روحيّة التبشير

 

 

 

روحيّة التبشير

 

مقدمة

إنّ البابا بولس السادس، في أواخر رسالته حول "واجب التبشير بالمسيح"، يقدِّم لنا هذا الفصل عن "روحيّة التبشير" حيث نجد حقائق لاهوتيّة متعدّدة تُكمِّل الوقائع المعروضة سابقًا؛ وإنّنا نجد فيها أيضًا نبرة وأسلوبًا يشملانها كلّها ويعبّران لنا عن إقتراح البابا الذي هو إرشاد إلى الكنيسة... فبتفاؤل واقعيّ، وبروح التخطّي للأزمات الكنسيّة الصغيرة منها والكبيرة، يوقفنا البابا عند علامةٍ من علامات الأزمة ألا وهي التبشير.

وبهذا المعنى، وبنوع من الأنواع، تنبّأ البابا عن كلّ ما نعيشه في الزمن الحاضر، والذي أسماه، فيما بعد، البابا يوحنّا - بولس الثاني "التبشير الجديد".

 

أوّلاً - إرشاد مُلِحّ

قال البابا بولس: "لا نريد إنهاء هذه المحادثة مع إخوتنا وأبنائنا الأحبّاء، بدون توجيه نداء يختصّ بالإستعدادات الداخليّة التي يجب أن تحرّك أرباب التبشير. فبإسم سيّدنا يسوع المسيح والرَّسولين بطرس وبولس، نحضّ كلّ الذين هم - بفضل مواهب الرّوح وتنظيم الكنيسة - مبشِّرون حقيقيّون أهلٌ لهذه الدّعوة، وجديرون بممارستها بدون تردّد معزوٍّ إلى الشكّ أو إلى الخوف، بعيدًا عن إهمال الموجبات التي تجعل هذا التبشير، ليس فقط ممكنًا، بل فاعلاً ومثمرًا. وهاكُم من بين آخرين، الشروط الأساسيّة التي نَوَدُّ أن نُشدّد عليها.

وإنّ الذين يبحث البابا عنهم، إنّما هم المبشِّرون "الجديرون بهذه الدعوة"؛ ولذلك هو يتوقّف عند الشروط "الأساسيّة" الواجبة من أجل تبشير "ممكن، فاعلٍ ومُثمر"... وكما رأينا سابقًا، إنّ نبرة البابا بولس السادس ليست نبرة دفاعيّة بل هي هُجوميّة وادِعة، خوفًا من ألاّ يتحقّق هذا المشروع بصورة عمليّة.

 

ثانيًا - بحسب إلهامات الرّوح

"بدون عمل الرّوح القدس، يقول البابا، ليس هناك تبشير مُمكن. نزل الرّوح القدس على يسوع الناصريّ، في وقت عماده، عندما أظهرت كلمةُ الآب القائلة: "أنتَ إبني الحبيب الذي عنه رضيتُ"، وبصورة حسيّة، إنتخابه ورسالته. وقد إقتاد الرّوح المسيحَ إلى البريّة، ليخوض، في الصّحراء، الحربَ الحاسمة والتجربة الكبرى قبل بدء هذه الرِّسالة (متى 4/ 1). "وبقوّة الرّوح، رجع إلى الجليل، وبدأ في الناصرة تبشيره، مطبقًا على ذاته كلمة أشعيا القائلة: "روح الرّب نازل عليَّ لأنّه مسحني وأرسلني لأبشِّر الفقراء..." (لوقا 4/ 18)؛ "واليوم تمَّت هذه الآية (لو/ 21). وإلى رسله الذين بعثهم للتبشير، قال: "خذوا الرّوح القدس (يو 20/ 22).

وبالفعل، بعد حلول الرّوح القدس في يوم العنصرة، إنتشر الرسل في أنحاء العالم أجمع ليباشروا عملَ البشارة التي تكلّم عنها يوئيل النبيّ بقوله: "أُفيض روحي على كلّ بشر..." (يوء 3/ 1).

 فالقدّيس بطرس، ممتلئًا من الرّوح القدس، كلَّم الشعبَ عن يسوع ابن الله؛ وبولس هو أيضًا ممتلئ من الرّوح القدس (أعمال 9/ 17).

 

قبل البدء بعمله الرّسولي؛ كما كان إسطفانوس عندما إنتُخبَ شمَّاسًا، وعندما أعطى الشّهادة بدمه فيما بعد. فالرّوح القدس يُنطِّق بطرس وبولس والإثنيّ عشر، موحيًا إليهم الكلمات التي سيتلفّظون بها، وهو ينزل "على أولئك الذين يسمعون كلامهم" (أعمال 10/ 44).

