الرّوح القدس القدرة الخالقة كلّ حياة.

 

 

 

 

الرّوح القدس القدرة الخالقة كلّ حياة.

 

 

«الرّوح القدس هو القدرة الخالقة كلّ حياة. فهو يُحيي كلَّ شيء ويحفظ كلَّ شيء، ويقود كلَّ شيء نحو الخلاص الأخير» (المسيحيّة في عقائدها، المطران كريلّلس سليم بسترس، 18 الفكر المسيحي بين الأمس واليوم، منشورات المكتبة البوليسيّة، ص 250).

 


الرُّوح القدس هو القدرة الفاعلة خاصَّة في حياة يسوع. هو الرُّوح الفاعل في الحبل بيسوع المسيح وبعماده وبأفعاله وفي موته وقيامته، إنّه قوَّة الله، «بنثما ثوثيو» PNEUMA TO TEO «روح الربّ عليَّ، فالربُّ قد مسحني» (لو 4:18).


ويضيف بولس الرَّسول:


«الربّ هو الرُّوح وحيث يكون روح الربّ، فهناك الحريَّة (ص كو 3:13)  فالرّوح القدس هو الحضور الفاعل للربّ وهو عطيّة الحياة الجديدة في يسوع.

 


إنّه أقنوم إلهيّ خاصّ.


وهو قد ظهر يوم العنصرة بألسنة ناريَّة واستقرَّ على كلِّ واحدٍ من المجتمعين وبه صار التلاميذ شهودًا وفيهم القدرة والشجاعة والتكلّم بلغات عديدة وبألسن الأمم والتنبؤ وشفاء الأمراض، وثماره هي: «المحبَّة، الفرح، السّلام، وطول الأناة واللّطف، والصَّلاح والأمانة، والوداعة والعفاف» (غل 5: 22 ـ 23).

 

 

 


 استمراريّة عمل الرّوح القدس


بقوَّة الرُّوح القدس الذي هو قوَّة الله وقدرته PNEUMA TO THEO هو القوّة المحوِّلة التي تجعل المستحيل والغير المُمكن ممكنًا، واللّامعقول معقولاً والذي لا يصدق حقيقة واقعيّة في سريَّة عمل النعمة الإلهيَّة، فبالعماد يصير الطفل ابنًا لله وأخًا ليسوع المسيح، ووارثًا للملكوت والحياة الأبديَّة.

 


وبسرِّ التثبيت يتحوّل الإنسان، إلى شاهد لله وشهيدًا له وجنديًّا مدافعًا عنه في حياته وسلوكه وتفكيره وأقواله وتصرّفاته.

 


وبسرِّ الافخارستيا يتحوّل الخبز إلى جسد المسيح المعطي الحياة الأبديَّة ويتحوّل الخمر إلى دمّ يسوع المسيح نبع الحياة الإلهيَّة.

 


وفي سرِّ الاعتراف تحلّ الخطايا في السَّماء وعلى الأرض فتُغفر وتُمحى ويتنقّى قلب الإنسان من الخطيئة والشرّ ولا يقدر عليه الموت. 


وفي سرِّ الزَّواج يصبح الحبّ واللّقاء بين الرَّجل والمرأة كسرّ للحبّ بين المسيح والكنيسة التي أحبَّها المسيح وبذل نفسه عنها ويصبح سرّ الحياة والولادة  كسرّ خلق الله للإنسان. فالكنيسة هي جسد المسيح السرِّيّ وهكذا هي العلاقة بين الرَّجل والمرأة في استمراريَّة الحبّ وقدسيَّة الجسد وروعة الولادة والحياة.

 

 


هو الذي يسند معطوبيّة الكائن La Fragilite de l'être
وبسرِّ مسحة المرضى أو زيت الشّفاء تشفى أمراضنا وتغفر ذنوبنا ويرافقنا الرّوح إلى السّماء للقاء وجه الربّ وبسرِّ الكهنوت نشارك المسيح في سرِّ كهنوته ونُعطى سلطانًا على حلِّ الخطايا ومباركة الكائنات والناس وتقديس وتحويل الخبز والخمر إلى جسد ودمّ سيّدنا يسوع المسيح.

 


 هو السَّاكن فينا
الرّوح القدس يقوّي الشهداء الذين سُفكت دماؤهم لأجله أو مزّقت الوحوش أجسادهم في الكوليزيوم شهادة هو السّاكن في النسّاك، والحبساء والمتصومعين أو القاطنين البراري والصحارى وشقوق الأرض أو في المدن والأديار أو الحاملين بُشرى الخلاص ورسالة معرفة ومحبَّة يسوع في كلِّ أصقاع الأرض.

 


الرُّوح القدس يوحي الشّعراء والفنانين والمبدعين والمفكّرين والفلاسفة والنحاتين والرّسامين والمغنّين المنشدين ـ المسيحيِّين المرتلين بأجوائهم الرّائعة الجميلة. الرُّوح القدس يسكن أنامل وحناجر وأجساد المبدعين الرّاقصين للجمال والخيال.

 


هو السّاكن هدير المياه وهبوب الريح والعاصفة وأمواج البحور والمحيطات والأنهار هو السّاهر على ولادة كلّ من في الوجود من الزهر إلى الشّجر إلى الحيوان إلى الإنسان إلى الكواكب والنجوم والمجرّات.

 


هو الذي يوحي للوعاظ والمتكلّمين والإعلاميّين روعة الكلام وجماله.

