الخلاص بيسوع المسيح

 

الخلاص بيسوع المسيح

 

الخلاص بيسوع المسيح

 

لقد انحنى الله على البشر عندما أخذ ترابًا وجبَله وخلق الإنسان، ثمّ انحنى عليهم عندما كلـَّمهم بواسطة أنبيائه، ولمَّا بلغ ملء الزَّمان إنحنى عليهم في شخص ابنه يسوع المسيح الذي جاء مُخلـِّصًا للإنسان في شخصه وحياته وموته وقيامته.

 

1- يسوع المسيح خلـَّصنا بتجسّده

" إنـِّي أُبشِّركم بفرح عظيم يكون لجميع الشَّعب: اليوم، في مدينة داود، وُلِد لكم مخلـِّص، هو المسيح الرَّبّ" (لوقا 2: 10، 11). تلك هي الكلمات التي وضعها لوقا على لسان الملائكة في روايته لتبشيرهم الرُّعاة بميلاد يسوع. هكذا يعرِّف لوقا المولود الجديد: إنـَّه "المخلـِّص"، وهذا معنى اسمه. فلفظة "يسوع" تعني بالعبريَّة "الله يخلـِّص" وهذا ما جاء أيضًا في إنجيل متى الذي يروي بشارة الملاك ليوسف بميلاد يسوع: "يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ امرأتك مريم، فإنَّ الذي حُبلَ به فيها إنـَّما هو من الرُّوح القدس. وستلد ابنـًا فتسمِّيه يسوع، لأنـَّهُ هو الذي يخلـِّص شعبه من خطاياهم".

لم يُولد يسوع كما يولد سائر النّاس من رجل وامرأة، بل "وُلِد من الرُّوح القدس ومن مريم العذراء"، كما نقول في قانون الإيمان. وهذا يعني أنـَّه في عمق كيانه حضورُ الله على الأرض. إنـَّه "عمَّانوئيل"، أي "الله معنا"، فليس هو إنسانـًا وحسب، وليس الخلاص الذي جاءنا به من إنسان. فالله نفسه هو الذي أتى إلينا في شخص يسوع، والله نفسه هو الذي خلـَّصنا في شخص يسوع.

في هذا يقول إنجيل يوحنّا: "الكلمة صار جسدًا وسكن في ما بيننا، وقد شاهدنا مجده، مجدًا من الآب لابنه الوحيد المُمتلئ نعمة وحقـًّا... أجَل، من امتلائه نحن كلـُّنا قد أخذنا، ونعمة فوق نعمة. فإنَّ الناموس قد أُعطِي بموسى، وأمَّا النعمة والحقّ فبيسوع المسيح قد حصَلا" (يو1: 14، 16، 17). والنعمة والحقّ في إنجيل يوحنّا مرادفان للخلاص.

إنَّ خلاص الله قد بدأ يتحقـَّق للبشريَّة بتجسّد كلمة الله في أحشاء مريم العذراء. قد نسمع أحيانـًا بعض اللاَّهوتيِّين والوعَّاظ، في حديثهم عن الفداء والخلاص، يحصرون الفداء والخلاص في موت المسيح. إنـَّها نظرة ضيِّقة لسرّ الخلاص. لقد كان لآباء الكنيسة الأولى نظرة أوسع وأشمل للخلاص، إذ رأوا علاقة وطيدة بين الخلاص والتجسُّد، كما جاء مثلاً في إحدى عظات القدِّيس كيرلـّس الإسكندري: "منذ أن اتـَّخذ الكلمة جسدًا، إنطفأ في الجسد سمّ الحيَّة، وقوَّة الشرّ أُزيلت منه، وقُضِيَ على الموت الذي نتج من الخطيئة... لقد أخذ الكلمة جسدًا مخلوقـًا ومائتـًا، وبما أنـَّه الخالق جدَّده وألـَّهه في ذاته، ليقودنا جميعًا على مثاله إلى ملكوت السَّماوات".   

بتجسّد الكلمة في أحشاء امرأة، بظهور يسوع المسيح ابن الله في الجسد، ظهر في البشريَّة الإنسان الجديد الذي لا نقص فيه ولا اعوجاج، لا ضياع ولا تغرُّب، لا ذنب ولا خطيئة. بتجسّد الكلمة حصلت الطبيعة البشريَّة على الخلاص واتّحدت بشخص ابن الله القدّوس، "فتجدَّدت وتألـَّهت". في شخص يسوع المسيح وُجدَت طبيعة بشريَّة خالصة كاملة، فإنَّ خلاص الإنسان هو قبل كلّ شيء خلاص كيانيّ. وهذا الخلاص يتمّ باتّحاده في كيان المسيح، الإنسان الجديد، الإنسان المتـَّحد بالله اتـِّحادًا جوهريًّا.