ويتابع البابا قائلاً: "بفضل الرّوح القدس ومسَاندته، تنمو الكنيسة (أعمال 9/ 31). إنّه روح هذه الكنيسة؛ فهو الذي يشرح للمؤمنين المغزى العميق المتضمّن في تعليم يسوع وفي سرّه الخلاصي. إنّه ذاك الذي عمل ويعمل - اليوم كما في أوائل الكنيسة - في شخص كلّ مبشِّر يستسلم له وينقاد لإلهاماته؛ إنّه يضع على شفاهه الكلمات التي لن يستَطيع إيجادها بذاته؛ إنّه يؤهّل أيضًا نفس سامعه، ليفتحها إلى قبول "البُشرى السارّة" والملكوت السّماوي المبشّر به.

"أمّا تقنيّات التبشير وإن هي صالحة بذاتها، إلاّ إن أكملها لا يستغني عن عمل الرّوح القدس الخفيّ. والتهيئة الأدقّ للتبشير لن تبلغ شيئًا من مبتغاها بدون الرّوح. وبدونه أيضًا، إنّ الجدليّة الأكثر إقناعًا تبقى قاصرة في تأثيرها على روح البشر؛ بدونه تبقى المخطّطات الأكثر تجهيزًا من الناحية الإجتماعيَّة والنّفسانيّة، وكأنّها معدومةٌ كلّ قيمة.

 

"إنّنا نعيش في الكنيسة الزمن الممَيَّز، زمن الرّوح القدس. فالمهمّ أن نتعرّف عليه بصورة أكمل، وكما توحيه لنا الكتب المقدَّسة. إنّنا نشعر بالسّعادة تحت تأثير إلهاماته، وحوله تتكوَّن الجماعة الحقّة، مبتغيةً الإستسلام له والسّيرَ تحت قيادته.

وبعد هذا كلّه، فإذا كان روح الربّ يشغل مكانةً مرموقة في حياة الكنيسة، فإنّه يعمل أضعاف ذلك في رسالتها التبشيريّة. وليس من الصدفة في شيء أن يكون بدء التبشير الكبير قد تمَّ غداةَ العنصرة تحت إِلهام الرّوح القدس.

ومن ثمّ، يمكننا القول بأنّ الرّوح القدس هو العامل الأوّل في رسالة التبشير: هو الذي يدفع كلّ شخص للتبشير بالإنجيل، والذي يعمل في أعماق الضمائر، على قبول كلمة الخلاص وإدراكها في العمق. ويمكننا أيضًا القول بأنّه هو ملء التبشير وإنجازه الكامل. وحده الرّوح قادر على إيقاظ الخليقة الجديدة والإنسانيّة الجديدة التي تقودنا إليها الشارة بواسطة الوحدة في التعدّديّة التي تدعو إليها رسالة التبشير ذاتها في الجماعة المسيحيّة.

إنّ التبشير، من خلال فعل الرّوح، يخترق القلوب لأنّه يجعلنا نميِّز علامات الأزمنة - علامات الله - التي يكشفها التبشير في قلب التاريخ، فيقوِّمها حقَّ قيمتها.

إنّ مجمع الأساقفة المنعقد في العام 1974، إذ شدَّد بقوّة على المكانة التي يحتلّها الرّوح القدس في عمل التبشير، عبَّر أيضًا عن الرغبة في أن على الرّعاة واللاهوتيين - ونضيف أيضًا المؤمنين المطبوعين بختم الرّوح في المعموديّة - أن يدرسوا جميعًا وبعمقٍ، طبيعة وشكل عمل الرّوح القدس، منقادين إليه بفطنة، كما إلى المُلهِم الجازم لبرامجهم وبوادرهم، وبكلمة، لمعلِّمهم الرّسولي.

وإنّ نتيجة حضور الرّوح القدس فينا أو علامة هذا الحضور، تقومان في "شعورنا الداخليّ بالسعادة". وإنّ فرح المبشِّر، وروحه السّليمة لهما إنعكاسان لمشاركته في روح الربّ؛ كما أنّ الكآبة والتَشكّي هما عادةً علامات فقدان الوحدة في الشخصيّة، والتضعضع. فإذا حلّ روح الربّ علينا، فإنّما ليكون مصدر وحدة وعمل في الكنيسة؛ فمنه ننال كمال أعمالنا في مهمّتنا التبشيريّة.

 

مع هذه "المكانة الرّفيعة" التي يحتلّها الرّوح القدس في "حياتنا" وفي "رسالة الكنيسة"، ليس من صدفة أن نؤكِّد على بداية البشارة في غداة العنصرة. هكذا يكون الرّوح القدس "الفاعل الأساسيّ" في عمليّة التبشير: فهو "يدفع كُلاًّ منّا"، ويهبنا إدراك "كلمة الخلاص"، و"يوقظ الخلق الجديد". والنتيجة الكبرى في ذلك هي وحدة كبيرة في قلب "تعدّدية" كبيرة، مع الضمانة على قدرتنا في "تمييز علامات الأزمنة".