هو الذي يعطي الوعاظ قدرة الإقناع والتحوّل والتغيير والارتداد والتوبة والتعمّق بسرِّ الله ولاهوته هو الذي يفتح فمّ الأنبياء ومنشدي المزامير والصّلوات الأدبيّة والتراتيل.

 

 

حضوره في سلوك الإنسان وتفكيره وقوله أمضى من كلِّ سيف وهو نار ملتهبة تليّن ما كان صلبًا تقوّي ما كان ضعيفًا، تشفي ما كان معلولاً، تنير ما كان مُظلمًا هو المؤسِّس لحياة الإنسان والجماعة في جسد المسيح السرِّيِّ هو السَّاكن في قلب الإنسان وعقله ولسانه وسلوكه فيجعل منه كائنًا روحيًا بنغماتيًا Pneuvomatique إنسانًا جديدًا  فيصبح فيه من الأقوال والأفعال والأفكار ما في يسوع المسيح. ويصبح هذا الإنسان رائحة المسيح الطيّبة وهو هيكل للرُّوح القدس: «قلت عنكم أنّكم آلهة» يقول الكتاب المقدّس.

 

 


 هو البارقليط المحامي
الرّوح القدس هو المحامي والمدافع أيّ «البارقليط» والكلمة يونانيّة الأصل وهي تعني مَن يدافع في المحكمة. وهو المعزّي والملهم (يوحنّا 15/ 26).


إنّه الحبّ بين اللآب والابن «وحركة» العطاء المتبادل بينهما.

 (منطق الثالوث) الأب هنري بولاد اليسوعيّ، دار الشرق بيروت 2012 ص35)

 

إنّه حركة الانبثاق أي تحقيق العطاء والمحبّة إنّه المنبثق من الآب والابن وهو الأقنوم الإلهيّ الثالث.


أمّا كلمة «أقنوم» فتعني «شخص» وهو يعمل فينا وهو قوّة رجائنا بمستقبل تجسد نعمه في البشريّة «المحبّة والفرح والسّلام وطول الأناة واللّطف والصّلاح والأمانة والوداعة والعفاف» (غلا: 5 ـ 22،23) وبه يبدأ عالم جديد لأنّه هو الذي يجدِّد كلَّ شيء.

 


وهو يعمل في الإنسان ويمكث فيه ويعمل به «ولا أحد يستطيع أن يقول: يسوع ربّ، إلّا بالرّوح القدس» (اكو 12: 3) والرُّوح القدس «يصرخ فينا» (غلا 4:6) وهناك فرق كبير بين النفس والرّوح (مزمور 104).
(معجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق الطبعة السابعة ص386).
 

 

الرّوح يعمل ليولد كلّ شيء وهو الحياة الجديدة في يسوع.
 

الآب أرسل ابنه الوحيد في ملء الأزمنة فأحيانا بصلبه وموته وقيامته وأفاض علينا الرّوح القدس، روح النبوَّة وهو منبثق من الآب والابن وهو ينبوع المواهب الإلهيَّة وواهب الحياة للجميع الرُّوح القدس هو البارقليط الذي تكلّم قديمًا في الأنبياء وفي آخر الأزمنة بالرُّسل، هو «مقدِّس الكنائس وملك الخدم الإلهيَّة، وواهب الكهنوت ومتمِّم المعموديَّة، ومحلل الأسرار وغافر الخطايا، هو ذخيرة البنين روح الحقِّ والحكمة والفهم والمعرفة والمخافة الحسنة.

 (كتاب القدّاس الماروني ص 422).

 


هاءنذا يا ربّ أرسلني لأشفيَ القلوب الكسيرة وأعمّد الشعوب باسمك وأحمل رسالة المحبَّة والسَّلام والمغفرة والفرح والرَّجاء.


ما أجمل أن أنهي هذه الأفكار عن الرُّوح القدس بهذه الصَّلاة من الطقس المارونيّ:

 

 «آب والد وابن واحد مولود حقّ من إثنين روح قدس هلّ انبثق آب عقل، ابن كلمة، روح صوت في التثبيت والتوحيد ربّ مُطلق» (كتاب القدّاس المارونيّ صفحة 422)

 


فتعالَ يا واهب الفهم والقوَّة والتقوى ومخافة الله والعلم والمشورة، ولتغمر فيها نعمك وثمارك المحبّة، الفرح السَّلام طول الأناة اللّطف الصَّلاح الأمانة الوداعة وضبط النفس.

 


هلمَّ أيُّها الرُّوح القدس يا معزّي الحزانى أضرم ما كان باردًا، إشفِ ما كان معلولاً، طهِّر ما كان دنسًا، اسقِ ما كان يابسًا.


يا ينبوعًا محييًا ونارًا ومحبّة ومسحة روحيَّة، يا مغني الحناجر بالنطق والإرشاد، يا مضيء الحواس بالنّور وساكبًا المحبّة بالقلوب، ومشدِّد ضعف الأجساد بقوَّته.


أعطنا معرفة بها نعرف الآب ونعلم ونحبّ الابن ونؤمن كلّ حين أنّك روح كليهما وارث حالّ فينا لتعطينا السَّلام والفرح والمحبّة والقوَّة والرَّحمة والحنان والرَّجاء والمصالحة والمسامحة.


أيّها الأقنوم الحيّ في ثالوثيّة ووحدة الله الآب والابن والرُّوح القدس.

 

بقلم البروفسور الأب يوسف مونس