 

2- يسوع المسيح خلـَّصنا بأعماله

إنَّ يسوع الذي هو المخلـِّص في كيانه قد حقـَّق لنا هذا الخلاص في أعماله. يروي لوقا أنَّ يسوع دخل المجمع يوم سبت وقام ليقرأ، "فدُفِع إليه سفر أشعيا النبيّ ؛ فلمَّا نشر السِّفر وقع على الموضع المكتوب فيه: "روح الرَّبّ عليّ، لأنـَّه مسحني لأُبشِّر المساكين، وأرسلني لأُنادي للمأسورين بالتخلية، وللعميان بالبصر، وأطلق المرهقين أحرارًا، وأعلن سنة نعمة للرَّبّ". ثمّ طوى السِّفر، ودفعه إلى الخادم، وجلس. وكانت عيون الذين في المجمع شاخصة إليه بأجمعها. فشرع يقول لهم: "اليوم تمَّت هذه الكتابة التي تُلِيَت على مسامعكم". وكانوا جميعًا يشهدون له، ويُعجبون بكلام النعمة الخارج مِن فيه" (لو4: 14- 22).

كان اليهود يحتفلون كلّ خمسين سنة بسنة يوبيل يُريحون في أثنائها الأرض ويُطلِقون الأسرى ويُحرِّرون العبيد. لقد كانت تلك السَّنة سنة نعمة للرَّبّ. وبمجيء المسيح أصبحت سنة النعمة هذه سنة دائمة، لأنَّ المسيح هو نعمة الله التي انسكبت على جميع البشر ولا سيَّما على الفقراء والمُرهقين والخطأة.

يعيش الإنسان في القلق والعبوديَّة والخوف عندما تسيطر عليه مخاطر من ذاته، من شهواته وأمياله، فيسقط في الخطيئة ويصبح عبدًا لها، وبالتالي في حاجة إلى مَنْ يُخلـِّصه من خطيئته؛ ومخاطر من المُجتمع، عندما يُدرك أنَّ المجتمع يرذله ويحتقره ويستعبده، فيُمسي في حاجة إلى مَنْ يُنقذهُ من قيود المجتمع، ومخاطر من الطبيعة والكون، كالأمراض والمصائب والموت.

 

ولقد جاء المسيح مُخلـِّصًا للإنسان يُنقذه ويحرِّره من سَطوة تلك المخاطر: جاء يغفر الخطايا ويُظهر للخطأة أنَّ محبَّة الله أعظم من خطاياهم، وجاء يظهر بأقواله وأعماله أنَّ الخطأة والغرباء والفقراء هم أقرب إلى قلب الله من الفرِّيسيِّين والمُتسلـِّطين والأغنياء، ويؤكّد أنَّ محبَّة الله تشمل جميع الناس على السَّواء، وجاء يشفي المَرضى ويُنهض المُخلـَّعين ويُقيم الموتى، مُظهرًا أنَّ محبَّة الله أقوى من مخاطر المرض والموت.

 

ألمحبَّة وحدها هي التي تخلـِّص الإنسان في جميع أبعاده: في ذاته وفي علاقته بالآخرين وفي ارتباطه بالحياة والكون. وقد أظهر لنا يسوع في حياته وأعماله عُمق تلك المحبَّة التي ليست محبَّة الإنسان لآخَر بل محبَّة الله نفسه التي تنسكب على جميع الناس فتُحيي نفوسهم وتُخلـِّصهم من عبوديَّتهم.

 

2- يسوع المسيح خلـَّصنا بموته

" ليس لأحد حبٌّ أعظم من أن يبذل الحياة عن أصدقائه" (يو15: 13). لقد خلـَّصنا يسوع في حياته عندما أظهر لنا بأقواله وأعماله وفرة محبَّة الله. وقد ظهرت تلك المحبَّة في أقصى حدودها في موت يسوع. لذلك ترى المسيحيَّة في موت يسوع قمَّة عمله الخلاصيّ.

 

أ- بقي يسوع أمينـًا لرسالته حتى الموت: مات موت الأنبياء

لم يُرد يسوع الموت لأجل الموت ولا العذاب لأجل العذاب، فالعذاب يبقى شكـًّا وجنونـًا. ويسوع، في بستان الزَّيتون، حيال الموت الذي كان يتوقعه، "طفِقَ يحزن ويكتئب" (متى 26: 37)، " وصار عرقه كقطرات دمٍ نازلةٍ على الأرض" (لوقا 22: 44)، وراح يُصلـِّي: "يا أبتاه! إنْ شئتَ فأجِزْ عني هذه الكأس! ولكن، لا تكن مشيئتي بل مشيئتك" (لوقا 22: 42).

 

لم يُرد يسوع الموت والعذاب، إلاَّ أنّه لم يتهرَّب منهما ولم يتراجع أمامهما بل بقي أمينـًا لرسالته حتّى الموت. لقد أظهر في تعاليمه وأعماله محبَّة الله لجميع النّاس على السَّواء وخلـَّص الإنسان من استعبادِ الخطيئة ومن تعاليم الفرِّيسيِّين المبنيَّة على تفسير حرفيّ للناموس، فأثار بذلك حقد الفرِّيسيِّين والكتبة وحنق رؤساء الكهنة والشُّيوخ الذين رأوا في تعاليمه خطرًا على الناموس وفي أعماله ومعجزاتِه خطرًا على سُلطتهم، فعقدوا العزم على قتله وقبضوا عليه. وإذ كانت اليهوديَّة ولاية خاضعة للإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة، وكانت رومة قد حرمت المحاكم اليهوديَّة حقّ الحكم بالإعدام، أسلموه إلى بيلاطس الوالي الرُّوماني وطلبوا منه أن يحكم عليه بالموت بحجَّة أنّه جعل نفسه "ملك اليهود" وأنّه "يفتن الشَّعب": لقد وجدْنا هذا الرَّجل يثير أمَّتنا، ويمنع من أداء الجزية لقيصر، ويدَّعي أنّه المسيح الملك" (لوقا 23: 2). لم يقتنع بيلاطس باتـِّهاماتهم وشِكاياتهم، بل "كان يعلم أنّهم قد أسلموه عن حسد" (متى 27: 18؛ مر15: 10). وأراد أن يُطلِقه، إلاَّ أنَّ اليهود هدَّدوهُ قائلين: "إن أنت أطلقته، فلستَ موالِيًا لقيصر، لأنَّ كلَّ مَنْ يجعل نفسه ملِكـًا يقاوم قيصر" (يو19: 12).     