 

وهكذا يعطينا البابا، في الوقت ذاته، معيارًا أكيدًا وحيًّا لكيلا نضلّ في عملنا التبشيري: فلا شيء أكثر يقينًا من روح الربّ، وفي الوقت ذاته، لا شيء أكثر حيويّةً يجعلنا ننتفض من تصلُّب الأعمال البشريّة المحتوم، لنكتشف عمل الله في الزمن المناسب الذي يؤهّبنا للحياة. لسنا قوّاد الرّوح، إذ هو يفرض ذاته علينا... في الحقيقة، إنّ  العماد هو ما يعطي كلّ مسيحي القوّة والقدرة على الخضوع لروح الربّ؛ ولذلك، يحضّ البابا المبشّرين على "الإبتهال" إلى الرّوح القدس، "والإستسلام لتوجيهاته".

 

ثالثًا - شاهدون حقيقيّون

"فلنتوقّف الآن، يقول البابا، عند شخصيّة المبشِّرين، إذ غالبًا ما ردَّد الناس في أيّامنا إن هذا الجيل يشعر بالتعطّش إلى الأصالة والصّدق. ويؤكِّدون خصوصًا بالنسبة إلى الشبّان، بأنّ هؤلاء يرتعبون من النظريّات والأوهام والتدجيل؛ إنّهم من مناصري الحقيقة والشفافيّة العاملين بحزم.

"فمع علامات الأزمنة هذه، يجب أن يتناغم فينا موقف ساهر ومتنبِّه، إن بطريقة صامتة، وإن بصراخ صاعق فلا فرق؛ فالمطلوب منّا على الدوام بقوّة وعنف هو هذا:

 

"هل تؤمنون بما تبشّرون؟

وهل تعيشون بحسب ما تؤمنون؟

 هل تبشّرون حقًّا بحسب ما تحيون؟

 فاليوم أكثر من أيّ زمن آخر، قد إنقبلت شهادة الحياة إلى شرط أساسيّ وأكيد للفاعليّة التبشيريّة الحقّة؛ وبدون تَبرُّم أو مواربة، نستطيع القول إنّنا، بنوع من الأنواع، أصبحنا مسؤولين عن الإنجيل الذي نعلنه...

"ولذا نحضّ إخوتنا في الأسقفيّة، المرتَّبين بواسطة الرّوح القدس، لأجل تدبير الكنيسة؛ ونَحُضّ الكهنة والشمامسة معاوني الأساقفة على توحيد شعب الله، وتنشيط الجماعات المحليّة من الناحية الرّوحيّة؛ وإنّنا نحضّ أيضًا الرهبان والراهبات، تلك الشهادات لكنيسة مدعوّة إلى القداسة، والمدعوّين بالقَدْر ذاته، وبنوع خصوصي، إلى حياة تتألّق بشهادة التطويبات الإنجيليّة. ونحضّ كذلك العلمانيِّين: العائلات المسيحيّة، الشبّان والراشدين، كلّ أولئك المكلّفين بمسؤوليّات، والإداريين، بدون أن ننسى الفقراء الذين هم أغنياء بالإيمان والرَّجاء؛ وبكلمة كلّ العلمانيِّين المتوعّين لدورهم التبشيري في خدمة  الكنيسة أو في قلب المجتمع والعالم. إنّنا نقول إلى الجميع:

 إنّه لمن الضروريّ أن تتفجّر غيرتنا الرّسوليّة من قداسة حياة حقيقيّة، وأن ينتهي تبشيرنا المغتذي بالصلاة والمحبّة الخصوصيّة لسرّ القربان - كما يوحي به إلينا المجمع الفاتيكانيّ الثاني - إلى قداسة أكبر في حياة المبشّر.

"على الرّغم من دلائل العالم المتعدّدة على رفضه لله، وبصورة غريبة ومتناقضة، فإنّه، في الحقيقة، يفتّش عنه بطرق لا شكّ فيها، ويتَحَسَّسُ بالألم حيال ضرورته. إنّ هذا العالم يتطلّب، من قِبَل المبشّرين، أن يكلّموه عن إلهٍ يعرفونه ويتعاملون معه بدالّة، كما لو كانوا يرونه وإن هو غير المنظور. (عبرانيين 11/ 27).

