الكنيسة تحيا الإفخارستيّا

 

 

 

 

الكنيسة تحيا الإفخارستيّا

 

يوم خميس الأسرار، سنة 2003، ظهرت رسالة عامّة، هي الرّابعة عشرة، للبابا يوحنّا بولس الثاني عنوانها: الكنيسة تحيا من الإفخارستيّا.

 

قدَّم الكردينال دانيلس (رئيس أساقفة بروكسل، بلجيكا) هذه الرّسالة فقال: هذه الرّسالة لها نكهة خاصّة: رافقت يوبيل البابا الذهبي، لهذا إنطبعت بالطابع الشخصيّ. والإفخارستيّا هي نواة إيماننا، وقلب ليتورجيّتنا، والينبوع الذي منه نحيا.

 

الإفخارستيّا غنيَّة جدًّا، وهي تتضمَّن عددًا من الوجهات، بحيث ما استطاع أيُّ عصر أن يكتشف كلّ هذا الغنى في نظرة واحدة. فكلّ عصر له زاويته للتأمّل في "سرّ إيماننا". وهذه الزاوية تبقى محدودة، فتشدّد على أمرٍ وتترك أمورًا أُخرى في الظلال. فلا بدَّ من الإحاطة بكلّ وجهات النظر. وهكذا يدعونا قداسةُ البابا إلى أن نحيط بسرّ الإفخارستيّا من كلّ جوانبه.

وهناك، في شكل خاصّ، وجهتان نستطيع منهما أن ننظر إلى الإفخارستيّا. نجد الأولى، في صورة رئيسيّة، في المجمع التريدنتيني (1545 - 1563). والثانية، في المجمع الفاتيكاني الثاني الذي إنتهى سنة 1965).

 

إن توقّفنا عند مجمع ترنتو، نرى بشكل خاصّ ملء الحضور الواقعيّ لجسد المسيح ودمه، ودور الكاهن الذي لا يٌستغنى عنه. نرى الإفخارستيّا، لا كوليمة وحسب، بل كالذبيحة الحقيقيّة التي فيها يقدّم يسوعُ ذاته للآب، ويقدّمنا نحن معه وفيه. ونسمع دعوة واضحة لعبادة الإفخارستيّا خارج الإحتفال بالقدّاس. هي أُمور ننساها في أيّامنا. فكان مجمع ترنتو الذي إهتمّ كثيرًا بذبيحة المسيح على المذبح.

 

أمّا فاتيكان الثاني فهو قريب منّا ويوافق إحساسنا وتطلّعاتنا اليوم. فالإفخارستيّا هي وليمة العيد، وتجمّع الأخوة والأخوات، وإحتفال يشارك فيه الكاهنُ والجماعة، وينبوع الإلتزام الخلقيّ والإجتماعيّ، وموضع خلْقٍ يتمّ في الفرح، وتعبير عن الجماعة الكنسيَّة المحليَّة التي ننتمي إليها. وهكذا إهتمَّ فاتيكان الثاني إهتمامًا خاصًّا بالمؤمنين الملتئمين حول المذبح، إهتمَّ بالجماعة الكنسيَّة.

 

ويدعونا قداسة البابا لكي نحيط بجميع الجوانب، فلا نلتصق في موضع واحد. فقد نشدّد على نظرة مجمع ترنتو فنفصل العبادة الإفخارستيّة عن الإحتفال بالقدّاس. وقد نتبع فاتيكان الثاني فنُبرز العلاقة بين الإحتفال والجماعة بحيث ننسى أنّ الإحتفال الإفخارستي يخصّ الكنيسة الجامعة، وليس ملكًا لهذه الرعيّة وحدها. ثمّ يجب أن تكون هذه المشاركة ملموسة في الأمانة للقواعد اللّيتورجيّة ولتنظيم الإحتفال بحسب الكنيسة: لا نستطيع أن نفعل ما يلائم هذا الموضع وهذا الزمان دون أن نبالي بالآخرين. وجماعة تأخذ الموقف الذي تريد فتستقلّ، هي حجر ينفصل عن الكوكب المشعّ، قد تحمل بعض النّور لوقت محدود، ولكنّها في النهاية تصبح حجرًا ميتًا، يتفتّت في الهواء ولا يبقى منه شيء يُذكر.