وهيَّج رؤساء الكهنة الشَّعب للمُطالبة بصلب يسوع. "وشاء بيلاطس أن يُرضي الجميع... فأسلم إليهم يسوع، بعد أن جَلدَه، ليُصلب"(مر15: 15).

 

لقد كان بإمكان يسوع تجنـُّب الموت بالهرب من اليهود الذين كانوا يطلبون قتله، أو بالتوقف عن التّعليم. إلاَّ أنّه لم يُرد التراجع أمام تطلـّبات رسالته. وعندما سأله بيلاطس في أثناء محاكمته: "أنت إذًا ملك؟"، أجابه: "أنت قلت، إني ملك، لقد وُلِدتُ وجئتُ إلى العالم لأجل هذا: أن أشهد للحقّ. وكلّ مَنْ هو للحقّ يسمع صوتي"( يو18: 37). جاء يسوع ليشهد للحقّ وبقي أمينـًا لرسالته حتّى الموت. لم يتـّبع منطق ملوك العالم ونهجهم: "إنَّ مملكتي ليست من هذا العالم. فلو كانت مملكتي من هذا العالم لكان رجالي يقاتلون عنّي فلا أُسلـَم إلى اليهود. ولكن، لا، إنَّ مملكتي ليست من هذا العالم" (يو 18: 36).

 

وعندما قبض اليهود على يسوع في بستان الزيتون، وأراد بطرس أن يدافع عنه بالسَّبيل الذي يلجأ إليه معظم النّاس، أي بالسَّيف والقتل، قال له المعلـِّم: "رُدّ سيفك إلى موضعه، لأنَّ جميع الذين يأخذون السَّيف يهلكون بالسَّيف. أوَ تظنّ أنّي لا أستطيع أن أسأل أبي فيقيم لي، في الحال، ما يُنيف على اثنتي عشرة كتيبة من الملائكة... فكيف إذًا تتمّ الكتب القائلة: إنَّ هذا ما ينبغي أن يكون؟" (متى 26: 52- 54).

 

إنَّ النهج الذي اتـَّبعه يسوع في تعليمه وفي أعماله كان لا بُدَّ أن يقوده إلى الموت. فالظلم لا يحتمل قوَّة العدل، والباطل لا يصبر على تحدِّي الحقّ. هذا ما تُعبِّر عنه مُختلف أسفار العهد الجديد عندما تُظهر موت يسوع أمرًا ضروريّاً. فيسوع أنبأ تلاميذه ثلاث مرَّات قبل آلامه "أنّه ينبغي لابن البشر أن يتألـَّم كثيرًا، وأن ينبذه الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وأن يُقتل ويقوم بعد ثلاثة أيَّام" (مر8: 31، 32). ولدى ظهوره لتلميذَي عمَّاوس اللذين كانا مُنذهلين من موته، قال لهما: "ما أقصر أبصاركما، وما أبطأ قلوبكما في الإيمان بكلّ ما نطقت به الأنبياء، أما كان ينبغي للمسيح أن يكابد هذه الآلام ويدخل في مجده؟" (لو24: 25، 26).

 

لم يكن موت يسوع على الصَّليب أمرًا محتومًا، إنّه لم يأتِ ليموت على الصَّليب ويُحقـِّق تصميمًا إلهيًّا حدَّده له الآب بمعزلٍ عن إرادته، بل جاء ليجمع أبناء أورشليم "كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها" (متى 23: 37). إلاَّ أنَّ أبناء أورشليم "قاتلة الأنبياء وراجمة المُرسلين إليها... لم يُريدوا"، بل قبضوا عليه وأسلموه للموت. إنَّ ما اعتبره يسوع أمرًا ضروريًّا ورأى فيه مشيئة الله، كما قال في صلاته في بستان الزيتون "يا أبتاه، إن شئت فأجِز عني هذه الكأس! ولكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك" (لو22: 42)، هو مجابهة عالم الخطيئة والشهادة للحقّ. وهذا ما بقي أمينـًا له حتّى الموت.

 

على هذا الصَّعيد يشبه موت يسوع موت سائر الأنبياء والمُرسلين الذي استشهدوا للدّفاع عن الحقّ. لكنّ يسوع "أعظم من نبيّ" (متى 12: 41، 42). إنّه المسيح. لذلك كان لموته، إلى جانب معنى الشّهادة، معنى آخر هو معنى الفداء.