إن ما يتطلّبه العالم منّا وينتظره ليؤمن، إنّما هو: بساطة الحياة، وروح الصلاة، المحبّة تجاه الجميع، وخصوصًا تجاه المتواضعين والفقراء؛ إنّه يطلب منّا الطاعة والتواضع، التجرّد عن ذواتنا والكفران بها. وبدون علامات القداسة هذه، فإنّ كلمتنا ستخترق بصعوبةٍ قلوبَ أبناء زماننا؛ لا بل إنّها ستجازف في أن تكون باطلة وعقيمة".

ففي هذا الحضّ على "القداسة"، ينطلق البابا من واقعنا المعاصر الذي يسمّيه "التعطّش إلى الأصالة" والذي ينطبق بصورة خصوصيّة على الشبيبة. "فالتصنّع و"النِّفاق" يؤلماننا، لكن ما نبقى بحاجة ماسّة إليه إنّما هو "الأصالة"، فهي واحدة من "علامات الأزمنة"؛ ومن هنا نفهم إنّ "شهادة الحياة" هي "شرط أساسي" للتبشير.

 

فلا شيء يساعدنا على الإيمان، إذا لم نؤمن بما نبشِّر به، وإذا لم نَعِش كما نؤمن، وإذا لم نبشِّر، بصورة واقعيّة، بما نطبِّقه في حياتنا.

 

فالإنجيل شيء وتَبِعاتُه شيء آخر، لأنّ بين هذه التَبِعات أو النتائج، يقع في مكانة مميَّزة ما نسمّيه "حمل مسؤوليّة" الإنجيل. وإنّ هذه المسؤوليّة لا تقوم إلاّ بلفظة واحدة هي "القداسة" بقدر ما أُعطيت من الله إلى كلّ واحد منّا؛ وعلى هذه القداسة يتعلّق "تجمُّع" شعب الله "وتنشيط" الجماعات الذي يقوم به الرُّعاة. فليس هناك قلب بشريّ - مهما كان قاسيًا - يخلو من جانب الضعف الذي به يدخل الله إليه: وهذا الجانب الضعيف هو التعجّب الطبيعيّ الذي نعبّر عنه تجاه كلّ إنسان يسلك في حياته بحسَب الصدق و"الأصالة"؛ ذلك أنّ أصالة المسيحيّ هي القداسة.

 

رابعًا - البحث عن الوحدة

قال البابا بولس السادس: "ستبقى قوّة التبشير واهنة، إذا ما انقسم المبشّرون بالإنجيل فيما بينهم، بأنواع متعدّدة من التمزّق والإنشقاق. أفلا يكون ذلك أحدَ أكبر أخطاء التبشير؟ ففي الواقع، إذا بدا الإنجيل الذي نذيعه، ممزّقًا بسبب الخصومات والمنازعات العقائديّة، وبسبب التوجُّهات الإيديولوجيّة أو الحرمات المتبادلة بين المسيحيِّين، بحسب نزعات نظريّاتهم المختلفة حول المسيح والكنيسة، بالإضافة إلى تصوّراتهم المغايرة حول المجتمع والمؤسّسات الإنسانيّة، فكيف يمكننا الإدّعاء بأن أولئك الذين نوجّه إليهم مواعظنا، لا يكونون مشوَّشين ومتضعضعين، إذا لم يكونوا مُشكَّكين؟".

إنّ خبرة الكنيسة قامت دومًا بفقدان الوحدة ومحاولة إستعادتها. فقدان الوحدة متعلّق بوضع الكنيسة البشريّ، واستعادتها هي أيضًا ذات طابع بشري، لكنّها بنوع خصوصي، قائمة على عمل الله. إنّ انقسام المبشرين "بكلّ أنواع التمزّقات"، هو "الشرّ الأكبر بين كلّ إنحرافات التبشير". فلا يملِّك إلاّ المالِك؛ وإذا لم يورِث المبشّر الوحدة فإنّه ينقل إلى محاوريه الإرتباك والضياع والشكّ.

أمّا من جهتنا فإنّنا نستطيع الإيضاح أنّ هناك وحدةً تخدُم التبشير، وأخرى لا تخدمه إطلاقًا. فالوحدة المصطنعة والسطحيّة، التي تنطلق من الخارج إلى الداخل ليست قادرة على خدمتنا؛ وتلك الوحدة التي تَفْرِض ذاتها أو تحاول ذلك بالقوّة لا بالإقناع، لا تكترث للزمن، والجهد والنّضال، ولا للثقة المتبادلة؛ وبكلمةٍ، إنّها كلّ ما نستطيع تسميته وحدة مصطنعة لا تتجاوب مع مفهوم الحياة.

إنّ الوحدة الحقّة لا تتّفق إطلاقًا مع سلام القبور، بل بالأحرى مع غَليان الحياة؛ وبهذا المقدار تظهر كثمرة طبيعيّة للحياة المسيحيّة. فعندما تكون هناك وحدة بين القلوب، عندئذٍ يمكن تخطّي المصاعب العقائديّة والمصاعب العمليّة في داخل الكنيسة.

