برهان على وجود المطهر من العهدين الجديد والقديم

 

 

 برهان على وجود المطهر من العهدين الجديد والقديم

 

 

برهان على وجود المطهر من العهدين الجديد والقديم

 

 

طلب منّا بعض الكهنة أن نذكر نصوص الكتب الإلهيّة المُثبّتة عذاب المطهر فرأينا سؤالهم يستحقّ الإجابة لأنّ الأمر محجوب عن أبصار الناس وأكثر طلبات المؤمنين وقداديس الكهنة لأجل الموتى وعليه نثبت ذلك.

 

 

 أوّلاً من قول بولس الرّسول ضدّ الذين ينكرون قيامة الموتى قائلاً "إن كان الموتى لا يقومون فماذا يصنع الذين يصطبغون من أجل الأموات. وإن كان الأموات لا يقومون البتّة فلماذا يصطبغون من أجلهم". (1كو 15/ 29).

 

كأنّه يقول إن كان الأموات لا يقومون فلماذا الحزن والبكاء لماذا لبس السّواد والعذاب وإن كانوا لا ينتفعون فلماذا المحافل والدّعوات ولماذا الجنّاز والرحمات ولماذا الزكاة والصدقات ولماذا الصّلوات والقداسات وإن كان الموتى لا ينتفعون من هذه الأفعال فلنا أن نقول بكلّ جرأة أنّه ليس أكفر وأعظم دينونة من الكهنة الذين يأكلون خبز الأيتام ورزق الأرامل لأجل الدعاء والصلاة. وقد قال الله "لا تظلموا الأرملة والقريب واليتيم". (زك 7/ 10).  وقال أيضًا "أغيثوا المظلوم وانصفوا اليتيم وحاموا عن الأرملة". (اشعيا 1/ 17). وإذا كان الموتى لا يستفيدون تكون الصلاة والقداديس ظلمًا معاذ الله من ذلك.

 

ثانيًا يثبت ذلك من قول بولس الرسول "كلّ يأخذ أجرته على قدر تعبه. وإن بنى إنسان على هذا الأساس الذي هو المسيح ذهبًا أو فضّة أو حجارة ثمينة أو خشبًا أو حشيشًا أو تبنًا فإنّ عمل كلّ واحد سيكون بيّنًا لأنّ يوم الربّ سيظهره إذ يُعلَن بالنار وستمتحن النار عمل كلّ واحد ما هو. فمن بقي عمله الذي بناه على الأساس فسينال أجره ومن احترق عمله فسيخسر إلاّ أنّه سيخلص ولكن كما يخلص من يمرّ في النار". (1 كو 12-15).

 

يريد بقوله أنّ الله لا يحرم أحدًا من تعبه بل على قدر تعبه ونصبه في هذه الحياة تكون مجازاته في الآخرة. وتعب كلّ إنسان يفحصه الله ويطهّره بالنار لا في نار الجحيم التي بلا رحمة بل في نار المطهر. وإيضاحًا لكلامه رسم لنا مثال البنّاء الحاذق الذي يجعل أساس بنيانه وجدرانه من الحجار الثمينة حتى إذا أحاطت به النار يخلص هو وبناؤه من الحريق. وإن كان بناؤه من الحشيش والخشب يحترق بيته لكن هو ينجو. كذلك الإنسان المؤمن إن كان هو كاملاً في الإيمان والأفعال وجعل أساسه على الإيمان كالذهب وحيطانه على الرّجاء كالفضّة وسقفه بالحجارة الكريمة على المحبّة وبقيّة الفضائل فإذا رقد بالربّ ودخل نار المطهر ليُمتحن يكون عمله مقبولاً ومرضيًّا. وكشبه البنّاء الحكيم يأخذ الجزاء في ملكوت السّماء ويقيمه الربّ على جميع ماله. وإن كان هو مستقيم الأمانة وحسن السيرة لكنّه متوانٍ في وفاء القانون وتنظيف نفسه من الجرائم والزلاّت حينئذٍ يحترق عمله وهو ينجو. أعني أنّه إذا حضر قدّام الله يأمر أن يلقى في النار ليغتسل كالثوب الوسخ ويُسبك كالمعدن وتحرق النار زلاّته العرضيّة ثمّ يخلّص من النار ويدخل في مستقرّ الرّاحة الدائمة.

 

ثالثًا يثبت وجود المطهر من قول الربّ في الإنجيل الطاهر "من جدّف على الرّوح القدس فلا مغفرة له لا في هذا الدّهر ولا في الآتي". (مر 3/ 29).

 

فمن هذا يُستدل أنّ من الخطايا ما يُغفر في هذا الدهر وفي الآتي أي في المطهر. وفي موضع آخر قال "بادر إلى موافقة خصمك ما دمت معه في الطريق لئلاّ  يسلمك الخصم إلى القاضي ويسلمك القاضي إلى الشرطي فتُلقى في السجن. الحقّ أقول لك إنّك لا تخرج من هناك حتّى توفي آخر فلس". (متى 5/ 25-26).

 

إذًا يوجد في الآخرة سجن يوفي به الإنسان آخر فلس عليه وهذا هو المطهر. وكذلك حين يتكلّم عن ذلك العبد الذي خنق رفيقه من أجل ما كان له عليه فيذكر أنّ سيّده غضب عليه ودفعه إلى المعذّبين حتى يوفي عن جريمته. وكذلك يقول "إن لم تغفروا للناس فأبوكم أيضًا لا يغفر لكم زلاّتكم".