 

ب- يسوع هو المسيح الذي افتدانا بموته عن الخطيئة  (يسوع غفر لقاتليه)

كان الشَّعب اليهوديّ ينتظر مجيء مسيح ملك يخلـِّصه من عبوديَّته ويحرِّره من سيطرة الرُّومان ويعيد مملكة داود، مُنشئاً مملكة دنيويَّة كسائر الممالك مبنيَّة على القوَّة والسِّيادة. لذلك رفض الإعتراف بأنَّ يسوع هو المسيح المنتظر. ولقد حقـَّق يسوع رغبة الأجيال السَّابقة ونبوءات الأنبياء، وجاء ليخلـِّص الإنسان ويحرِّر الشَّعب، لكنـَّه رفض تحقيق ذلك باللّجوء إلى طرق ملوَّثة بالخطيئة، لأنَّ الخطيئة لا تزيلها خطيئة أخرى: فالحقد لا يزيله الحقد، والإثم لا يمحيه الإثم، والقتل لا يُبطله القتل. المحبَّة وحدها تستطيع أن تُزيل الحقد، والمغفرة وحدها تستطيع أن تمحي الإثم، والموت في سبيل القاتل يستطيع وحده أن يُبطل القتل. لقد استطاع الحقد أن يعلـِّق يسوع على الصَّليب، ولكنـَّه وقف عاجزًا أمام المغفرة التي منحها يسوع لصالبيه: "يا أبتاه! إغفر لهم، لأنـَّهم لا يدرون ما يعملون".

 

أوصى يسوع تلاميذه بأن تكون محبَّة الأعداء العلامة المميَّزة لهم، لأنـَّها العلامة المميَّزة للآب السَّماوي: "أحبُّوا أعداءكم، وصلـُّوا لأجل الذين يضطهدونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السَّماوات، فإنه يُطلِع شمسه على الأشرار والصَّالحين، ويُمطر على الأبرار والأثمة"، تلك المحبَّة التي تقوم، لا على إقامة الحواجز وتدمير الآخرين بحجَّة أنهم أعداء وأثمة، بل على رفع كلّ حاجز يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، والإنسان عن الله، قد حقـَّقها يسوع في حياته، عندما غفر للخطأة، وحقـَّـقها إلى أقصى حدّ في موته عندما غفر لقاتليه. 

إنَّ مَنْ يرفض الدُّخول في مسلسل القتل والإثم والخطيئة يوقف إنحطاط البشريَّة، ومَنْ يرفض أن يسيطر عليه الحقد يسيطر على الخطيئة، ومَنْ يغفر لأعدائه يُزيل العداوة. وبما أنَّ يسوع هو مسيح الله "وابن البشر الذي أعطاه الله على الأرض سلطان مغفرة الخطايا" (مر2: 9، 10)، وبما أنّه "إبن الله الذي لا يستطيع من نفسه أن يعمل شيئًا، إلاَّ ما يرى الآب يعمله" (يو5: 19)، و"كما أنَّ الآب له الحياة في ذاته، كذلك أعطى الإبن أن تكون له الحياة في ذاته، وآتاه سلطانًا أن يدين لأنّه ابن البشر" (يو5: 26، 27)، "لأنَّ الآب لا يدينُ أحدًا، بل فوَّض إلى الإبن كلّ دينونة" (يو5: 22)، فالمغفرة التي منحها يسوع وهو على الصَّليب تعبِّر عن المغفرة التي منحها الله لقاتلي يسوع ومن خلالهم لجميع القتلة والخطأة على مدى التاريخ كلـِّه.

 

مبادرة الخلاص تأتي من الله

لقد وردت في تاريخ اللاَّهوت بعض تفسيرات لموت المخلـِّص الفدائي تظهره عملاً قام به المسيح لتسكين غضب الله أو فدية دفعها المسيح عن الإنسان لتحريره من عبوديَّة الشيطان. إنَّ غضب الله على الخطأة وعبوديَّة الخطأة للشيطان هما صورتان أدبيَّتان هدفهما إظهار البُعد السحيق والتناقض العميق بين الخطيئة والله. وذبائح الحيوانات التي كانت شعوب العهد القديم تقدِّمها لله كانت تعبِّر عن إدراك الإنسان لهذا البُعد الذي تنشئه الخطيئة بينه وبين الله، وعن اقتناع الإنسان بأنَّ الموت وحده يمكنه التكفير عن الخطيئة، لأنَّ الخطيئة هي إهانة قصوى لله.

 

كان الإنسان في العهد القديم يحاول هو التقرّب من الله لإرضائه والتصالح معه. أمَّا في العهد الجديد فالمبادرة تأتي من الله نفسه. فالله هو الذي يبادر برحمته الخلاَّقة إلى تبرير مَن كان خاطئًا وإحياء مَن كان مائتًا. لا يقول العهد الجديد أنَّ الإنسان هو الذي يتصالح مع الله، بل "إنَّ الله هو الذي صالـَح، في المسيح، العالم مع نفسه" (2كور5: 19). ويعبِّر العهد الجديد عن هذه الفكرة بأمثال وتشابيه متنوِّعة: فالله هو الرَّاعي الصَّالح الذي يمضي هو نفسه في طلب الخروف الضَّالّ حتّى يجده ويحمله على منكبيه، ويعود به إلى بيته فرحًا (لوقا 15: 4- 7)؛ والله "هكذا أحبَّ العالم حتّى أنّه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كلّ مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديَّة" (يو3: 16). ويشبِّه بولس الرَّسول الله بإبراهيم الذي لم يذخر ابنه بل أسلمه إلى المحرقة، فيقول: "إذا كان الله معنا فمَن علينا؟ هو الذي لم يذخر ابنه الخاصّ، بل أسلمه عنّا جميعًا، كيف لا يهبنا معه كلّ شيء؟" (روم 8: 31) ويقول في موضع آخر من الرِّسالة عينها: " إنَّ الله قد برهن عن محبَّته لنا بأنَّ المسيح قد مات عنا ونحن خطأة" (روم 5: 8).