وعن هذا العمل، يكلّمنا البابا قائلاً: "إنّ وصيّة الربّ الرّوحيّة تعلّمنا أنّ الوحدة فيما بين تلاميذه، ليست البرهان بأنّنا  خاصّته وحسب، بل هي البرهان أيضًا على أنّه المُرسَل من عند الآب: إنّه البرهان عن مِصداقيّة المسيحيّين والمسيح نفسه.

فبصفتنا مبشّرين، ينبغي علينا أن نقدِّم إلى المؤمنين بالمسيح، ليس صورة أناسٍ مُقتسمين ومنفصلين بالصراعات التي لا تفيدنا شيئًا في مجالات البناء، بل صورة أناس بالغين في الإيمان؛ أناس قادرين أن نلتقي، بعيدين عن التوتّرات الحالية، بفضل البحث المشترك، المخلّص النزيه عن الحقيقة. نعم، إنّ خطّ التبشير هو متعلّق، بدون شكّ، بشهادة الوحدة المعطاة من قِبَل الكنيسة. هاكُم مصدَر مسؤوليّة، ولكنّه أيضًا مصدر تعزية".

إنّ البابا يرى كلّ ذلك "برجاء عظيم"، ولذلك هو يتمنّى أن "تتكثَّف الصلاة" إنطلاقًا من المعطيات المشتركة، معطيات "العماد والإيمان".

 

خامسًا - خُدّام الحقيقة

"إنّ الإنجيل الذي أُوصينا به، يقول البابا، هو أيضًا كلمة الحقيقة؛ حقيقة تُحرّرنا، وهي الوحيدة التي توفّر لنا سلام القلب؛ وهذا ما يفتّش عنه الناس عندما نذيع عليهم "البشرى السارّة". إنّ الحقيقة تقرّبنا من الله، وتقرّبنا من مفهوم الإنسان ومن مصيره العجيب؛ إنّ الحقيقة تقرّبنا من العالم. إنّها لحقيقة صعبة تلك التي نبحث عنها في كلمة الله، والتي لا نكوِّن جزءًا منها، ولسنا مالكيها ولا المُحكمين عليها، بل إنّنا المؤتمنون عليها، وارثوها وخُدّامها".

إنّ البحث عن الحقيقة هو أيضًا واحد من المنافذ إلى الوحدة؛ وبين رغبات الكائن البشري الأشدّ عمقًا، هناك تلك الرغبة في إحراز "سلام القلب"؛ ويبدو أنّ هناك شيئًا ما لا تستطيع طبيعتنا أن تتخلّى عنه. إنّنا بواسطة الحقيقة، نبلغ إلى سلام القلب؛ وبواسطتها أيضًا نجد حرّيتنا... إنّ البابا يفترض أنّ في كلّ ذلك، عطشًا إلى الإنجيل، وأنّ أهمّ حلفاء التبشير هم المبشّرون ذاتهم، لأنّنا نحن البشر، نبحث من ذات طبعنا، عن الحقيقة.

وإزاء التجربة التي تجعلنا كمالِكي الحقيقة أو كمُحَكَّمين عليها، يُواجه البابا بولس السادس وضعنا على أنّنا "مؤتمنون" و "وارثون" و "خُدّام لها". إنّ الحقيقة - الميراث تأتينا من الله ذاته. وهنا نبلغ إلى روح الأمانة والإستقامة، وإلى جذور الطاعة والحريّة. تلك هي حقيقة أساسيّة عبَّر عنها البابا بولس السادس بقوله:

"إنّنا نتوقّع من كلّ مُبشِّر، أن يتعبَّد للحقيقة، لأنّ الحقيقة التي يتعمَّق بمعرفتها، ويُبلغها إلى الآخرين، ليست هي إلاّ الحقيقة الموحاة والمتسامية عن كلّ أخرى، التي تؤلّف جزءًا من الحقيقة الأولى والأسمى التي هي الله بالذات. ومن ثمّ، سيكون المُبشّر بالإنجيل ذاك الذي - لقاءَ التضحيات والتنكُّر الدائم لذاته - يبحث دومًا عن الحقيقة التي عليه أن ينقلها إلى الآخرين. فليس يبيع الحقيقة، ولا يُخفيها إطلاقًا، رغبةً بإرضاء الناس، أو لجلب الدهشة والطرافة أو رغبة بحبّ التظاهر؛ إنّه لا يرفض الحقيقة أبدًا؛ كما إنّه لا يحجب الحقيقة الموحاة عن كسلٍ في البحث، أو حبًّا بالمجاملة، أو عن خوف وحياء. فهو لا يتوقّف عن التعمّق في معرفتها، فيخدمها بسخاء بدون تسخيرها أو إذلالها". وهكذا يمكننا التوقُّف عند البعض من أوضاع "خُدَّام الحقيقة".

