصلاة المليئة بالحبّ والإيمان سرعان ما تصل بنا إلى الله، لأنّها تعبير عن الإيمان. هذا ما كان يسوع يطلبه في حالات الشفاء: "ماذا تريد أن أصنع لك؟".

 

من خلال صلاة يسوع للآب، نتأكّد أنّها عنصر أساسيّ من عناصر الحياة الروحيّة، وحديث خاصّ مع الله، نابع من صميم القلب. وفي هذه الحال تصبح الصّلاة وقتًا للشكر أكثر منه وقتًا للطلب.

 

 

4ـ خلاصات عمليّة

يدعونا يسوع من خلال نصّ اليوم، إلى التحلّي بالحكمة الروحيّة، التي تنبع من معرفتنا لحقيقة أنفسنا ومعرفتنا لله وعمل مشيئته في حياتنا. حينئذٍ نفكّر ونتصرّف بطريقة سليمة تتسمّ بمخافة الله ومحبَّته والعمل على مرضاته: "إذا كان أحد منكم تنقصه الحكمة، فليطلبها من الله ينلها، لأنّه يُعطي جميع الناس بلا حساب" (يع 1/ 5). من أجل هذا، على صلاتنا أن ترتفع من قلب إيماننا.

 

إنّ الحكمة تختلف عن المعرفة. كم من الأشخاص لديهم معرفة ولكنّهم لا يستخدمونها بصورة صحيحة، لأنّهم يفتقرون إلى الحكمة التي يهبها الرُّوح القدس.

 

إنّ الحكمة التي تأتينا من الله كهبة من الرّوح القدس، ليست للدهاء، أو المكر، إنّما هي لمعرفة حقيقة الأشياء كما هي في فكر الله، وما تتضمّنه من فطنة وتمييز روحيّ، وبساطة وديعة تليق بأبناء الله: "إنّ الحكمة النازلة من فوق هي ظاهرة، مسالمة، متسامحة، وديعة، تفيض رحمة وعملًا صالحًا. أمّا الحكمة التي لا تنزل من فوق، فهي حكمة دنيويّة بشريّة شيطانيّة" (يع 3/ 13 ـ 18).

 

 

"إنّ الخطر الكبير في عالمنا اليوم، مع عروض الاستهلاك المتعدّد الأوجه والسائد، هو تعاسة فرديّة تنبع من قلب يبحث عن ملذّات سطحيَّة ومن ضمير منعزل" (فرح الإنجيل عدد 2). لذا، على المؤمنين بالمسيح أن يسمحوا لمحبّته بأن تمتلكهم وتطبعهم، ليكونوا من حملة فرح الإنجيل، من خلال الثبات في الفرح، وإتمام مشيئة الربّ، والمشاركة في الإيمان والرجاء والمحبّة الإنجيليّة. وهكذا تصبح الكنيسة أمًّا لجميع الشعوب ورائدة في ولادة عالم جديد، يرضى عنه الربّ.

 

 

5ـ فحص ضمير

ـ هل نعرف أن عيش الفرح هو من المسلّمات الأساسيّة في الحياة المسيحيّة؟

 

ـ هل نستطيع أن نجرؤ على تطهير صلاتنا من العاطفة التي لا تخلو من حبّ الذات؟

 

ـ هل نحن من عداد البسطاء الذين يفهمون لغة الله؟

 

 

صلاة

أللّهمّ، يا من تُظهر ذاتك للوضعاء، دَعْنا نتواضع أمام عظمتك ونمضِ إليك ببساطة الأطفال. هبنا قوّة روحك لكي نستقي دومًا الحكمة من إنجيلك. ساعدنا كي نعيش معك في كلّ ما ينتابنا من شدائد. لك المجد إلى الأبد. آمين.

 

                                                     

                                                      الأب يونان عبيد