 

ما هي العناصر التي نكتشفها في هذه الرّسالة البابويّة؟

 

1- العطاء

 

جمع قداسة البابا كلّ فكره حول العطاء. فهذا اللّفظ يتوزَّع مجمل النصّ ويمنحه وحدته في العمق. والعطاء هنا ليس فقط صفة خلقيّة أو نداء وإرشادًا، إنّه في قلب الإيمان الثالوثيّ، قبل كلّ شيء نحن أمام عطاء الابن لأبيه، عطاء الرّوح للبشر.

 

فالإفخارستيّا ليست "عطاء" بين سائر العطاءات. إنّها العطاء العطاء لأنّها عطاء الربّ نفسه. "لا نستطيع القول فقط أن كلّ واحد منّا يتقبّل المسيح، بل أيضًا أنّ المسيح يتقبّل كلّ واحد منّا".

 

هذه الديناميّة تقود الكنيسة نفسها إلى أن تحيا على ضوء العطاء وأن تتجنَّد من أجل الرّسالة. في هذا الإطار، تُدعى حياةُ كلّ إنسان لكي تصير "إفخارستيّة"، أي حياة معطاة على مثال مريم التي هي، بكلّ حياتها"، امرأة إفخارستيّا".

ما من نصّ سابق لهذه الرّسالة شدّد كما شدّد هذا النصّ على البعد الثالوثيّ للإفخارستيّا.

 

هنا لا بدَّ من العودة إلى التاريخ. فعلى مدّ العصور، في الكنيسة اللاّتينيّة، فقد لاهوتُ الرّوح القدس الكثير من أهميّته. فسيطرت الكريستولوجيّا (أو النظرة إلى المسيح) على مجمل الحقل الإكليزيولوجي والأسراريّ. فما عاد السرّ يتطلّع إلاّ إلى المسيح. ثمَّ نلاحظ أنّ العودة إلى العنصرة في الكلام عن ولادة الكنيسة، صارت نادرة. فهي وُلدت من جنب المسيح على الصّليب. لا شكَّ في أنّ هذا الموضوع تقليديّ، ولكن كان هناك عدمُ توازن لاهوتيّ يُشدّد على عمل الابن وينسى بعض الشيء عمل الرّوح.

 

أمّا رسالة البابا يوحنّا بولس فقالت: "إنَّ المسيح، عبر المشاركة في جسده ودمه، يعطينا أيضًا روحه".

 

ويورد مار أفرام الذي لا يخاف من أن يحثّ المسيحيّين فيقول: "خذوا وكلوا منه كلّكم، وكلوا معه الرّوح القدس". "ما نتقبّل في المناولة هو عطاء المسيح وروحه".

 

وتُذكر دعوةُ الرّوح القدس، وإن بشكل سريع، دون أن يقود هذا الذكر إلى التشديد على عمل الرّوح في "تحوّل" الخبز والخمر إلى جسد الربّ ودمه. أمّا الأصل الثالوثيّ للكنيسة، فقد ذكره البابا مرّتين وبوضوح: "إذا كانت الكنيسة رأت النّور، بعطيّة الرّوح، في العنصرة، وإنطلقت في طرقات العالم، فمن المؤكَّد أنّ تأسيس الإفخارستيّا، في العليّة، هو وقت حاسم لتكوينها". وأيضًا: "فالعمل الواحد واللامنقسم الذي قام به الابن والرّوح القدس، الذي هو في أصل الكنيسة وتكوينها ومتانتها، هو الفاعل في الإفخارستيّا".

