الصَّليب طريق المجد

 

 

 

 

 

الصَّليب طريق المجد

 

 

يُقابل القدّيس بولس بين الحكمةِ والجهالة في مفهوم الله والعالم من خلال قوَّة الله التي تجلّت على الصّليب، فيقول بأنَّ الصّليب الذي هو جهالة بالنسبة إلى الهالكين، أي الحُكماء والفهماء، الذين يستندون فقط على العقل والمنطق البشريّ، وعند المخلّصين فهو "قوَّة الله وحكمة الله".(1 كور 1/ 18)

 

أمام منطق البشر الذين يستندون على العقل فقط لإدراك ما يريدون فهمه (اليهود يطلبون الآيات، واليونانيّون يلتمسون الحكمة)، يُنادي القدّيس بولس بمسيحٍ مصلوب "عثارًا لليهود وجهالة للأمم". قد ورد في العهد القديم، أنَّ الله سوف يُبيد حكمة الحكماء ويرذل فهم الفُهماء.

 لذلك راح القدِّيس بولس يتساءل أمام منطق المصلوب، واعتبر أن مُستجهَل الله هو أحكم من الناس والمُستضعَف عنده أقوى منهم. هو منطق يقلب المقاييس بالنسبة إلى الحُكماء في نظر أنفسهم، والفهماء بمنطق عقولهم، والباحثين في أمورِ هذا الدهر الذين يجهلون عالم الله. يدعو القدِّيس بولس إلى الافتخار بالرَّبِّ الذي جهَّل حكمة هذا العالم من خلال ارتفاعه مصلوبًا. يُمكننا أن نرى من خلال هذا الفصل بين الناس: مَن يتمسَّكون بحكمة هذا الدهر، ومَن يُعلنون حكمة الله، تغيير مسار بولس من الفرّيسيّ القديم إلى المُبشِّر بحكمة الله التي تجلّت على الصليب، أي بيسوع الذي صار لنا من عند الله: حكمةً وبرًّا وتقديسًا وفداء.

من جهَّة أخرى، يشرح يوحنّا (12/ 20-32) كيف أنَّ الصّليب هو "طريق المجد"، وذلك عندما سُمع من السّماء: "قد مجَّدتُ، وسأمجِّد". فبعد أن شبَّه يسوع نفسه بحبَّة الحنطة، التي وإن ماتت صارت حبَّات- دلالة على موت يسوع الذي يجمع كلَّ الشعوب في شعب واحد وجب على الإنسان أن لا يُحبَّ نفسه أكثر من الله لئلاّ يفقدها، وإن أبغضها حفظها لحياة أبديَّة.

هذا الخيار بين منطق العالم ومنطق الله هو سبب كافٍ للخلاص، والعكس للهلاك.

هذا الإعلان لموت حبَّة الحنطة هو دلالة على موت يسوع من خلال ارتفاعه على الصَّليب الذي جعل طبيعة يسوع الإنسانيّة في قلقٍ ورضوخٍ لمشيئة الآب الذي استغاث به، فأتى التشجيع من هتاف السماء لكلِّ الحاضرين وليس ليسوع. قلق يسوع أمام الموت، كصلاة يسوع في جبل الزيتون عند الإنجيليِّين، هو تأكيد على تخطّيه رهبة الموت بسبب تتميمه إرادة الآب، فهو لهذا أتى... لهذا صرخ: "أيُّها الآب مجِّد اسمكَ..." فالله الآب الذي جاد بابنه حبًّا للبشر سوف يمجِّده عندما يُقيمُه من الموت إلى المجد حيًّا.

فالصَّليب، كما تُعلّمنا الكنيسة، هو طريق لاتّباع يسوع المسيح بالرّغم من كلِّ المضايق، أي طريقنا إلى القداسة، ومنبع كلِّ الأسرار المقدِّسة.

