الخلاص والفداء بيسوع المسيح

 

 

 

 

الخلاص والفداء بيسوع المسيح

 

 

 

 

 

 

الخلاص والفداء بيسوع المسيح

 

 

1- حالة الإنسان

 

" إني بائس ومسكين، فليعضدني خلاصك يا ألله" (مز68: 30) هناك خبرتان يختبرهما الإنسان طوال حياته: خبرة إيجابيّة من الإنسجام مع ذاته ومع الآخرين ومع الكون، وخبرة سلبيَّة من الضعف في ذاته وفي المجتمع وفي الكون. لذلك يقضي الإنسان حياته متقلـِّبًا بين الفرح والحزن، بين الصحَّة والمرض، بين السَّلام والحرب، بين السَّعادة والشَّقاء.

 

يدرك الإنسان الضعف في ذاته. يرغب في الإنسجام مع ذاته وفي السَّلام الدَّاخلي، إلاَّ أنه غالبًا ما يعاني القلق والتمزُّق الدَّاخلي. يريد سعادة كاملة دائمة فلا يحصل إلاَّ على أفراح جزئيَّة ممزوجة بالحزن والشَّقاء. يريد الصحَّة الدَّائمة والحياة الخالدة فيصطدم بالأمراض والمصائب والموت المحتوم. يريد عمل الخير وراحة الضَّمير فيسقط في عمل الشَّر ويشعر بتوبيخ الضَّمير.

 

ويدرك الإنسان الضعف في علاقاته مع الآخرين وفي جميع المجتمعات. يرغب في الإنسجام مع الآخرين، ويريد أن يسود السَّلام وتسود المحبَّة علاقات الناس وعلاقات المجتمعات بعضها ببعض، وغالبًا ما يرى حوله الخصومات والمنازعات ويقول: "إني بائس فليعضدني خلاصك يا ألله".

 

2- الخلاص من الله

 

يرى المؤمن أنَّ سبب حالة الإنسان هذه هو بُعده عن الله وبُعده عمَّا يجب أن يكون. فالإنسان خُلِق لأجل الله وهو كائن ينسم فيه روح الله، فإن ابتعد عن الله يبتعد عن ذاته وينفصل عن جوهره ويفقد هويَّته. هذا ما يعبِّر عنه الكتاب المقدَّس بقوله إنَّ الله قد خلق الإنسان على صورته ومثاله. إلاَّ أنَّ الإنسان شوَّه تلك الصورة بالخطيئة. والله وحده الذي خلق الإنسان يستطيع أن يعيد إليه بهاء الصورة الأصليَّة، أن يخلـِّصه.

 

إنَّ في عمق القلب البشريّ نزعة نحو المطلق، لذلك لا يكتفي الإنسان بالأمور الجزئيَّة العابرة: لا يكتفي بالحبّ الوقتيّ بل يسعى نحو الحبّ المُطلق، ولا يقبل بتجزئة كيانه بل يُريد الوحدة مع ذاته ومع الآخرين ومع الكون أجمع، ويُدرك ميله إلى الشَّرّ ويشعر أنَّ الشَّرّ هو دمار لذاته وهلاك لنفسه فيرغب في الخير الثابت المطلق.

 

هذا الفراغ الذي يشعر به الإنسان في مختلف أبعاد كيانه إنـَّما هو نداء يوجِّهه الله إلى الإنسان للإرتقاء إليه. من خلال هذا الإختبار البشريّ، إختبار الضُّعف والقلق والضَّياع، يدخل الله إلى قلب الإنسان ويُظهر ذاته الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يملأ فراغ الإنسان ويعيد إليه أصالته وملء كيانه، أي أن يمنحه الخلاص. والإنسان الذي يحصل على الخلاص هو كالمريض الذي تُعاد إليه عافيته، وكالأعمى الذي يُعاد إليه بصره، وكالمُخلـَّع الذي تعاد إليه قدرته على السَّير، وكالأبرص الذي تُعاد إليه نقاوته؛ إنـَّه كالذهب الذي يُنقـَّى من الأوحال والأتربة وجميع الشَّوائب العالقة به فيعود إلى خلوصه وصفائه ولمعانه؛ إنـَّه كالعبد الذي يُحرَّر من عبوديَّته ويعود إلى حرِّيته.