 

يسوع المسيح حمل الله

في العهد القديم قدَّم ابراهيم ذبيحة لله كبشًا عوَضًا من ابنه إسحق (تكوين 22: 12، 13). أمَّا في العهد الجديد فيسوع كان هو نفسه الحمل الذي رفع خطيئة العالم بتقدمة ذاته على الصَّليب، كما يصفه إنجيل يوحنّا: "ها هوذا حمل الله، الذي يرفع خطيئة العالم" (يو1: 29). وقد مات يسوع في السَّاعة الثالثة من بعد ظهر يوم الجمعة السَّابق عيد الفصح، وهي السّاعة التي كانت تذبَح فيها أمام هيكل أورشليم الحملان الفصحيَّة. ويؤكّد إنجيل يوحنّا هذا الشَّبه بين يسوع والحمل الفصحيّ عندما يشير أيضًا إلى أنَّ يسوع وهو على الصَّليب "لم يُكسَر له عظم" (يو19: 36)، على مثال الحمل الفصحيّ (خروج 12: 46).

 

لقد افتدانا يسوع من الخطيئة مُظهرًا أنَّ العبادة الحقيقيّة ليست تقدمة ذبائح الحيوانات بل تقدمة الذات لتتميم إرادة الله في البرّ والقداسة.

 هذا ما يفسِّره بولس الرَّسول بقوله: "إنَّ ناموس روح الحياة التي في المسيح يسوع قد أعتقك من ناموس الخطيئة والموت. إنَّ ما لم يستطعه الناموس لعجزه بسبب الجسد قد أنجزه الله إذ ارسل ابنه، من أجل الخطيئة، في شبه جسد الخطيئة، فقضى على الخطيئة في الجسد، لكي يتمّ برّ الناموس فينا" (روم 8: 2- 4). أراد الله أن يحرِّر البشريَّة من الخطيئة وأن يفتديها ويخلـِّصها ويقدِّسها. وإذ أصبح الناموس القديم عاجزًا عن ذلك "بسبب الجسد"، أي بسبب خطيئة الإنسان، أرسل الله ابنه "في شبه جسد الخطيئة"، أي أنَّ ابن الله صار إنسانًا مثلنا في كلِّ شيء ما خلا الخطيئة، "فقضى على الخطيئة في جسده" أي أنّه عاش في هذا الجسد حياة برّ وقداسة. وهكذا أتمَّ فينا البرّ الذي كان الله يطلبه منّا في الناموس ولم يستطع الناموس أن ينجزه.

 

وتتوسَّع الرِّسالة إلى العبرانيِّين في هذا الفداء فتقول: "إن كان دم ثيران وتيوس يُرَشّ على المنجَّسين، فيقدِّسهم لتطهير الجسد، فكم بالأحرى دم المسيح، الذي بروحٍ أزليّ قرَّب الله نفسه بلا عيب، يطهِّر ضميرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحيّ" (عب 9: 13، 14). وترى هذه الرِّسالة في ذبائح العهد القديم رُموزًا لذبيحة العهد الجديد: "إذ أنّه من المُحال أنَّ دم ثيران وتيوس يزيل الخطايا. لذلك يقول المسيح عند دخوله العالم: ذبيحة وقربانًا لم تشأ، غير أنّك هيَّأتَ لي جسدًا. لم ترتض ِ محرقات ولا ذبائح خطيئة. حينئذٍ قلتُ: ها أنا ذا آتي- إذ عنّي قد كتِب في درج الكتاب- لأعمل، يا ألله، بمشيئتك. فلقد قال أوَّلاً: إنك لم تشأ ذبيحة وقرابين، ولا مُحرقات، ولا ذبائح خطيئة... ولم ترضَ بها- مع أنها كلها تقرَّب بموجب الناموس- ، ثمَّ يقول: ها أنا ذا آتي لأعمل بمشيئتك. فهو إذًا يُبطِل النظام الأوَّل ليُقيم الثاني. وبقوَّة هذه المشيئة قُدِّسنا نحن بتقدمة جسد يسوع مرَّة لا غير" (عب 10: 4- 10).

 

