البيئة في تعليم الكنيسة

 

 

 

 

البيئة في تعليم الكنيسة

 

إرتباط البيئة بالإنسان

يُشدِّد البابا بنيدكتوس السادس عشر على وجود "عهد بين الكائن البشري والبيئة، يجب أن يعكس حبّ الله الخالق الذي منه نأتي وإليه نحن ذاهبون". ومن ناحية أُخرى، فالطريقة التي تُعامل بها البشريَّةُ البيئة تؤثِّر على الطريقة التي تعامل بها نفسها، والعكس صحيح.

هكذا تكون العلاقة بين الإنسان والطبيعة مرآة للعلاقات بين البشر.

عندما يُحتَرَمُ الآخر في كلِّ أبعاد شخصه كالحياة والكرامة، عندئذٍ تُحترَم البيئة أيضًا، وهذا لأنَّ "كتاب الطبيعة واحد" بحسب البابا فرنسيس، لا يحتوي فقط على البيئة بل أيضًا على "الحياة والجنسيَّة والزّواج والعائلة والعلاقات الإجتماعيَّة". فلا يمكن فصل البيئة والشخص والمجتمع عن بعضها البعض.

 

حاجة البيئة إلى الإنسان

لا تتطلَّب الطبيعة فقط حمايةً يقدِّمها الإنسان إنطلاقًا من الممارسة الشرعيَّة للخدمة المسؤولة، بل تحتاج أحيانًا إلى تدخّل الإنسان ليساعدها على النموّ بحسب جوهرها الذي أراده الله لها.

 مثلاً، هذا هو حال التدخّل الجيني العلاجي (المشروط بعدم تغيير الطبيعة أو إستغلالها أو تشويهها) الذي يعيد نموّ المخلوقات إلى مسارها الطبيعيّ. بالإضافة إلى ذلك لا تحتاج الطبيعة إلى التقنيّ والطبيب ورجل العلم فحسب بل إلى المؤمن أيضًا.

فبالنسبة إلى البابا يوحنّا بولس الثاني، إنَّ المؤمن هو راعي الوجود، أي أنّه هو الذي يقود كلّ الكائنات إلى الله. فالمخلوقات كلّها تحتاج إلى الوصول إلى الله، ولا تجد من يساعدها إلاّ المؤمن لأنَّ هذا الأخير يمكنه أن يرى الغاية التي من أجلها خُلِقَت. ويكمِّل البابا بنيدكتوس السادس عشر معتبرًا أنَّ غاية الخليقة هي أن تُصبح حديقة الله وبالتالي حديقة الإنسان، فبحسب مار بولس (روم 8/ 22)، إنّها وبسبب بُعد الإنسان عن الله تئنّ وتنتظر تجلّي أبناء الله لكي تبلغ تألّقها. ونجد مثلاً على ذلك في التاريخ: إنَّ الأرض التي تحيط بتلك الأديار التي عاد الرّوح القدس، روح النّور والحبِّ والقوَّة إلى قلوب رهبانها، إستقبلت عودة سطوع الرّوح إليها بهيئة النّور والإنسجام والقوَّة.

إنَّ مصير الكون الأخير هو في ملء الله وقد وصل إليه المسيح وأصبح هو نقطة بلوغه حيث يغمر كلّ شيء وينيره. من هنا دعوة الإنسان ألاّ يرى في نفسه الغاية الأخيرة للخليقة بل مرافقها وقائدها نحو خالقها.

 

حاجة الإنسان إلى البيئة

"للحياة البيولوجيَّة ولحياته كشخص"

صحيح أنَّ الإنسان مدعو إلى حماية الطبيعة بتقنيّاته المتقدِّمة ولكنَّها تؤمِّن له أيضًا ثمارها وتُطعِم شعوب العالم. والطبيعة تؤمِّن له أيضًا الصحّة وتؤثِّر عليها. وبالإضافة إلى كونها موردًا للإنسان، أرادَها الله له منزلاً. من هنا يجب أن يتعلَّم الإنسان التّوازُن بين التّعامُل مع البيئة كمورِد والتّعامل معها كمنزل.

لا يمكننا أن نستخفَّ بإعتبار البيئة منزلاً. فلقد شدَّد الفلاسفة المعاصرون كهايدغر وغابرييل مارسيل على أهميَّة فعل السَّكن والبيئة التي نسكن فيها. فالمنزل والبيئة ليسا مجرَّد مكان يعيش فيه الإنسان من دون أن يتأثَّر به. فالمنزل يشارك في بناء الإنسان من خلال إختباراته وذكرياته ووجدانه، خاصَّةً عندما يعرف هذا الإنسان أن يربط بيئته بالله وبإخوته البشر وبولادته وبموته وبمقاصده.

