المسيح يقدّس أجسادنا

 

 

 

المسيح يقدّس أجسادنا

 

1ـ الإفخارستيّا تروحن أجسادنا

 

جسد المسيح

لقد اتّخذ كلمة الله جسدًا بشريًّا حقيقيًّا في أحشاء العذراء مريم، وهذا الجسد مع كونه شبيهًا بجسدنا فقد احتوى الألوهة. وأعلن يوحنّا البشير ذلك، قال: "ذاك الذي كان منذ البدء، ذاك الذي سمعناه، ذاك الذي رأيناه بعينينا، ذاك الذي تأمّلناه، ذاك الذي لمسته أيدينا، من كلمة الحياة، لأنّ الحياة تجلّت فرأيناها، ونشهد لها" (1 يوحنا 1، 1 ـ 2).

فالجسد البشريّ الذي بدا لنا ضعيفًا، معرّضًا للآفات، أصبح قادرًا أن يكون مركزًا لمن هو اللامتناهي، والقدير، والأبديّ. فكانت حركات هذا الجسد هي حقًا حركات الله، ونظراته نظرات الله، وكلامه وصوته يعبّران عن فكر الله، كما كانت نبضات قلبه تنمّ عن محبّة الله.

 

جسد المسيح الممجّد

ولا شكّ في أنّ جسد المسيح أثناء حياته الأرضيّة، كان يكشف عن اللاهوت بقدر ما كان يحجبه عن أنظار الجماهير. وبقي هذا الجسد هو هو بعد القيامة، غير أنّه فقد كثافته ووزنه، وأصبح يُظهر تمامًا الألوهة بدون أية مقاومة. فما عاد يعرف التعب، ولا الجوع، ولا العطش، ولا الألم، ولا الموت. لقد أصبح جسد المسيح جسدًا ممجَّدًا. وهو يمتلك هذا المجد، لا ليحتفظ به لنفسه، بل ليمنحه لأجسادنا. وبما أنّه جسد ممجّد، صار باستطاعتنا أن نشترك في مجده.

 

الإفخارستيّا تقرن جسد المسيح الممجّد بجسدنا الفاني

إنّ جسد المسيح الذي نتلقّاه في الإفخارستيا هو حقًا الجسد المولود من العذراء، ولكنّه بنوع خاصّ، الجسد الذي "وضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصَّليب. لذلك رفعه الله" (فيليبي 2، 8). ففي الإفخارستيا نتّحد بجسد المسيح الممجّد. وإذا كان المسيح يأتي إلينا في وضعه الممجّد، فليس ذلك لكي يسكن فينا بضع لحظات، أو ليمنحنا التعزية فقط، بل لكي نعيش معه هذه اللّحظات بصورة حميمة جدًا. فالمسيح عندما يحضر، يعمل فينا ليمدّنا بما هو عليه. فهو يقرن جسده الممجّد بجسدنا الفاني، ليُشركنا بمجده الذاتي.

 

الإفخارستيا تقدّس أجسادنا

إنّ جسدنا هو مصدر الميول الشهوانيَّة. ففيه تكمن قوى غامضة مناهضة للرُّوح. ويعترف العلماء في أبحاثهم عن سرّ الإنسان بتأثير الميول والشهوات على حياتنا، ونشاطاتنا المختلفة. ولكن ليس المقصود من ذلك إلغاء هذه الميول البدائيَّة، بل توجيهها لكي تكون لا في خدمة إرواء النزوات الأنانيَّة وإنّما في خدمة المحبّة. ففي هذا الاتجاه بالذات يقوم عمل المسيح في الإفخارستيا. فالقوى العاملة فينا تتقدّس تدريجًا باتصالها بجسد المسيح الأقدس، وهذه القوى لا تتلاشى ولا تضعف بل تحتفظ بفاعليتها وتعمل في خدمة الحياة الحقّة والمحبَّة. ومثلها كمثل سيل جارف، فهو لا يفقد قوَّته عندما يحبس ماءه أشخاص أذكياء، ويبنوا في وجهه سدًّا منيعًا. فالواقع هو العكس، فالسيل يزداد قوَّة، وتُستغل قوَّته لتوفير النُّور ولخدمة البشر.