 

 

2- البعدُ الكونيّ

 

ونكتشف نقطة هامّة في هذه الوثيقة البابويّ: البعدُ الكوني للإفخارستيّا. هي صفحة رائعة تلتقي مع اللاهوت الشرقيّ: "إنَّ الأطر المختلفة لإحتفالاتنا الإفخارستيّة تجعنلي أشعر بطابعها الشامل، بل الكونيّ. أجل، الكونيّ! فالإفخارستيا وإن إحتُفل بها على مذبح صغير في كنيسة ريفيَّة، يُحتفل بها دومًا، وفي معنى من المعاني، على مذبح الكون. فهي الرّابط بين السّماء والأرض. وهي تضمّ الخليقة كلّها وتُخصيها... هو حقًّا سرّ الإيمان يتحقّق في الإفخارستيّا: فالعالم الذي خرج من يَدَي الله الخالق، يعودُ إليه بعد أن إفتداه المسيح".

 

هذا الإنفتاح الكوني الذي يذكّرنا بتيلار دي شاردان، يجد كلّ مداه في البعد الإسكاتولوجيّ للإفخارستيّا. هو موضوع تقليديّ يذكّرنا بتعليم القدّيس بولس: "ننتظر مجيئك في المجد" (1 قور 11/ 26).

 

3- الإسكاتولوجيا الإفخارستيّة

 

قدّمت وثيقة البابا نظرة شاملة، غنيّة ومنبّهة، للإسكاتولوجيا (كلام عن النهاية ومجيء المسيح) الإفخارستيّة بشكل ثلاثة تذكيرات هامّة.

 

الأوّل، "الإفخارستيّا هي إنشداد إلى الغاية". هي منذ الآن، "إستباق للفردوس" وفي الوقت عينه "عربون المجد الآتي".

 

 من هذا القبيل نقول إنَّ الإفخارستيّا سرّ الإنتظار.

 

الثاني، "تعبّر الإفخارستيّا وتؤكّد المشاركة مع كنيسة السّماء". فهي توحّدنا مع اللّيتورجيّا السّماويّة: "هي حقًّا زاوية من السّماء تنفتح على الأرض".

 

 وهكذا تلتقي هذه الرّسالةُ مع اللاّهوت الشرقيّ: تتألّف الحركة المستمرّة لليتورجيّا من إستعداد في تاريخ الخلاص الطويل وعطيّة الرّوح، من إرتفاع ونزول، من عيد الصّعود إلى عيد العنصرة.

 

الثالث، أدخلتنا هذه الرّسالة في تفكير حول الخلقيَّة الإفخارستيّا: فالإنشداد الإسكاتولوجيّ  لا يدعونا إلى الهرب أو اللامبالاة، بل هو يحرّكنا.

 

كتب يوحنّا بولس الثاني: "هو يعطي دفعًا لمسيرتنا في التاريخ... هو لا يُضعف الحسّ بالمسؤوليّة تجاه أرضنا، بل يقوّيه... ويتضمَّن إعلان موت الربّ إلى أن يأتي (1 قور 11/ 26)، بالنسبة إلى الذين يشاركون في الإفخارستيّا، إلتزامًا بأنّ يحوّلوا الحياة لكي تصبح، في شكل من الأشكال، إفخارستيّا".

 

 وبكلام آخر، الحياة الإفخارستيّة تتجاوز كلّ التجاوز الإحتفال اللّيتورجيّ. "فلا بدّ من العمل، على ضوء الإنجيل، عالم يكون على قياس الإنسان ويتجاوب ملء التجاوب مع مخطّط الله".

 

4- مكانة مريم

 

تضمَّنت هذه الرّسالة فصلاً أخيرًا عنوانه: في مدرسة مريم، المرأة الإفخارستيّا.

 

هنا يعبّر قداسة البابا عن حرارة حبِّه لمريم بشكل لم نقرأه في الوثائق البابويّة. ففي قلب هذا التفكير نقرأ العلاقة بين مريم والإفخارستيّا والمسيحيّين. شهدت مريم، خلال حياتها كلّها، على موقف إفخارستيّ مكوَّن من الإيمان والتضحية والتقبّل والمديح والشّكر. لهذا يدعونا يوحنّا بولس الثاني إلى قراءة نشيد التعظيم (تعظّم نفسي الربّ) في منظار إفخارستيّ: "إذا كان نشيدُ التعظيم يعبّر عن روحانيّة مريم، فلا شيء يعيننا على عيش السرّ الإفخارستيّ مثل هذه الرّوحانيّة. فالإفخارستيّا تُعطى لنا لكي تكون حياتُنا كلّها، مثل حياة مريم نشيد تعظيم".