 

إذًا يوجد في الآخرة موضع يوفي به الإنسان جميع ما عليه وإلى هذا الموضع نزل المسيح بروحه وخلّص كلّ الذين كانوا مستعبدين فيه تحت تبعة الخطية كقول بطرس الرّسول أنّه "نقض الهاوية" لأنّه غير ممكن أنّه يتعذّب لأجل الخطيّة إذ هو بريء من كلّ خطيّة والذين هم ساكنون في المطهر هم أحبّاء ويسجدون له ويترجّون رحمته كقول الرّسول عن المسيح "تجثو له كلّ ركبة ممّا في السماوات وعلى الأرض وتحت الأرض. ويعترف كلّ لسان أنّ الربّ يسوع المسيح هو في مجد الآب". (فيليبي  2/ 10).

 

رابعًا يُبرهن وجود المطهر من وصيّة طوبيّا البار لوالده أن يعطي من أجله صدقة ويضع خبزًا وخمرًا على قبره ولا يأكل ذلك مع المنافقين بل مع الصالحين. ولماذا ذلك إلاّ لعلمه أنّه بطلبات الأبرار يشفق الله على الأموات ويعطيهم الرّاحة.

 

خامسًا يُبرهن وجود المطهر ممّا هو مُحرّر في سفر المكابيّين الثاني وهو أنّه لما انتشبت الحرب بين اليهود والأمم الغريبة وانتصر الأعداء عليهم أمر يهوذا المكابي أن يُجمع في اليوم السّابع القتلى ويدفنوا  مع آبائهم فوجدت بينهم أصنام فتحقّقوا أنّ الله ما أهملهم إلاّ لأجل تدنّسهم بالأصنام. وذلك أمر الشعب أن يبادر للصّلاة وجمع منهم ثلاثة آلاف درهم وأرسلهم إلى بيت المقدّس لتقدّم بها ذبائح لله إستغفارًا عن خطيّة القتلى.

 

ويذكر السفر المقدّس أن قد ابتدأ كلّ العسكر بتقريب الصّلاة والطلبة لله كي لا تُكتب عليهم خطيّة كاملة وجمع ثلاثة آلاف من الفضّة وأرسلها إلى بيت المقدّس لكي تقرّب بها ضحايا لأجلهم وكان صنيعه هذا قرين الحكمة. ولو لم يكن له رجاء بالقيامة لكان من أعظم الجهل أن يلتجئ الإنسان إلى الصّلاة وتقدمة القرابين لراحة الموتى.

 

فمن هذه الشهادة وكثير غيرها ممّا لم نذكره يلتزم المؤمنون بتقريب الصلوات والقرابين عن أمواتهم لأنّ كثيرين منهم يموتون بالقداسة دون أن يكونوا أبرياء من أدران الخطيّة التي تُمحى بطلبات المؤمنين وقرابين الكهنة. ولهم موضع للوفاء والعقاب ويسمّى سجن المطهر وفيه الأنفس توفي عن زلاّتها في النار وعنه قال بطرس الرّسول "إنّ المخلّص انطلق إلى الأرواح التي كانت محبوسة فبشّرها". (3 بط 3/ 19-21).   والبيعة تسمّيه الفخّ الممتلئ ظلامًا وفزعًا ونهر اللهبة والهاوية القاتمة وأذى الكبريت والروائح النتنة والسجن المريب المتوفّر السّجس (الفساد) والأحزان والكآبة والمدخل المظلم حيث يسكن الشياطين وتكمن الشّيَع الخبيثة وتخرج النار متدفّقة كالنهر من قدّام وجه الربّ لتفحص أرواح البشر وتنقيَها. وأخصّ عذاب في ذلك الموضع هو النار كما قال الرّسول "ستَمتحن النار عمل كلّ واحد". (1 كو 3/ 13).

 

وقد أوردنا من كلام غريغوريوس النيساوي أنّ النّفس لا تقدر أن تشارك اللاهوت إذا لم تتنقَّ أوّلاً في نار المطهر من جميع الأدناس وفي هذا المعنى فسّر الآباء مقال داود "أدخلتنا في النار والماء ثمّ أخرجتنا إلى ريف". (مزمور 66/ 11-12)  وكلام أشعيا "يرحَض (يغسل) السيّد قذَر بنات صهيون ويمحو الدّماء من أورشليم بروح العدل" (اشعيا 4/ 4). وقول ملاخيا "من يحتمل يوم مجيئه ومن يقوم عند ظهوره فإنّه مثل نار المُمحّص وكأُشنان القصّارين فيجلس مُمحّصًا ومنقيًّا الفضّة فينقّي بني لاوي".( ملا خي 3/ 2)  وقول زكريا "وأنت بدم عهدك أطلقت أسرارك من جب لا ماء فيه". (زكريا 9/ 11).  فمن هذه الشهادات الإلهيّة يتبيّن علنًا أنّ الربّ يُدخل عبيده إلى جب قاتم لا ماء فيه وينظّفهم بالعدل والنار كما تنظّف الفضّة في الكور ثمّ يخرجهم كالأسرى إلى الفرج والرّاحة وأخيرًا يرتّبهم مع القدّيسين في الخدور السماويّة.

 

                                                                           

                                                                     مار إسطفان الدّويهي

                                                        بطريرك أنطاكية وسائر المشرق