 

الإفخارستيّا تقوّي أجسادنا

 

 ثقل الجسد

غالبًا ما يمنعنا الكسل الجسديّ عن القيام بعمل أو نشاط، كما لو كان الجسد يقاومنا في إنجاز أعزّ مشاريعنا. هكذا لا بدّ من أن ننهض باكرًا ونتجشّم متاعب الأسفار الطويلة والسير تحت الشمس المحرقة أو تحت المطر، ولا بدّ من القبول بعدم الرفاه، والأكل والشرب بقناعة، ولا بدّ من عدم الاكتراث بصداع مزعج. وفي أثناء الأسبوع، نتعرّض مئات المرَّات إلى الاستسلام لمطالب جسد يحبّ الرَّاحة والرفاهيَّة. ونحن باستسلامنا على هذا النحو نخون دعوتنا الإنسانيَّة والمسيحيَّة.

 

جسد المسيح، خادم أمين

وجد المسيح دومًا في جسده خادمًا أمينًا، ولا يمكننا التصوّر أنّ المسيح بدافع الكسل يعدل عن الانطلاق من أجل اعلان البُشرى لمعاصريه. فكان يجوب أنحاء فلسطين طولًا وعرضًا، ويتحمّل حرّ الصيف وبرد الشتاء، ويقطع المسافات الطويلة وهو يعاني التعب والعطش. ولم يقف جسده قطّ حائلًا في وجه إتمام رسالته. وعندما اضطر أن يحمل صليبه، فقد حمله حتى النهاية.

 

أجسادنا تصبح طيعة للرُّوح

 ونحن عندما نتناول نتلقّى جسد المسيح الأمين هذا، ونستمدّ منه طاقته المقدّسة، فتتغلغل قوّته في جسدنا ودمنا وعضلاتنا ليصبح جسدنا أيضًا خادمًا أمينًا. وممّا لا شكّ فيه أنّ المناولة لا تزيد جسدنا قوَّة، ولكنَّها تجعله أكثر طواعيَّة لمطالب الرُّوح، فنصبح قادرين على إتمام رسالتنا على الأرض. فالقدِّيسون لا يتمتَّعون دومًا بصحَّة جسديَّة مميزة، ولكنّهم يحقّقون أعمالًا عظيمة، فيظنّ الناس أنّهم يمتازون بمقاومة جسديَّة فريدة. إنّ سرّ نشاطهم العجيب يكمن في الواقع في أن جسدهم، على غرار معلّمهم، لا يرفض العمل اليوميّ.

 

الإفخارستيّا تزرع أجسادنا بذور الخلود

 

الإفخارستيّا والحياة الأبديَّة

 إنّ المسيح القائم ما عاد يموت، بل أصبح محييًا. وقد قال لنا هو نفسه أنّ جسده مأكل حقًا، ودمه مشرب حقًا للحياة الأبديَّة.

وعندما يتحدَّث القدِّيس يوحنَّا عن الافخارستيّا، نراه يركِّز على الحياة الأبديَّة التي يمنحها هذا السرّ. ونلاحظ في إنجيله أنّ الإفخارستيَّا والقيامة مرتبطتان الواحدة بالأخرى ارتباطًا وثيقًا: "أنا خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المنّ في البريَّة ثمَّ ماتوا. إنّ الخبز النازل من السماء، هو الذي يأكل منه الإنسان ولا يموت. أنا الخبز الحيّ الذي نزل من السماء، من يأكل من هذا الخبز يحيَ إلى الأبد" (6، 48 ـ 51).

 

تكتسب أجسادنا الخلود بفضل هذا الغذاء الحقيقيّ الذي نأكله، وأي غذاء آخر هو فانٍ، ولا يقوِّينا إلّا لفترة قصيرة، ولا يقدر أن يحفظنا من الفساد. أمّا الافخارستيّا، فتغذينا بمن هو الحياة الأبديَّة، تنفخ في أجسدانا القدرة على القيامة.

 

 

الإفخارستيّا تنجينا في النهاية من المرض والموت

 

 لا تنجينا المناولة من المرض ومن الشيخوخة، فهذه الآفات هي مؤقتة، والموت ذاته يصبح مجرّد انتقال إلى حياة جديدة لن يعرف فيها الجسد الانحطاط أو الفساد. و تفعل الإفخارستيّا فينا، بعد الموت، فعلها التام، وسوف تعرف أجسادنا حينئذٍ شبابًا أبديًا.