وتبرز أهميَّة البيئة في بناء الشّخص من خلال علاقتها مع عائلته بشكلٍ خاصّ. فإذا صحَّ أنَّ العائلة هي الموضع الأوَّل الذي فيه يُبنى الشّخص، صحَّ أيضًا ما يقوله البابا بنيدكتوس السادس عشر في أنَّ العائلة تحتاج "إلى منزل وإلى بيئة تساعدها على نسج علاقتها". من هنا، لا يمكننا أن ننظر إلى البيئة في علاقتها مع الفرد وحسب بل أوَّلاً في أهميَّتها من أجل تأمين البنية التحتيَّة المناسبة لنموّ شركة الأشخاص، بدءًا من العائلة وصولاً إلى العائلة البشريَّة برمَّتها. من هنا أيضًا وصيَّة البابا بنديكتوس السادس عشر في أنَّ العائلة البشريَّة تحتاج إلى الأرض كمنزل، "وقد وهبنا إيّاها الله لنسكنها بإبداع ومسؤوليَّة".

 

بالإضافة إلى الحاجة للغذاء والصحَّة والإيواء، يحتاج الإنسان إلى سلام يساهم فيه حسن إدارة الموارد البيئيَّة.

 عندما يحسن الإنسان إلى الطبيعة يشعر أنَّ الله يعتني به من خلالها، وعندما يحسن إدارة مواردها يتفادى الحروب. "فالإختبار يُظهر أنَّ أيَّ موقف لا يحترم البيئة يؤذي التعايش البشري، والعكس صحيح". على سبيل المثال، هناك بُلدان إزدادت حاجتها إلى الطاقة بسبب نمطها الإستهلاكي الذي يستدعي إزدياد الصّناعة، أمّا بلدان أُخرى فتبقى في الفقر إذ إنّه لا يمكنها أن تنمو بسبب غلاء النّفط، ولا يمكنها أن تبحث عن مصادر طاقة قابلة لإعادة التَّدوير. هذا النّوع من الإنماء غير المتكامل "ينتهي بتحفيذ القدرات التدميريَّة للإنسان".

 

من أجل علاقته مع الله

يمكننا التأمُّل بعظمة الخالق وجماله من خلال عظمة المخلوقات وجمالها، ولكنَّ الطبيعة تعكس أيضًا حكمته. فمن خلال شرائعها التي يفهمها العقل، تسمح البيئة للإنسان بأن يستشفَّ شيئًا من الرّوح الخالق وتدعو إلى الرَّهبة.

بالإضافة إلى ذلك، تعبِّر الطبيعة للإنسان عن تصميم للحبّ والحقيقة. وَهَبَنا الله إيّاها لتوجيه حياتنا وللتعبير عن حبِّه. يقول البابا فرنسيس في هذا الإطار: "كلّ شيءٍ، التّراب، المياه، الجبال، وكأنّه ملامسة من لله". تتَّخِذ بعض الأماكن معنًى شخصيًّا حيث يختبر الإنسان أحداثًا مع الله تُحفر في ذاكرة تاريخ صداقتهما، فيتحسَّن ويستعيد ذاته الحقيقيَّة كلَّما زارها أو تذكّرها. والطبيعة تحمل لنا تعليمًا ورسالة من الله، تدعونا إلى التأمُّل في مدى علاقتنا بالخليقة وفي كيفيَّة إكتشاف قداستنا من خلال مشاهدة قداسة العالم.

ولكنَّ ما يسمح لنا بمشاهدة صلاح الله في الطبيعة هو تأمُّل الخليقة كلّها وليس الإنحصار في جزئها. فيتبيَّن صلاح الخليقة في تكاملها، لأنَّ الجزء يبقى ناقصًا ويعبِّر عن الصّلاح بصورة غير كافية. ولكن على الرّغم من ذلك يجب القول أنَّ الخليقة كلّها بقدر صلاحها في تكاملها، وإن عكست صلاح الخالق بصورة أفضل، تبقى بعيدة بصورة لامتناهية عن تمثيل الصّلاح الإلهي الذي لا يُسبَر غوره.