 

 

ما هو الخلاص؟

2- مرادفات الخلاص

هذا التغيير الذي يُحدثه الله في الإنسان بحضوره إليه يُعبِّر عنه الكتاب المُقدَّس بألفاظٍ مُختلفة.

فيدعوه الخلاص، لأنـَّه به يخلـِّص الإنسان من ضياعه وتغَرُّبِه.

ويدعوه الحياة، لأنـَّه به يدخل الإنسان في الحياة الحقيقيَّة، حياة الله.

ويدعوه الملكوت، لأنـَّه به يملك الله ملكـًا دائمًا على قلوب البشر.

ويدعوه النعمة، لأنـَّه عطيَّة مجَّانيَّة ينعم بها الله على الإنسان.

ويدعوه الفداء والتحرير، لأنـَّه به يفتدي الله الإنسان ويحرِّره كما يفتدي الأسرى ويحرِّرُ العبيد.

 

تشير هذه التعابير إلى جوانب مختلفة لحقيقة واحدة هي حضور الله حضورًا مُحبًّا مُحييًا في كلِّ إنسان وفي الجماعات البشريَّة وفي التاريخ بأسره، لتجديد الإنسان والبشريَّة والتاريخ. وهذا الحضور هو ثمرة استمرار حبّ الله المجَّاني للكون والإنسان منذ خلقهما. فكما أحبَّنا الله وخلقنا، هكذا أيضًا أحبَّنا وخلـَّصنا من ضياعنا، أحبَّنا وأشركنا في حياته، أحبَّنا وأدخلنا في ملكوته، أحبَّنا وحضر فينا بنعمته، أحبَّنا وافتدانا من خطيئتنا وحرَّرنا من عبوديَّتنا.

 

هذا ما نقرأه في كلّ صفحة من صفحات الكتاب المقدَّس. وما كُتِب في الأسفار المُقدَّسة لم يكن نتيجة تفكير نظريّ أو تحليل فلسفيّ لسرّ الله، بل نتيجة اختبار حياتيّ لعمل الله في التاريخ ولظهوره، عند بلوغ ملء الزَّمان، في شخص يسوع المسيح.

 

 

4- إختبار الخلاص في العهد القديم

 

لقد اختبر الشَّعب اليهوديّ في العهد القديم محبَّة الله المجَّانيَّة لهم وحضوره الدَّائم معهم على مدى تاريخهم، منذ أن اختار ابراهيم ووعده بأن" يجعل منه أمَّة كبيرة" (تكوين 12: 201) إلى أن أصبح أمَّة كبيرة مع داود وسليمان. ولقد اختبر الشَّعب اليهوديّ بشكل فائق خلاص الله في العمل العظيم الذي عمَله لأجلهم عندما خلـَّصهم على يد موسى من عبوديَّة المصريِّين:" قال الرَّبّ لموسى: لقد سمعتُ أنين بني إسرائيل الذين استعبدهم المصريُّون، فذكرتُ عهدي. لذلك قل لبني إسرائيل: أنا الرَّبّ، لأُخرجنـَّكم من تحت أثقال  المصريِّين، وأُخلـِّصكم من عبوديَّتهم، وأفديكم بذراع مبسوطة وأحكام عظيمة، وأتـَّخذكم لي شعبًا، وأكون لكم إلهًا، وتعلمون إنـِّي أنا الرَّبّ إلهكم..." (خروج6: 5-7).

 

"أُخلـِّصكم... وأفديكم". الخلاص والفداء هما أمرٌ واحدٌ يتضمَّن عنصرين مُتكاملين: العنصر الأوَّل هو إنقاذ الشَّعب من حالة العبوديَّة التي كان عائشًا فيها، والعنصر الثاني الملازم للأوَّل هو إدخاله في صداقة الله: "أتـَّخذكم لي شعبًا وأكون لكم إلهًا". هذا الخلاص هو عمل مجَّانيّ يصنعه الله لشعب دون أي استحقاق، كالخلق، فيضًا من محبَّة الله للإنسان.

 

وقد حفظ اليهود ذكرى هذا العمل الخلاصيّ رمزًا لكلّ أعمال الخلاص التي يصنعها الله للإنسان:" ويكون هذا اليوم لكم ذكرًا، فتعيِّدونه عيدًا للرَّبّ، تعيِّدونه مدى أجيالكم فريضة أبديَّة" (خروج 12: 14).

 

الأب سليم بسترس