 

 ويعرف المسيحيّ في هذه الحياة أنّ بذار الخلود تعمل في جسده، كما يعرف أيضًا أنّ هناك تجديدًا عجيبًا يتهيّأ له من خلال آلامه وأتعابه وشيخوخته. فتحت جسده الترابي، يتشكّل جسد ممجّد سيحيا يومًا في الحرية، على مثال الفراشة. فهي تتهيّأ تدريجًا في اليرقانة لتطير فجأة في السماء. والإيمان بذلك كلّه سوف يغيّر شكل حياتنا: "إذا كان الانسان الظاهر فينا سائرًا إلى الخراب، فالانسان الباطن يتجدّد يومًا بعد يوم. وأنّ الشدّة الخفيفة التي نحن فيها، وتُعدّ لنا قدرًا عظيمًا من المجد الأبديّ لا حدّ له" (2 قورنتس 4، 16 ـ 17).

 

 

 

2ـ بالزهد يُسهم المسيحيّ في عمل المسيح

 

التناول المقرون بالعمل

غير أنّ تأثير الإفخارستيا فينا لا يتمّ على الرغم منّا. فعلينا أن نتعاون مع المسيح ليصبح عمله فينا فاعلًا حقًا.

 

لا يكفي المسيحيّ أن يتناول بتواتر لكي يتقدّس جسده تدريجًا، بل عليه أن يكون تناوله دومًا بصدق وبطريقة عمليّة، أي أن يحاول طوال حياته أن يقهر جسده، ويتغلّب على ميوله الشريرة المتأصلة فيه، وأن يصبح قادرًا أن يفرض على جسده أعمالًا ينفر منها، وأن يمنع عنه ما يشتهيه من المتع. فكلّ ما يكمن فينا، يسعى إلى التفتّح والانشراح، الجسد والعقل، والجسد أشدّ عنفًا من العقل.

فالمسيحيّ يعرف حقّ المعرفة أنّ شخصيته لا تستطيع أن تنمو نموًّا كاملًا بدون نكران الذات.

 

 

الحاجة إلى الانشراح

يشعر كلّ شاب في قرارة نفسه بحاجة ملحّة إلى الانشراح، ويتطلّع إليه بشوق عارم. وانعدام هذه الحاجة في أحد الشباب يعني أنّه لا يحبّ الحياة. والانسان عندما يبدأ بوعي مواهبه وإمكاناته، يتطلّع إلى تحقيق كلّ ما يحلم به. ولذلك يرفض الشابّ تلقائيًا، ويبعد عن كلّ ما من شأنه أن يفقره أو يحدّ من رغباته وإمكاناته. وهذا موقف رائع ينمّ عمّا وضعه الخالق ذاته في كلّ كائن حي من حاجة إلى مزيد من الحياة. ويستجيب المسيح إلى هذه الرَّغبة الملحَّة عندما يقول: " قد أتيت لتكون الحياة للناس وتفيض فيهم" (يوحنا 10، 10). فلم يأتِ المسيح، ليقضي على الخليقة أو ليبتر طبيعتنا، إنّما أتى ليصلحها ويرمّمها ويعيد إليها بهاءها الأوّل.

 

 

ليس كلّ ما يجتذبنا إليه صالحًا

 

إنّ الرغبة في الانشراح الحقيقيّ مصدرها الله. غير أنّه يكمن فينا الأفضل والأسوأ. وما يكمن فينا، من الأفضل والأسوأ، يتطلّع عفويًا، وبصورة غامضة إلى الانشراح. فالرغبات التي تشدّنا إلى الأسفل كتلك التي تجتذبنا إلى أعلى تسعى إلى تحقيق ذاتها. والإنسان قادر أن يبحث عن متعته في الشرّ وأن يجد بعض النشوة في الخطيئة. وكثير من الناس لا يميّزون بين إشباع شهواتهم الجسديَّة وانشراح كيانهم واكتمال نموّهم.

 

ونحن لا نستطيع أن نتّكل على أنفسنا لندرك طبيعة الانشراح الحقيقيّ، لأنّ ما تنفر منه ميولنا قد يصبح مصدر انشراح حقيقيّ، وما نبترهُ من كياننا قد يجعلنا نرتقي إلى حياة حقّة. وهذا ما عناه يسوع حين قال: "إذا دعتك عينك إلى الخطيئة، فاقلعها، وألقها عنك" (متى 18، 9). ومفاد هذا القول أنّه لا بدّ أن ننقذ أفضل ما فينا حتّى وإن اضطررنا أن نضحّي بالباقي في سبيله. لقد كان الوثنيون أيضًا يريدون اتباع طبيعتهم، وتنمية طاقاتهم بحسب وجهة نظرهم، وما الأخلاق الوثنيَّة إلّا ثمرة طبيعة بشريَّة ترغب في توجيه ذاتها بدون نور الله، فتصبح والحالة هذه غير قادرة على التمييز بين ما يحييها وما يميتها.