ومع ذلك، كلّ ما هو موجود في الطبيعة هو علامة لحضور الله، فهي حاضرة في الله وهو حاضرٌ فيها. يتَّضح ذلك في الإختبار الصوفيّ كما يتَّضح للشّخص الذي تعمل في قلبه نعمةُ الله.

ولكنَّ الله لا يكتفي بجعل الخلائق الطبيعيَّة ومنتوجاتها علامات أسراريَّة وصوفيَّة تحدَّث عنه وتجعل الإنسان يلتقي به، بل يتَّخذها ويرفعها جاعلاً منها وسيلةً تنقل إلى الإنسان الحياة ما فوق الطبيعة، أي حياة المسيح، الكلمة المتجسِّد، والتي تجد فيه الخليقة الطبيعيَّة حقيقتها.

من هنا تبرز أيضًا أهميَّة جسدانيَّة الإنسان في الفعل اللّيتورجي كهيكل للرّوح القدس المُتَّحِد بجسد المسيح. ويجد الخلق قمَّته بشكلٍ خاصّ في الإفخارستيّا حيث نكتشف في هذا السرّ العظيم حركتين، حركة الربّ الآتي إلى عالمنا وحركة العالم الذاهب إلى الله في "عبادة مباركة وغير منقسمة". إنّها الخليقة المندفعة نحو التألُّه والإتّحاد العرسيّ مع الخالق. إنَّ إرتقاءَ الخليقة إلى هذه الدّرجة هو أمرٌ ممكن لأنّها تحتوي في جذورها على لغة العطيَّة الأصليَّة التي سيتكلَّم بها المسيح في جسده، إنّها لغة التجانُس والشّركة والحبّ.

 

البيئة المتكاملة

لم يحصر تعليم الكنيسة الوصف البيئي بالطبيعة. ففي جذور كلمة ecology هناك كلمة eco المشتقَّة من اليونانيَّة eikos والتي تعني "بيت". فليست الطبيعة وحدها منزلاً للإنسان بل، وبحسب تعليم الباباوات، يتضمَّن هذا المنزل أيضًا الثقافة والإقتصاد والمجتمع. لذلك يشمل الإهتمامُ ببيئة الإنسان العناية بالثقافات  والمجتمعات أيضًا وخاصَّةً تلك التي تسير نحو الإندثار. لا بل تعتبر البابا فرنسيس أنَّ إندثار ثقافةٍ ما أفظع من إختفاء جنس حيواني.

ويلقي البابا فرنسيس الضّوءَ على ما يُسمَّى بيئة الحياة اليوميَّة، وهي بيئة تؤثِّر على طريقة تصرّفاتنا، وفي الوقت عينه نستخدمها للتعبير عن هويّتنا.

قد نكون محاطين بالبشاعة والفوضى والضحيَّة فيتعكَّر مزاجنا، ولكن مع إبداع الإنسان وكرمه يمكن أن يُعوَّض عن تدنّي بيئة كهذه تُشبه الجحيم بقدر ما تُنسَج علاقات صداقة دافئة، وتُخلق جماعات تضامُن وإنتماء تؤمِّن الجوَّ المناسب للعيش بكرامة. لذلك يدعو البابا إلى نقل التّركيز من الجمال التخطيطي إلى تخطيط هندسيّ مدنيّ يُحفِّز على نوعيَّة حياة أفضل وعلى لقاء الإنسان بأخيه المواطن، فيؤمِّن أماكن عامَّة ووسائل نقل مشترك مناسبة لها ومنازِل لائقة للسَّكن.

وأخيرًا يؤكِّد البابا فرنسيس على ما سمّاه البابا الطوباوي بولس السادس "البيئة الإنسانيَّة" (وهو تعبير إستعمله علماء الإجتماع في بداية العشرينات ليعبِّروا عن المجتمعات وعن علاقات الإنسان الإجتماعيَّة وعن حاجتها إلى العناية). وقد تكلَّم عنها أيضًا البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني على أنّها العناية بالعلاقات البشريَّة التي تفترض إحترام الهيكليَّة الأخلاقيَّة والطبيعيَّة التي تتميَّز بها.

ويُحدِّدُها بصورة أوسع البابا بنيدكتوس السادس عشر على أنّها الإهتمام بالتعايش الإنساني وحسن التعامُل مع ما يؤسِّس لعلاقة الإنسان مع البيئة ومع ما يسمح بأن تكون للإنسان بيئته الخاصَّة: إنّنا نتكلَّم عن الجسد وخاصَّةً عن طبيعته وشرائعه، هذا الجسد الذي، عبر حواسِّه يجعل الإنسان منفتحًا على الطبيعة وعلى الآخر. فالإنسان مدعو إلى أن يقتبل جسده من خالقه بإمتنان وإلى أن يتقبَّله ويعتني به ويحترم معانيه في ذكوريَّتِه أو في أنوثته. عندما نقبل جسدنا كعطيَّة يُمكننا أن نقبل الآخر أيضًا كعطيَّة وإذّاك ينمو فينا حسّ الإعتناء به.