 

فهناك موقف شعائري أو إجلال يُعبّر عنه "بالتعبُّد الصّحيح للحقيقة". وإنّ أساس هذا الموقف هو أنّ حقيقتنا هي "الحقيقة الموحاة" التي نجد في أساسها الله ذاته؛ وإذا كان الأمر كذلك، فانتشار الحقيقة يتضمَّن "نكرانًا للذات مع تضحيات جمّة"، بحسب ما يستحقّ الربّ؛ إنّ هناك أمانةً أساسيّة وحماسة أساسيّة، ينبغي أن نتجرّد عن كلّ شيء لأجلهما. فإزاء الله المطلق، تصبح كلّ القضايا البشريّة نسبيّةً، ويحملنا الإيمان بالله على التجرّد عن كلّ شيء لا يوصلنا إليه، وعلى إستعمال الأشياء "بقدر" ما تقودنا إليه، كما يحملنا على انتقاء تلك الأشياء التي تَشُدُّنا "أكثر" إليه.

وإنّ الموقف المعاكس سيكون موقف ذلك الذي "يبيع" الحقيقة، أو "يُخفيها" رغبةً في إرضاء الناس بنوع من الأنواع. فمع الله، لا نستطيع أن نتعاطى التجارة - وعمليًّا هذا أمر غير ممكن - إذ في النتيجة، ستفرض حقيقةُ الله دومًا ذاتها. وإنّ هذا الذي قلناه، يفترض شخصًا لا "يرفضَ" الحقيقة أو "يُعتِّمُ" عليها بسبب كَسَله أو "مجاملته" أو "خوفه"، بل بالأحرى يريد "التعمّق فيها" بدون تسخيرها في نوع من الأنواع. إنّ كلّ ذلك، في الواقع، يفترض محبّة الحقيقة حتّى البطولة، كما عبَّر عن ذلك البابا بولس بقوله:

"يا رعاة شعب الله، إنّ خدمتنا الراعوية تتطلّب منّا أن نحافظ على الحقيقة، وأن نحميها ونوصلها إلى الآخرين بدون التلكُّؤ أمام التضحيات المتوجّبة لذلك. فإنّ كثيرين من الرعاة البارزين والقديسين نقلوا إلينا مَثَل هذا الحبّ للحقيقة، وفي ظروف بطوليّة عديدة. إنّ "الله - الحقيقة" ينتظر منّا أن نكون المحامين اليقظين عن هذه الحقيقة، والمبشّرين الغيّورين بها.

 

"أيّها الملافنة، أكنتم لاهوتيين أم شارحي الكتب المقدّسة، أم مؤرّخين، إنّ عمل التبشير يحتاج أبحاثكم، وإهتماماتكم، ودِقّتكم في نقل الحقيقة إلى الآخرين، تلك الحقيقة التي تقرِّبكم دراساتُكم منها، والتي تطفح دومًا من قلب الإنسان لأنّها حقيقة الله بالذات".

"أيّها الآباء والمعلّمون، إنّ مهمّتكم - التي تُصعّبها الصراعات الحاليّة المتعدّدة - إنّما تقوم بمساعدتكم لأبنائكم وتلامذتكم، على إكتشاف الحقيقة الدينيّة والرّوحيّة".

إنّ ما يرمي إليه البابا في إرشاده الرّسولي هذا المثلَّث الإتّجاهات نحو الرّعاة، والملافنة، والآباء مع المعلّمين، إنّما هو التوجُّه إلى "محبّة" الحقيقة بمحبّة هي "بطوليّة" في ظروف متعدّدة.

إنّ حقيقتنا ليست تجريديّة (abstraite) إلاّ بقدر ما هو الله كذلك، لأنّ الحقيقة، في العمق، هي الله بالذات؛ وبهذا المقدار هي موضوع محبّتنا. وهنا يمكننا القول إنّ القضيّة قضيّةُ حقيقةٍ محسوسة وصريحة، حقيقةٍ تَكمُن حيويًّا في القلب، ويُعبِّر عنها فيما بعد بواسطة العقل لترجمتها إلى العمل.

إنّ حقيقتنا "تَطفَح من قلب الإنسان لأنّها حقيقة الله ذاته". إنّنا ننضمّ إلى الحقيقة عن طريق القلب، ثم نعود لنبحث عنها ونمحِّصَها بالدرس، لأنّها حقيقة "دينيّة وروحيّة".