 

 

في صورة الزهد

فالمشاركة في الحياة الإلهيّة تلاقي إذًا مقاومة في كياننا، حيث يظهر التواجد الشامل للخطيئة الأصليّة. فميولنا كلّها مزدوجة ملتبسة. إنّها مصدر اتّحاد مع الله، كما أنّها مصدر الخطيئة، إذ لا يوجد فينا شيء صالح تمامًا، فما نظّنه طاهرًا نقيًّا يتضمن دومًا ما يعكّر صفاءه. وعلينا أن نتطهّر من الفساد المستحكم فينا، الملاصق لطبيعتنا، حتى تنقذ فينا حياة الله..

فالمقصود أن نصوغ من ذواتنا أداة للمحبّة، ويتطلّب هذا جهدًا شاقًا في العمل على أنفسنا، وهذا الجهد هو الزهد.

 

الزهد يتناول الجسد بنوع خاص

فالزهد هو جهد لتقويم المعوج، فهو إذًا شاق، ويقوم على الامتناع عن أعمال تروق لنا، والإقدام على أعمال تؤلمنا. ولا يكون الزهد بالعواطف والأفكار، بل بأفعال ملموسة وممارسات دقيقة. لأنّ المرء يتوصّل إلى السيطرة على نفسه وصياغة ذاته بتكرار بعض الأفعال بصبر ومنهجية. ولهذا  السبب يتناول الزهد الجسد بنوع خاص، وبتأثيرنا على الجسد، نؤثّر أيضًا على النفس. يقول بولس الرسول: "أقمع جسدي وأذيقه العبوديّة" (1قورنتس 9، 27). ولذلك لم يخشَ تعب الأسفار الطويلة والحرمان والجوع والعطش، ولم يمنعه شيء من ذلك عن إعلان بّشرى الإنجيل.

 

نتيجة الزهد المسيحيّ

فبقدر ما نكون أسخياء في الزهد، بقدر ما نتحرّر ونصبح تحت تصرّف ما يريد المسيح أن يصنعه بواسطتنا. فليس المقصود من الزهد أن ننحت لأنفسنا تمثالًا، ونصبح نماذج بشريَّة جميلة، مفتولي العضلات، مسيطرين على ذواتنا، وموضع إعجاب الآخرين؛ وإنّما هدفنا أن نقضي على كلّ ما يعترض فينا إرادة الله، ونضع ملكاتنا وطاقاتنا في خدمة المحبّة. فالرياضيّ المفتول العضلات يُخضع نفسه للتقشّف والزهد، ليقوم بأعمال بطوليّة على الملعب؛ وهذا ما نصنعه نحن ليحقّق المسيح بوساطتنا أعمالًا عظيمة.

 

وهكذا نتشرّب تدريجًا رغبات المسيح بالذات، ويتحقّق فينا تغيير نفسيّ عميق، ويكلّ ميلنا إلى الرغائب البشريَّة، فنلتفت حينئذٍ تلقائيًا نحو ما يشعّ طهرًا ونزاهة وقوَّة.

 

 

الإفخارستيّا تروحن أجسادنا

 

تتروحن أجسادنا تحت تأثير الإفخارستيّا، وبمساهمة جهودنا الزهديّة السخيّة، فتصبح أداة للاتحاد بدلًا من أن تكون مركزًا للشهوات اللحميّة وحاجزًا بيننا وبين بقية الناس. فحركاتنا ونظراتنا ونبرات صوتنا تتغيّر عندئذٍ وتكشف للناس عن رغبتنا في أن نعيش عيشة أخويّة مع الجميع. والأشخاص الذين يتغذّون حقًا من الإفخارستيّا، يشعون إشعاعًا عجيبًا، وهم بمجرّد حضورهم يهدّئون روع من حولهم ويشجعونهم ويشرقون بوجههم عليهم. وحسبنا نحن أن نراهم ونسمع صوتهم لنشعر بأنفسنا أنّنا مشدودون إلى الله.

 

 

                                                            الأب  فيكتور شلحت اليسوعي