الروح والقيامة

 

الروح والقيامة

 

الروح والقيامة

 

(روم: ١/ ١ - ٤)

"من بولس عبد المسيح يسوع دعي ليكون رسولا وفردًا ليعلن بشارة الله... في شأن ابنه الذي ولد من نسل داود... وجعل ابن الله في القدرة بحسب روح القداسة بقيامته من بين الأموات، ألا وهو يسوع المسيح ربنا".

 

  بولس يُعرّف عن هويته ورسالته

"عبد المسيح" دعي ليكون رسولاً وفردًا، والكلمة اللاتينية هي أشد تأثيرًا: Seperatus أي "فصل" وضع جانبًا وبالنهاية اختير. هويّته ليست منه، كلّ هويّته في علاقته بالمسيح، وبعلاقة توصلنا إلى ما قاله فيما بعد: إنّ حياتي هي المسيح. علاقة مع المسيح تبلغ حدّ المماهاة. مسيرة تفوق تصوّرنا ومفاهيمنا، لكنّنا نشعر أنّنا أمام اختبار هو شخصيّ من جهّة لكنّه من فعل الرُّوح.

الكلام يعطل ما نجد أمامنا وما نحن مدعوّون إليه، العبادة والتأمل هما الطريق التي توصلنا إلى عمق هذا الاختبار. وهما دعوتنا إلى خروج مُطلق من ذاتنا، ليكون داخلنا كلّه مكانًا للمسيح. "فصل" كلمة جذريّة فيها ألم الانفكاك من الذات. والعبارة اللاتينيّة أوجز وأكثر فعلاً في النفس:

"مفصول من أجل الإنجيل" وبالتالي يأخذ "الإنجيل" وتأخذ "البشارة" مكانًا فيَّ هو لهما وحدهما. فهذا "الإنجيل" الذي نقرأه كلّ يوم في قدّاسنا، هو أكثر من قراءة لنصّ، هو دعوة للاقتراب من المسيح حتى الدّخول فيه. فلا تكون القراءة بل تأملاً بكلّ كلمة نمرّ بها.

 

 

  تحديد هويّة المسيح

 إنّه "ابن الله" أوَّلاً لكنّه وُلِد من نسل داود حسب الطبيعة البشريّة. لنتعلّم أن نرى "يسوع" كما يميل اللّاهوت المعاصر، لنتأمّل نوعيّة سلوكه، وردود فعله. لمّا شُكيت الزانية إليه، ويصوّر الفنانون الفريسيِّين الذين شكوها، كأنّهم يأكلونهم بعيونهم. المسيح لم ينظر إليها، بل اقترب من الأرض وأخذ يكتب. إنّه عليم بما في الإنسان. والأبحاث المعاصرة كثيرة حول النظر بما فيه من سلبيّة التشييء Chosification أو إيجابية الرّضى والقبول. مارس المسيح قبل ألفيّ سنة ما تعلّمناه اليوم. وهذا يقودنا إلى الإعجاب به، إلى الإنتباه إليه في أدقّ الأمور. إنّه في النّهار يعلّمنا أن نعرف ذاتنا وأن نكون حسب الحقيقة.

 

وجُعل ابنُ الله في القدرة، بحسب روح القداسة، بقيامته من بين الأموات.

رأينا أنّ الانجيل يقول أنّه ابن الله بالقدرة بحسب روح القداسة. اذن ليس المقصود الرُّوح القدس الذي يظلل العذراء وتحبل منه، كما رأينا عند الإزائيِّين، بل هنا علاقة بين القدرة وروح القداسة والقيامة فارتباط القدرة بالقيامة نجدها (في فيلبي ٣/ ١٠)، والمسيح يخلّصنا بقيامته (١بطرس: ٣/  ٢١).

 

فالخلاص فيه قدرة وهذه القدرة هي ملازمة للقيامة. وقيامته هي ضمان قيامتنا (أعمال ٢٤/ ٢١؛ ٤/ ٢). والمسيح يؤكّد في مكان آخر: "أنا القيامة والحياة" (يو ١١/ ٢٥) وهذه القيامة هي  من أجل رجائنا (اعمال ٢٤/ ٦).

 

فالقيامة تعني القدرة وهي لنا مصدر رجاء. والعلاقة بين روح القداسة والمسيح معروفة منذ البشارة وفي العماد، والرّوح القدس هو الذي قاده إلى الصّحراء ليجرّب. "والله أعطاه مسحة الرُّوح القدس والقدرة" (اعمال ١٠/ ٣٨). لكن كلّ ذلك يتّصل بالقيامة: القدرة والرُّوح القدس. ولوقا يتكلّم على الشّراكة في العالم الآتي وفي قيامة الأموات (لو ٢٠/ ٣٥). ولدى اختيار من يحلّ محلّ يهوذا الاسخريوطيّ، كان الشّرط الوحيد أن يكون شاهدًا لقيامة المسيح.

 

هنا يرفعنا النصّ إلى مستوى فعل الله الذي هو أساس خلاصنا. فالاختبار الشخصيّ لا يجعل من المسيح حقيقة في حدود الإنسان بل في حدود الله.

 

مناجاة

لنوجّه فكرنا  نحو القيامة مع ما يرتبط بها من معانٍ لاهوتيّة، ولتوسيع حياتنا إلى ما هو أبعد من هذه الحياة، لا بدّ من الموت حيث تنتصر الحياة من جديد مع القيامة.

 

 

                                                        المطران انطوان حميد موراني