 لذلك نبدأ ونُنهي نهارنا برسمِ إشارة الصَّليب الذي يحمينا من التجارب والصعوبات، ونتسلّح به في ليلنا بعد انتهاء يومنا لنشكر الله على نعمة الفداء والخلاص التي حقّقها الابن على خشبة الصَّليب. فهو، أي الصَّليب، من خلال رسم إشارته على جباهنا مصدر بركة من الله لكلِّ يومنا وحياتنا.

 

الإنتظار والتحرُّر

عيشُ الانتظار "النهيّويّ" لا يشمل انتظار المسيح الآتي بالمجد وحسب، إنّما أيضًا إنتظار إعلان البنوَّة الإلهيَّة الكاملة في شخص الإنسان المؤمن. منذ بداية نص القدِّيس بولس لروما (8/ 18-27)، يذكّر أنَّ آلامَ الوقت الحاضر الذي يعيشه المؤمن على هذه الأرض لا تُقاس بالمجد الذي "سوف يُعلَن فينا". بعد تلك الآية الأولى من النصّ، يبدأ القدّيس بولس بوصف انتظار التبنِّي في حياة المؤمن الذي يشمل الأنين والمخاض والألم ولاسيّما الصبر.

هذا التبنِّي المُنتَظَر هو إعلان مجد أبناء الله الذي يُبدِّل مفهوم العالم الذي خُلِقَ من أجلِ الإنسان، ليُصبح شريكًا في مجد "أبناء الله".

هو دعوة للتحرُّر من عبوديَّة الفساد بسبب الإنسان الخاطئ بغية الوصول إلى الخلاص الذي يشمل ليس فقط الإنسان إنّما أيضًا كلّ الخلق المادّيّ... فبعد الخضوع للباطل أي مُعاكسة إرادة الله، سوف يستعيد الإنسان بفضل "باكورة الرّوح" أي الرّوح القدس الذي ناله، كلَّ الفداء لروحه وجسده باستحقاق صلب يسوع وموته وقيامته وكذلك سوف يُخلّص كلُّ الخلق بالمسيح الحيّ المُمجَّد.

وبالتالي تتمخَّض الخليقة والإنسان فيها بانتظار الفرج من هذا الضيق. لذلك، يُشدِّد القدِّيس بولس على الرَّجاء غير المنظور الذي ننتظره بصبرٍ، أي ننتظر تحقيقه الكامل فينا من خلال خلاصنا النُّهيويّ، أي خلاصنا الذي بدأ فينا وننتظر كماله في الزمن الأخير.

 

أمام هذا الانتظار، يدعونا القدِّيس بولس للصَّلاة كما ينبغي ضمن هذا الإطار. وإن كنَّا لا نعلم كيف نُصلّي، فالرّوح القدس يُنجـِدُ ضعفنا ويشفع فينا "بأنّاتٍ لا تُوصَف" لأنَّه  يشفع وفق الله والقدِّيسين. في هذا الإطار ما مفهوم الصّلاة؟ وكيف نُصلّي؟

فعندما نعيش مع وفي الكنيسة انتظار تحقيق ملكوت الله الذي يطال فداء الإنسان وكلِّ الخليقة، لا بُدَّ لنا من الالتجاء إلى الصّلاة لكي نتخطّى بصبرٍ أنين هذا الدهر ونلوذَ بالصلاة على رجاء تحقيق هذا الفداء.

 نحن مدعوّون إلى النظر إلى ذواتنا أمام الله، وهذا كافٍ لاكتشاف رحمة الله لنا وصرف النظر عمَّا هم عليه الآخرون: فالعيش أمام الله ومعه يأخذ بمجامعنا، فلا نجد وقتًا لمُراقبة الآخرين.