أمّا الموقف الأساسي فهو موقفنا "كمُحامين يَقِظين" و "كمبشِّرين غَيّورين" في خدمة الحقيقة. أمّا "خدمتنا - التعبُّد" لهذه الحقيقة فهي تقوم بدَرسها، وبممارستها في الصلاة، وبمعرفتها حتى الشعور الحيوي بها.

وعندما تتوطّد هذه العناصر، فإنّ "المهارة" ستصبح أسهل في إيصال الحقيقة لأنّنا ننقلها بسلام يُعطيناه الله وحده، مصدرُه البحث الهادئ والتأمّل والصلاة.

 

 

سادسًا - مُنتعِشين بالمحبّة

"إنّ عمل التبشير، يقول البابا، يفترض في المبشِّر، محبّةً أخوية متزايدة النموّ الدائم تجاه أولئك الذين يبشِّرهم. إن مثال المبشِّر نجده في مار بولس الرّسول الذي كتب إلى أهل تسالونيقي هذه الكلمات التي تشكّل برنامجًا بالنسبة إلينا، فقال: "بلغ منّا الحنوّ عليكم أنّنا وَدَدْنا لو نجود عليكم بأنفسنا، لا ببشارة الله فحسب، لأنّكم أصبحتم أحبّاء علينا" (1 تسالونيقي 2/ 8).

فأيّة محبّة يعني؟ - إنّها أكثر بكثير من محبّة المربّي: هي محبّة الآب، لا بل أكثر، إنّها محبّة الأم (1 تس 2/ 7 - 11). هذه هي المحبّة التي ينتظرها السيّد من كلّ مبشِّر بالإنجيل، ومن كلّ من يبني ملكوت الله في النّفوس.

قد نجد علامةً للمحبّة في رغبة إعلان الحقيقة للآخرين، واقتيادهم إلى الوحدة؛ وقد نجد هذه العلامة أيضًا في تكريس ذواتنا بدون تحَفُّظ أورجعة إلى الوراء، للتبشير بيسوع المسيح؛ ولكنّنا نستطيع إضافة بعض علامات أخرى لهذه المحبّة: كإحترام الوضع الديني والرّوحي الكائن في الشخص الذي نبشِّره؛ والإحترام لنظام حياته الذي لا يجوز لنا إقتحامه؛ وكذلك الإحترام لوجدانه وإقتناعاته التي لا يجوز لنا أن نزحزحها ونزعجها.

وهناك علامة أخرى للمحبّة نجدها في الإهتمام بألاّ نجرح الآخرين، خصوصًا إذا كانوا ضعفاء في إيمانهم، وذلك إنطلاقًا من كشف إثباتات هي واضحة بالنسبة إلى المطّلعين والمدرَّبين، ولكنّها قد تكون سبب إرتباك أو عثرةً بالنسبة للمؤمنين، إذ تُحدث جرحًا في نفوسهم. ونضيف علامة أخرى للمحبّة، وهي الجهد المبذول تجاه المسيحيين لأجل نقل حقائق يقينية ثابتة إليهم، حقائق معتمدة على كلمة الله، لا حقائق مريبةٍ أو مشكوكٍ بها، أو هي وليدة تنقيب غير أكيد. إنّ المؤمنين هم بحاجة إلى هذه الثوابت في حياتهم المسيحية، وهم يملكون الحقّ فيها بصفتهم أبناء الله، الذين يستسلمون بين يديه، ويعكفون على السلوك بحسب متطلّبات الحبّ كافة".

وكما أنّ معرفة الحقيقة هي في ذاتها إلزام بإيصالها إلى الآخرين، فإنّ البابا بولس السادس يرجع إلى موقفٍ أساسيّ في التبشير، هو المحبّة تجاه الذين نبشّرهم.

 

 إنّ إعلان الإنجيل وإعطاء الذات هما شيء واحد، تمامًا كما يصنع أيّ "أب" أو أيّة "أم" تجاه أولادهما. ولذلك يُعطينا مثل القديس بولس الذي أراد أن يُعطي ذاته إلى أولئك الذين بشّرهم.

 

فالبابا يتوقّف أمام عدّة "علامات" لهذا الحبّ، وخصوصًا "الرغبة في تقديم الحقيقة للآخرين، واقتيادهم إلى الوحدة". فلا يمكن أن تُفرَض الحقيقة بل تقدَّم وتُعرَض؛ الوحدة لا تفرِّق بل توحّد. وبحسب رغبات كلّ إنسان الأشدّ عمقًا، يُحكم عليه؛ ومن ثم، إزاءَ تجربة الإنفصال، أو فرض الحقيقة فرضًا، ينبغي بالأحرى تغليب الرغبة المعاكسة التي تنطوي على سخاء المحبّة. ففي الحقيقة، نريد أن نُعلن الإنجيل لأنّ الله كان سخيًّا معنا، وأنّنا نريد الإقتداء بسخائه، في نوع من الأنواع.

