بصليبه جمع الأرض بالسّماء

 

 

 

بصليبه جمع الأرض بالسّماء

 

 

بصليبه جمع الأرض بالسّماء والخطأة بالغفران وعلى مثاله دعينا لنكون

 

هذا هو اليوم العظيم، فيه نذكر موت المسيح إبن الله الأزلي الذي قدَّم ذاته ذبيحةً لأبيه كفّارةً عن كلِّ خطايانا.

 

 نأتي إليه جميعًا ونسجد على أقدام صليبه معربين له عن محبَّته وعن إيماننا به وعن شكرنا لعطاياه التي لا تحصى من أجلنا، مجدِّدين توكّلنا عليه وانتماءنا إليه، والثقة بمحبّته، تلك المحبَّة التي حملها إلى الأرض وقال عنها إنّها تخلِّص العالم.

 

أيّها الأحبّاء، الذي يقرأ قصَّة يسوع يرى فيه إنسانًا عظيمًا ولكنَّه ظُلم ظلمًا كبيرًا، هو البريء عُومل كمجرم ولم يكن أيُّ ذنبٍ عليه، لا بل حُقِّرَ وذُلِّلَ وموِّت موت العبيد المقهورين. حُمِّل صليبًا ثقيلاً ليعلَّق عليه بمسامير. أمّا المؤمنون، وكلُّنا منهم، فإنّهم يقرأون بموت المسيح معاني أخرى.

 

إنَّ يسوع لم يمت غصبًا عنه بل هو أراد موته وقبل هذا الموت، حبًّا بنا، هم قتلوه ولكنّه لم يهرب، بل واجه بحبِّه كلّ شرور الأرض.

 

 قام بهذا العمل لأنّه أحبَّ الإنسان والإنسانيَّة وهي جبلة يديه، رآها تتمرَّغ بشرورها متعثِّرة في حياتها عائشة البغضاء والحقد والحروب التي لا نهاية لها. استشرت الخطيئة في قلوب الناس واستقوت على ما فيهم من الخير. إنحنى من سمائه علينا، وأراد بحبِّه أن ينزل إلينا وأن يحمل أوجاعنا ويضع على منكبيه ثقل خطايانا.

 

حمل يسوع خطايانا على ظهره وبين يديه وفي قلبه ليقدِّم ذاته للآب كفّارةً عنّا. رحمة الله تلفُّنا جميعًا، لذلك يُطلب منّا باسم المسيح أن نخفِّف الأحمال عنه وأن نقلع عن الإنسان العتيق وأن نلبس روح يسوع الجديد، روح الحبّ والمغفرة والسّلام والوداعة والتواضع حتّى يتغيَّر وجه الكون.

 

ونأتي اليوم إلى صليب يسوع، لنجدِّد ثقتنا بقوَّة المحبَّة وقوّة الغفران، ونجدِّد ثقتنا بقوّة يسوع المسيح، الذي قال: أنا غلبت العالم.

 

صليب يسوع يا إخوتي، هو شجرة الحياة التي كلَّمنا عنها الكتاب المقدَّس في أولى صفحاته، وعلى هذه الشجرة يسوع ثمرة الدّنيا، منه نأكل ونجني ثمارًا حيَّة، ومنه نأخذ قوَّتنا حتّى نرفض كلّ إنقسام ونسعى إلى الوحدة في الصّفوف.

 

نطلب من الله أن تحلَّ فينا نعمة المسيح، فيرزيدنا إيمانًا وقوّة في عزيمتنا وفي إرادتنا لننبذ الشرَّ والخطيئة ونلبس البرَّ وسلاح الحبِّ ونسير في إثرِ المسيح ولو عبر الموت إلى القيامة.

 

 ونطلب قيامةً لبلادنا، من الذي حمل خطيئة العالم، أن يحمل خطيئتنا ويسير أمامنا ويدلّنا على طريق الخلاص، طريق حبِّه الذي لا قوَّة بعده أبدًا.

 

يا ربّي في هذا اليوم العظيم، ننحني ونسجد لك، نسجد لآلامك ونقبل جراحك ونطلب منك الصّفح والغفران عن معاصينا وأن ترأف ببعضنا وأن تزور حياتنا وتباركها وتقدّسها، وأن تقدِّس بلادنا من جديد وتجعل منها بعضًا من فردوسك يا الله، لأنّنا بنو ميراثك إلى الأبد.

 

 فليكن صليب الربّ معكم، به نستظلّ من الآن وإلى اليوم الآخر، منه نأخذ الخير والنّعمة والسّلام والحقّ، والله قادر على أن يقيمنا هو الذي أقام ابنه الوحيد من القبر، من كلّ معاصينا لنحيا حياة جديدة ملؤها النّعمة والحقّ آمين.

 

المطران بولس مطر