هكذا إذًا، فالبيئة المتكاملة تتضمَّن أيضًا بُعدًا أخلاقيًّا يهتمّ بجسدانيَّة الإنسان ومنزله وحياته اليوميَّة والمدنيَّة وثقافته وإقتصاده. هذا يعني أنّه لا يمكن للبيئة المتكاملة أن تتحقَّق إلاّ عبر الخير المشترك الذي يشمل العدالة الإجتماعيَّة ويفوقها، لأنّه يؤمِّن للمجتمع مساعدة كلّ شخص ينتمي إليه على العيش.

وأخيرًا لا يمكن لمن يريد أن يؤمِّن بيئة متكاملة للإنسان أن ينسى الأجيال القادمة التي لديها حقّ العيش في منزل لائق وكريم. نحن مسؤولون عن كيفيَّة توليد الأجيال القادمة وعمّا سنترك لها من إرث. فأبسط ما يكون أن نسلِّمها عطيَّة البيئة التي تسلّمناها بصورة، وإن لم تكن الأفضل، فهي على الأقلّ مناسبة لكرامتها ولنموِّها ولاستمراريَّتها كأشخاص في طور التّحقيق.

 

المشكلة البيئيَّة

يعود التنبُّه إلى المشكلة البيئيَّة إلى البابا بولس السادس الذي رأى الخطر يدقّ على باب البيئة الماديَّة والبشريَّة على حدّ سواء. فبالنسبة إليه إنقلب إستغلال البيئة على الإنسان نفسه الذي فقد السَّيطرة عليها وعلى حياته الإجتماعيَّة. فبما أنَّ الكلَّ في تكامُل، من الطبيعي أن يؤدّي إهمال إحترام البيئة إلى خطر على الإنسان الذي يعتمد عليها من جميع النّواحي، البيولوجيَّة والنفسيَّة والإجتماعيَّة والثقافيَّة والإقتصاديَّة والدينيَّة.

وكما ذكرنا أعلاه، يقول يوحنّا بولس الثاني إنَّ وراء إستغلال البيئة والمشاكل الناتجة منها (كالهجرة والمجاعات والحروب بسبب التنازُع على الموارد الطبيعيَّة التي تتقلَّص تدريجيًّا) ليس الفقر في الدّرجة الأولى، بل قبل كلِّ شيء، لقد أدَّى إنحرافٌ أخلاقيٌّ إلى خطأ أنتروبولوجيّ.

فالمسألة البيئيَّة تُرافقها العقليَّة الإستهلاكيَّة التي بحسبها ينحرف الإنسان عن جوهر وجودِه وعمّا ينميه ويدخل في سيادة المُلك واللّذّة، فتجعل هذه العقليَّة الإنسان يستهلك موارد الأرض وحياته (البيئة الإنسانيَّة) على حدِّ سواء بإفراط وبغير إنتظام.

 

 فالخطأ الأنتروبولوجي الكامن وراء تدمير البيئة والذي تدفع إليه العقليَّة الإمتلاكيَّة هو التالي: "الإنسان الذي يكتشف قدرته على تحويل العالم وخلقه من خلال عمله ينسى أنَّ هذه القدرة وهذا العمل يتأسَّسان على عطيَّة الله الأصليَّة لكلِّ ما هو موجود". إنَّ هوس الإنسان في الإستهلاك وفي قدرته الخاصَّة تجعله ينسى أنَّ الأرض تنال "متطلِّباتها الخاصَّة وغاياتها الخاصَّة من الله"، وإنّه (أي الإنسان) مدعو إلى أن "ينمِّيَها بدلاً من أن يخونها".

 

 فعندما يضع الإنسان نفسه مكان الله يتحوَّل من مدبِّرٍ ومعاونٍ لله في الخلق إلى طاغٍ يُخضع الأرض لإرادته مستغلاًّ إيّاها بصورة إعتباطيَّة. وهذا يؤدّي إلى المَسِّ بقدرة "البيئة الإستقلاليَّة" (capacité hospitalière) للإنسان ولباقي الكائنات الحيَّة.