وقد رأى العهد الجديد أيضًا في موت يسوع تحقيق النبوءات القديمة، ولا سيَّما نبوءة النبيّ أشعيا عن عبد الرَّبّ الذي سيحمل خطايا الكثيرين: "لقد أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا، فحسبناه ذا برَص، مضروبًا من الله ومذلـَّلاً. جُرِحَ لأجل معاصينا وسُحِقَ لأجل آثامنا. عليه وقع القصاص الذي يعيد إلينا السَّلام، وبجراحه شُفينا. كلّنا ضللنا كالغنم، كلُّ واحدٍ مالَ إلى طريقه، فألقى الرَّبّ إثمَ كُلـِّنا. قُدِّم وهو خاضع ولم يفتح فاه. كشاةٍ سِيقَ إلى الذبح، وكحَمَلٍ صامتٍ أمام الذين يجزُّونه ولم يفتحْ فاه... الرَّبّ رضِيَ أن يسحقه بالعاهات. فإنّه إذا جعل نفسه ذبيحة تكفير عن الخطايا، يرى ذرِّيَّة وتطول أيَّامه، وإرادة الرَّبّ تتمّ على يده. بعد عناء نفسه، سيَرى النور وتُحقَّق رغباته. بعلمه يبرِّر الصدِّيق عبدي كثيرين حاملاً هو نفسه آثامهم. فلذلك أجعل له نصيبًا مع الكثيرين وغنيمة مع العظماء. لأنّه بذل نفسه للموت وأ ُحصِيَ مع الأثمة، وهو حملَ خطايا الكثيرين وشفع في العُصاة" (أشعيا 53: 4- 12).

 

العشاء الفصحي والعهد الجديد بدم يسوع

إنَّ هذا المعنى الذي نجده في العهد الجديد وفي الكنيسة الأولى لموت المسيح، قد عبَّر عنه يسوع نفسه في العشاء الفصحيّ الأخير الذي تناوله مع تلاميذه. "ففي الليلة التي أُسلِمَ فيها، يقول بولس الرَّسول، أخذ خبزًا وشكر وكسره وقال: هذا هو جسدي الذي هو لأجلكم، إصنعوا هذا لذكري" (1كور11: 23، 24). ويوضح لوقا عبارة "الذي هو لأجلكم" بقوله "هذا هو جسدي الذي يُبذًل لأجلكم" (لو 22: 19). " وكذلك أخذ الكأس من بعد العشاء قائلاً: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يُهراق من أجلكم" (لو22: 20). ويُضيف إنجيل متى: "الذي يهراق عن الكثيرين لمغفرة الخطايا" (متى 26: 28).

 

رأى يسوع أنَّ رفض اليهود رسالته وحقدهم عليه سيقودانهم إلى قتله. إنتظر الموت، إلاَّ أنه جعل من موته لحظة المغفرة والمُسامحة للذين سيقتلونه. لقد أعطى موته معنى الفداء "في الليلة التي أُسلِمَ فيها"، وبينما كان معه على العشاء "يهوَّذا الذي سيسلمه" (متى 26 :21- 25)، ممثِّلاً حقد اليهود وخطايا العالم أجمع. وهو الذي قال: "أنا الرَّاعي الصَّالح والرَّاعي الصَّالح يبذل حياته عن خرافه... لا أحد ينتزع منى حياتي، وإنّما أنا أبذلها باختياري" (يو10: 11- 18)، يستبق الآن موته ويُعطيه معنى الفداء، فيبذل حياته، جسده ودمه، لأجل أصدقائه وأعدائه، ويكسر الخبز ويقول: "هذا هو جسدي الذي يُبذَل لأجلكم"، ويسكب الخمر في الكأس ويقول: "هذا هو دمي الذي يهراق عن الكثيرين".

 

"هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي". لقد أعطى يسوع حياته لينشأ عهدًا جديدًا بين الله والناس. وهكذا كان موته نقطة إنطلاق لحياة جديدة في العالم. من البشريَّة التي قتلته بُعث شعب جديد مقدَّس هو أوَّلاً جماعة التلاميذ الذين بذل يسوع حياته لأجلهم، كما جاء في إنجيل لوقا: "هذا هو جسدي الذي يُبذَل لأجلكم"، وهو أيضًا العالم أجمع، بحسب ما جاء في متى ومرقس: "هذا هو دمي الذي يُهراق عن الكثيرين". ولفظة الكثيرين تعني هنا الجميع، كما جاء في رسالة بولس الأولى إلى تيموتاوس: "إنَّ الله واحد، والوسيط بين الله والناس واحد، الإنسان يسوع المسيح الذي بذل نفسه فداءً عن الجميع" (1 تيم 2: 5، 6).

 

إنَّ تقدمة يسو ع ذاته للموت تُنشئ عهدًا جديدًا. والعهد يتضمَّنُ طقوسًا وشريعة وشعبًا. فالعهد القديم أُنشئ بين الله وشعبه على يد موسى بواسطة دمّ الحيوانات (خروج 24: 8 "وأخذ موسى الدَّم ورشَّه على الشَّعب وقال: هوذا دم العهد الذي عاهدكم به الرَّبّ على جميع هذه الأقوال")، أمَّا يسوع فيُنشئ عهدًا جديدًا بدمه الخاص؛ والعهد القديم كان مبنيًّا على شريعة الله التي أُعطِيَت لموسى، أمَّا العهد الجديد فمبنيّ على تعاليم يسوع ومحبَّـته التي جعلته يسكب دمه عن أحبَّائه؛ وفي العهد القديم نشأ مع موسى شعب الله المكوَّن من الشَّعب اليهوديّ، أمَّا في العهد الجديد فنشأ مع المسيح شعب الله الجديد المُنفتح على جميع الشُّعوب.