 

وتشدّد رسالة البابا على "الذبيحة" في الكلام عن الإفخارستيّا. وهذا أمر تقليديّ في الكنيسة الكاثوليكيّة منذ المجمع التريدنتيني. ولكن الإفخارستيّا ليست ذبيحة وحسب. لهذا قال البابا: "إنّ عطاء المسيح وروحه يرفع خبرة الأخوّة الملتصقة بالمشاركة في ذات المائدة الإفخارستيّة، إلى مستوى أرفع من مستوى خبرة تعايش بشريّ بسيط".

 

ترك البابا الكلام عن ليتورجيّة الكلمة، التي هي جزء لا يتجزّأ من الإحتفال الإفخارستي، لأنّه أراد التشديد على توازن لاهوتيّ ورعائيّ مهدّد في الكنيسة:

 

"يبرز بعض المرّات فهم محصور جدًّا للسرّ الإفخارستي. حُرم من قيمته الذبائحيّة فعاشه المؤمنون وكأنّه فقط لقاء أخويّ بين مدعوّين". هنا لا بدّ من جمع "مائدة الكلمة مع مائدة جسد المسيح" كما قالت وثيقة الوحي الإلهي في المجمع الفاتيكاني الثاني. وقال الدّستور في اللّيتورجيّا: "ترتبط ليتورجيّة الكلمة واللّيتورجيّة الإفخارستيّة فيما بينهما إرتباطًا وثيقًا جدًّا بحيث تشكّلان عمل عبادة واحدًا".

 

وبالنسبة إلى الخدمة الإفخارستيّة، ذكّرت الوثيقة بسلطة التقديس، التكريس.

 

 تجاوز فاتيكان الثاني نظرة المجمع التريدنتيني الدّفاعيّة فأبرز واجبات الكاهن الثلاثة: خدمة الكلمة. خدمة الأسرار. العمل الراعويّ.

 وقد شدّد البابا يوحنّا بولس الثاني في رسالته "أعطيكم رعاة" (سنة 1992) على ضرورة الخدمة المثلّثة: الأسرار، الكلمة، خدمة المحبّة. فما يعطي المعنى لخدمة الكهنة ليس فقط ذبيحة القدّاس، بل تجمّع شعب الله. لهذا، ذكر يوحنّا بولس الثاني بأنّ المجمع رأى في المحبّة الراعويّة، "الرابط الذي يوحّد حياة الكهنة ونشاطهم". مثل هذا التذكير هام جدًّا في عصر يقلق فيه الكهنة حين يرون الخطر يهدّد وحدة حياتهم وخدمتهم. أجل، عملُ الكاهن لا ينحصر في الإحتفال بالإفخارستيّا. بل تكون حياته كلّها إفخارستيّا وعطاء.

 

 

وأعلنت رسالة البابا أنّ "خدمة الكهنة... تدلّ على أنّ الإفخارستيّا عطاء يتجاوز تجاوزًا جذريًّا سلطة الجماعة". هنا نلتقي مع مجموعة "دومب" والوثيقة حول العماد والإفخارستيّا والزواج.

 

ولكن لا ننسَ أنّ الجماعة تبقى الفاعل الأوّل في الإحتفال كما قال المجمع الفاتيكاني الثاني في الدستور حول اللّيتورجيّا.

 

 ولا شكّ في أنَّ خادم السرّ يقف تجاه الجماعة، ولكنّه في الوقت عينه عضو في الجماعة. على ما قال القدّيس أوغسطينس: هو أسقف وراعٍ. وهو في الوقت عينه مؤمن بين المؤمنين.

 

 

الخوري بولس الفغالي