 

قد تُؤدِّي هذه المشكلة البيئيَّة إلى ردَّة فعلٍ معاكسة تحمل خطأ أنتروبولوجيّا آخر وهو حذف الفارق الأنطولوجي والقيميّ بين الإنسان والطبيعة، ممّا يؤول إلى مركزيَّة البيولوجيا أو البيئة (bioventrism أو ecocentrism). في هذه العقليَّة يُنسى إرتقاء الإنسان فوق الطبيعة، فيتمركز الإهتمام بالطبيعة نفسها أو بالعالم البيولوجي نفسه ويُسمَح بالتضحية بالحياة البشريَّة شرط الحفاظ على الطبيعة. تُروِّج المؤسَّسات التي تتبنَّى هذه العقليَّة إلى تخفيض النَّسل بشتَّى الوسائل حتّى وإن أدَّى ذلك إلى قتل حياة بريئة في حشا أمها، بسبب الإعتقاد الخاطئ أنَّ الإكتظاظ السكّاني مُضرّ بالبيئة وأنَّ الإنسان هو آفة على البيئة.

ويضيف البابا بنيدكتوس إنَّ إستغلال البيئة ونقيض ذلك أي إعتبارها محرَّمة (tabou) قد ينجُمان عن إيديولوجيَّة علميَّة تعتبر الطبيعة والإنسان نتيجة المصادفة البحت أو الحتميَّة التطوريَّة. أمّا الإستغلال فيحصل جرّاء إضمحلال حسّ المسؤوليَّة الذي يتحلَّى به المؤمن الواعي على قدسيَّة الطبيعة وعلى دعوة الله للإنسان لحراثتها وحراستها. أمّا التّحريم فيتأتَّى من إعتبار أنَّ الطبيعة هي أصل الإنسان وبالتالي تبقى أهمّ منه، وهو يبقى جنسًا بين باقي الأجناس غير المعدودة والتي بإمكانها أن تنقرض، ويمكن للطبيعة أن تستمرَّ من دونه في مجرى التطوُّر.

ويضيف البابا فرنسيس إنَّ مصنوعات التكنولوجيا بحدِّ ذاتها تؤثِّر على الإنسان وتفرض عليه إطارًا يُحوِّل أسلوب حياته وتكوينه الإجتماعي. وتستفيد بعضُ الأطراف القويَّة من هذه القدرة على التأثير إنطلاقًا من مصالحها، وتتلاعب بالحياة الإجتماعيَّة، فتضعف مقدرة الأشخاص على إتّخاذ قراراتهم النوعيَّة.

من الناحية الأخرى، وعى البعض أنّه لا يمكن للتكنولوجيا أن تقترن بمستقبلٍ سعيد وبتقدُّم التاريخ والإنسان كما رَوَّجَت الماركسيَّة. فبالنسبة إلى البابا فرنسيس يمكن أن تقودنا التكنولوجيا إلى السّطحيَّة فنجد أنّه من الصَّعب أن نتوقَّف لنستعيد العمق في حياتنا. ويُضيف البابا فرنسيس أنَّ الأمرَ مُرتبط أيضًا بعلاقة الإنسان بأخيه. فمن الصّعب أن يلتفت إلى ألم الطبيعة من لا يلاحظ قيمة الفقير والمعوَّق والجنين.

 

بالإضافة إلى ذلك، يُشير البابا فرنسيس إلى أنَّ ثقافة النسبيَّة تلعب دورًا في تدمير البيئة. فحين يخلو الفكر من الحقائق الموضوعيَّة والشّاملة، لا يعود المرء يعمل إلاّ من خلال شعورِه ونزواته فيُشرِّع ما هو غير أخلاقي كإستغلال الأولاد جنسيًّا والتخلّي عن المسنّين، والتجارة بالإنسان وبالمخدّرات وبالأعضاء وبفرو الحيوانات التي هي على وشك الإنقراض، والجريمة المنظَّمة، والتخلُّص من الأطفال غير المرغوب بهم. كلّ هذه المسائل مرتبطة بالنَّزوة الإستهلاكيَّة نفسها التي تزيد في النهاية من إنتاج النّفايات. وأيضًا يمكن للثَّقافة بحدِّ ذاتها أن تُفسَد فترى الحقيقة الموضوعيَّة والمبادئ الشاملة شيئًا مفروضًا بمزاجيَّة أو عراقيل يجب تجنُّبِها.

 

الخوري يوسف أبي زيد