 

من صليب المسيح نَبَعَ الغفران للجميع وتصالح الجميع مع الله: "وأنا متى ارتفعت عن الأرض، يقول يسوع، اجتذبتُ إليَّ الجميع" (يو12: 32). لم يمت يسوع "عن الأمَّة اليهوديَّة وحسب، بل ليجمع أيضًا في الوحدة أبناء الله المتفرِّقين" (يو11: 52). وعندما "طعَنَ أحد الجنود جنب يسوع بحربة فخرج منه للوقت دم وماء" (يو29: 34)، رأى آباء الكنيسة في الماء والدَّم رمزًا لسرَّي المعموديَّة والإفخارستيَّا ورمزًا لولادة الكنيسة التي تنشأ بالمعموديَّة وتترعرع وتتوحَّد بالإفخارستيَّا. إنَّ الكنيسة، شعب العهد الجديد، وُلِدَت من فيض محبَّة الله التي ظهرت لنا في موت يسوع المسيح، وهي تترعرع وتنمو بقدر ما تشترك في تلك المحبَّة وتحقّقها في حياتها.

 

عاش يسوع تلك المحبَّة بتقدمة ذاته على الصَّليب، ويطلب من كلّ مَنْ يريد اتِّباعه والتتلمذ له أن يدخل في تيَّار محبَّته: "مَن أراد أن يتبعني فلينكر نفسه وليحمل صليبه كلّ يوم ويتبعني" (لوقا 9: 24). وفي العشاء السرِّي طلب يسوع من تلاميذه أن يأكلوا جسده ويشربوا دمه: "خذوا كلوا، هذا هو جسدي... اشربوا من هذا كلـَّكم، هذا هو دمي..." فمَن يأكل ذبيحة المسيح يدخل في جميع معاني تلك الذبيحة ويلتزم تطلـّباتها، فيقدِّم حياته مع المسيح، ويغفِر ويحبّ كما غفر وأحبّ المسيح، وهكذا يتحقـَّق فيه العهد الجديد الذي أنشأه المسيح بدمه بين الله والإنسان، عندما تسري في عروقه حياة الله، حياة المحبَّة والمغفرة، وهكذا يتحقـَّق على مدى الزَّمن والتاريخ الخلاص الذي حقـَّـقه يسوع بموته على الصَّليب.

 

ج- يسوع هو ابن الله الذي كشف لنا بموته سرّ الله

تؤمن المسيحيَّة أنَّ يسوع الذي قدَّم ذاته على الصَّليب ليس بمجرَّد نبيّ ولا المسيح الملك وحسب، بل هو ابن الله، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس. لذلك لم يكُن موته على الصَّليب عملاً غريبًا عن كيان الثالوث الأقدس ولا خارجًا عن حياته، إنّما كان تعبيرًا عن ذلك الكيان وتلك الحياة.

 

هنا يبلغ اللاَّهوت المسيحيّ قمَّة الوحي في موضوع الفداء والخلاص. لقد حصلت البشريَّة على الفداء والخلاص ليس لأنَّ يسوع مات موت الأنبياء وحسب، وليس لأنَّ المسيح قدَّم حياته كحمَل فصحي تكفيرًا عن خطايا البشر وحسب. رأينا في مقطع سابق أنَّ النظرة إلى الفداء كإلى عمل قام به المسيح تسكينًا لغضب الله هي نظرة وثنيَّة. فالفداء هو أوَّلاً عمل محبَّة الله، فالآب أحبَّنا وبذل ابنه إلى الموت لأجلنا، والإبن أحبَّنا وبذل نفسه إلى الموت لأجلنا.

 

 في نهاية العشاء الفصحي "رفع يسوع عينيه إلى السَّماء وقال: يا أبتاه، لقد أتت السَّاعة! فمجِّد ابنك لكي يمجِّدك ابنك، ويعطي- وقد قلـَّدْته السُّلطان على كلِّ البشر- الحياة الأبديَّة لجميع الذين أعطيتهم له. والحياة الأبديَّة هي أن يعرفوك، أنت الإله الحقيقيّ الوحيد، والذي أرسلته، يسوع المسيح" (يو17: 1-4).

 

يحصل الإنسان على الحياة والخلاص عندما يعرف الله كما هو. وبموت يسوع على الصَّليب انكشف لنا سرّ الله: الله محبَّة.

 

وتلك المحبَّة قد ظهرت لنا في حياة يسوع وأعماله، وظهرت لنا في أقصى حدودها في موت يسوع على الصَّليب. فمَن يؤمن بيسوع وبما يمثـِّله يخلص، ومَن يَحْيَ من تلك المحبَّة يجد الخلاص على هذه الأرض ويَحْيَ مع الله إلى الأبد.

 

الإيمان في المسيحيَّة هو الإيمان بأنَّ الله محبَّة. وهذا الإيمان هو كالصَّخرة الثابتة غير المُتزعزعة التي تُعطي مَن يبني بيته عليها الأمان والإطمئنان. والخلاص يقوم في النهاية على اعتناق الإنسان هذا الإيمان بالله المحبَّة اعتناقـًا وجوديًّا، وليس اعتناقـًا عقليًّا وفكريًّا فقط، فيثبّت عليه أساس كيانه ويحيا به، ويقوم على انفتاح الإنسان على الله مبدأ وجوده وينبوع حياته.