تتنوَّع الصَّلاة بحسب تعليم الكنيسة من صلاة الطلب، إلى صلاة الشفاعة، فإلى صلاة الشكر وصلاة المديح. ففي صلاة الطلب، نطلب المغفرة في سبيل السعي إلى الملكوت؛ وفي صلاة الشفاعة نقترب من صلاة يسوع ونفكّر بالآخرين باعتبار أنّنا لا نُصلّي فقط من أجلنا بل أيضًا من أجل الآخرين؛ في صلاة الشكر، نمجِّد الله على كلِّ شيء ونشكره على كلِّ عطاياه ويتحقّق ذلك فعليًّا في الإفخارستيَّا؛ أمَّا في صلاة التسبيح، فنشكر ونعترف بأنّ الله هو مصدر كلِّ خير في حياتنا. لذلك نُحبُّه بإيمان ونرجوه بثقة قبل أن نلتقيَه بالمجد.

 

إدراك الإصغاء

في منطق الدهر الآتي، والذي يتناقض مع هذا الدهر، يسطع ضياء إنجيل مجد المسيح الذي يدعونا القدِّيس بولس إلى إعلانه ونحن بعد هنا، على هذه الأرض. هذا هو موضوع اعترافنا المسيحيّ أو شهادتنا اليوميَّة لجعل ملكوت الله على هذه الأرض كما هو في السّماء. يكون ذلك، بعد إشراق الله في قلوبنا فنستنير بضياء مجده من خلال وجه المسيح الذي هو "صورته". يسطع نور وجهه كـ"السراج" على منارة، أي أنَّ كلمة الله يجب أن تُنيرَنا وتجعلَنا منارةً لمن حولنا، لأنَّ المكتوم يجب أن يُعلم ويُعلن. يتمُّ ذلك من خلال كيفيَّة الإصغاء إلى كلام الله في حياتنا لأنَّ مَن لم يُصغِ يُؤخذ منه ما يظنُّه أنَّه له: أي يخسر الله وكلمته يسوع المسيح.

لإدراكِ هذا الإصغاء بمعناه الإيجابيّ، يشرح لوقا معنى القُربى الحقيقيَّة من خلال سماع كلمة الله والعمل بها. مَن هُم أمِّي وإخوتي؟ هو سؤال في جواب عن الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها وفي مُقدَّمتهم: أمُّه وإخوته (لو 8/ 16-21). فقد ورد عند الإنجيليّ متّى ما يُبرِّر هذا القول من خلال إشارته إلى العمل بمشيئة الآب، يصبح كأمِّه وإخوته.

 فمن خلال سماع كلمة الله والعمل بها وتطبيق مشيئة الله، تُصبح صورة مريم العذراء، أمّ الله، نموذجًا لسماع الكلمة والعمل بموجبها. فالاستنارة بنور الإنجيل والعمل فيه، يُحقّقان معنى القُربى من الله، أي مدى الاقتراب منه كما صاحت مريم "إنّي أمَة الله ليكُن لي بحسب قولك". من خلال  شهادتنا، نأخذ مريم مثالاً ونموذجًا في الاستنارة بكلام الله والعمل به في سبيل تحقيق بنوَّتنا الحقيقيَّة لله ولأمِّه البتول التي هي صورة الكنيسة المُتجدِّدة عندما تردِّد معها: "تُعظّم نفسي الربّ"، أي عندما تعترف بكلِّ "العظائم" التي يُغدقُها الله باستمرار عليها حتّى يسطع فيها المسيح ربًّا.

إذا كان الله قد أصبح إنسانًا من نسلِ داود ليُخلّصَ بني البشر، فالتلميذ الحقيقيُّ هو الذي يتواضع أمام الله ويقبل كلَّ شيء في سبيله من خلال عيش الخدمة، وليس فقط في مفهوم الخدمة، إنّما في سبيل افتداء الجميع، أي نقل بشارة المسيح لكلِّ إنسانٍ من دون التوقّف عند الاعتبارات الدنيويَّة في مفهوم التسلّط أو التعالي.

 

الأب إلياس جمهوري