 

إنَّ قمَّة الوحي في التعريف بيسوع المسيح هو القول إنّه "ابن الله" أو "الإبن". والإبن لا وجود له إلاَّ من الآب وفي الآب. إنّه ليس أقنومًا قائمًا بذاته ومنفصلاً عن جوهر الآب. إنّه والآب جوهر واحد. إنّه في صميم كيانه وفي عمق جوهره انفتاح دائم وعطاء مستمرّ للآب. إنه "الكائن لأجل الله". وما تأنـَّسه إلاَّ تعبير لبنوَّته الإلهيَّة وتجسيد لجوهره الذي هو انفتاح وعطاء. لذلك كانت حياته حياة انفتاح وعطاء ومحبَّة للناس. إنّه، في انفتاحه على الآب، "الكائن لأجل الله"، وفي انفتاحه على الآخرين، "الكائن لأجل الآخرين". لم يصنع في حياته إلاَّ مشيئة الآب، وبذلك حقق "كيانه لأجل الله". وفي بذل ذاته إلى الموت حقـَّق "كيانه لأجل الآخرين"، وحقـَّق رسالته التي حدَّدها هو نفسه بقوله: "إنَّ ابن البشر لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدُم ويبذل نفسه فداءً عن كثيرين" (مر10: 45).

 

عند سائر الناس رسالة الشخص منفصلة عن كيانه، فهو إنسان أوَّلاً ثم له رسالته التي يعمل على تحقيقها. أمَّا في يسوع المسيح فالرِّسالة والكيان أمر واحد، فهو في كيانه الإبن الذي لا وجود له ولا حياة إلاَّ من الآب وللآب، وقد كانت رسالته تعبيرًا وظهورًا لكيانه، فعاش ومات لأجل الله ولأجل الآخرين.

 

يجد الإنسان الخلاص عندما يتَّحد بيسوع المسيح ويحيا حياته في هذين البُعدين: إنفتاحه على الله وإنفتاحه على الآخرين. "إذهبوا في العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلـِّها. فمَن آمَن واعتمد يخلص" (مرقس 16: 16). فمَن يؤمن بيسوع المسيح وبإنجيله وبرسالته ويَحْيَ حياته يخلص. والمعموديَّة هي السِّرّ الذي يعبِّر بواسطته المؤمن عن إيمانه بالمسيح وعن رغبته في الموت عن الخطيئة والتحرُّر من عبوديَّتها للحياة مع الله كإبن مع أبيه: "إنَّ كلّ مَن يعمل الخطيئة، يقول يسوع، هو عبد للخطيئة. والعبد لا يُقيم في البيت على الدَّوام. أمَّا الإبن فيُقيم على الدَّوام. فإن حرَّركم الإبن كُنتم في الحقيقة أحرارًا" (يو 8: 34- 36).

 

يجد الإنسان الخلاص عندما يتوب عن خطاياه ويتخلـَّى عن أنانيَّته ويعتنق رسالة يسوع المسيح ابن الله ويحيا حياة ابن الله في جميع أبعادها: "مَن أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه كلّ يوم، ويتبعني. فإنَّ مَن أراد أن يخلـِّص نفسه يُهلكها؛ وأمَّا مَن أهلك نفسه من أجلي يخلـِّصها" (لوقا 9: 23، 24). فمَن أراد أن يخلـِّص نفسه بعيدًا عن الله وعن المسيح يُهلكها ويعيش في التغرُّب والضَّياع. لا يخلص الإنسان من التغرُّب والضَّياع ولا يجد نفسه إلاَّ إذا أضاع نفسه لأجل المسيح، أي إذا تخلّى عن ذاته الضيّقة وعن حياته الأنانيّة ودخل في ذات الله وانفتح على حياته التي لا نهاية لها.

 

4- يسوع المسيح خلّصنا بقيامته

"إن كان المسيح لم يَقُم، فإيمانكم باطل،  وأنتم بعد في خطاياكم؛ ومن ثمّ فالذين رقدوا في المسيح أيضاً قد هلكوا. إن كان رجاؤنا في المسيح، في هذه الحياة فقط، فنحن أشقى الناس أجمعين. ولكن ،لا، فإنّ المسيح قد قام من بين الأموات، باكورة للراقدين، لأنّه، بما أنّ الموت كان بإنسان، فبإنسانٍ أيضاً قيامة الأموات. فكما أنّه في آدم يموتُ الجميع، كذلك أيضاً في المسيح سيُحيا الجميع"(1كو17: 17-22).

حيال الموت يقف الإنسان حائراً يائساً يسأل نفسه: ما نفع حياةٍ نهايتُها الموت والفناء؟ قيامة المسيح أنقذت الإنسان من الحيرة واليأس أمام الموت. لقد خلّصنا المسيح بموته من الخطيئة وبقيامته من الموت. لو لم يقُمِ المسيح لبقيت الخطئية مسيطرةً والموت سيّداً. لكنَّ الله أقام يسوع مصدّقـًا رسالته ومُعلنًا أنّ الكلمة الأخيرة هي للمغفرة لا للخطيئة، للمحبّة لا للحقد، للحياة لا للموت: "فليس إذًا بعد من قضاء على الذين في المسيح يسوع، لأنّ ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد حرّرك  من الخطيئة والموت".(روم 2:1،2)

لقد قام المسيح وأرسل إلينا روحه القدّوس الذي يستمرّ حضوره مدى التاريخ في ما بيننا وفي داخلنا. وهو الذي يُجدّدنا تجديدًا دائمًا ويقود إلى الكمال الخلاص الذي حقـَّـقه المسيح في حياته وموته وقيامته.

 

                    الأب سليم بسترس