 

سابعًا - بِوَرَع وحماسةِ القديسين

"إنّ نداءَنا، يقول البابا، يستوحي الآن من ورع أكابر الوعّاظ والمبشّرين الذين كرَّسوا حياتهم للرسالة. ويطيب لنا أن نذكّركم بأولئك الذين قدّمناهم نحن بالذات إلى تكريم المؤمنين لهم أثناء السنة المقدّسة. لقد عَرفوا أن يتخطّوا كلّ ما إعترضهم في طريق التبشير.

ومن هذه الإعتراضات التي ما زالت ترافق زماننا، نكتفي بذكر فقدان التقوى الذي هو هكذا خطير بقدر ما يصدر عن الداخل. إنّ فقدان التقوى هذا يظهر بمظهر التعب والخيبة، وبنوع من التكيّف على البيئة الإجتماعيّة، وبقلّة الإكتراث، وخصوصًا بإنعدام الفرح والرجاء. لذلك نحضّ كلّ اللذين يلتزمون بالتبشير، من أيّة كفاءَة أو أيّة درجة كانوا، إنّ يُنعشوا دومًا فيهم حرارة الرّوح والتقوى (روم 12/ 11).

وإنّ هذه التقوى تتطلّب قبل كلّ شيء أن تنتجنّب الركون إلى ذرائع تتعارض مع التبشير: فإنّ الذرائع الأكثر خداعًا بينها هي، بكلّ تأكيد، تلك التي تستخدم بعض تعاليم المجمع الفاتيكاني لأجل تبرير مسلكيّتهم الخصوصيّة.

فبتواتر مفرط، وتحت أشكال مختلفة، نسمع من يقولون إنّ فَرْضَ حقيقة، كحقيقة الإنجيل مثلاً؛ أو فرضَ طريقةٍ، وإن تكن طريقة الخلاص، فإنّ ذلك إكراه يُقترف ضدّ الحريّة الدينيّة. ويضيفون إلى ذلك قائلين: لماذا التبشير بالإنجيل، في حين نَعْلم إن كلّ إنسان يَخلُص بصفاء قلبه؟ ومن جهة أخرى، نعرف أنّ العالم والتاريخ مليئان من "بذار الكلمة الإلهيّة". ومن ثم أليسَ وهمًا الإدّعاء بحَمْل الإنجيل إلى حيث هو موجود من خلال هذا البذار الذي وزّعه الربّ ذاته.

إنّ مطلق شخص، إذا ما إجتهد متفحّصًا بعمقٍ - على نور الوثائق المجمعيّة - هذه القضايا التي تعرضها حُجَجٌ واهية وسطحيّة بهذا المقدار، إنّ هذا الشخص سيجد رؤيةً مختلفةً تمامًا عن الواقع.

وإنّنا لواقعون في ضلالٍ، لا محالة، إذا ما حاولنا فَرْضَ أيّةِ فريضةٍ على ضمائر إخوتنا. أمّا أن نفرض على هذه الضمائر، الحقيقة الإنجيليّة، والخلاص المقدَّم لنا على يد السيّد المسيح، بكلّ وضوح، وإحترام مطلق، (إزاء الخيارات الحرّة التي يمكن هذه الحقيقة الإنجيليّة أن توفّرها فيما بعد)، بعيدًا عن إتّخاذه كإعتداء على الحرية الدينية، فإن في هذا الفرض لتكريمًا تجاه هذه الحرية التي نقدِّمُ لها حرية إختيار طريقةٍ يؤكّد الجاحدون شرفه وسموَّه. وإن كلّ ذلك يجري إزاء هذه الضمائر، بدون أدنى ضغوط أو إستمالات أو تحريضات هي في غير محلّها. فهل هناك جريمة ضدّ حريّة الآخرين، في أن نذيع بفرحٍ تلك "البشرى السارّة" التي عرفناها بفضل رحمة الربّ ومحبّته؟ ولماذا يَحقّ - مع الأسف الشديد - للكذب، والضلال، والإنحطاط، والإباحية، والخلاعيّة وحدهم، أن يُعرَضوا ويُشجِّعوا، وأن يُفرَضوا بدعاية هدّامة منتشرة بواسطة وسائل الإعلام الإجتماعيّة، ومن خلال التسامح الشرعي، وبسبب وجل وخوف الصالحين، وجسارة ووقاحة الأشرار والخبثاء؟

إنّ هذه الطريقة الشريفة والمُشرِّفة لفَرْض حقيقة المسيح وملكوته، هي أكثر من حقّ، إنّها واجب على المبشِّر؛ وهي في الوقت ذاته، حقّ لإخوته بأن يقبلوا بواسطته، إعلان "البشرى السارّة" الخلاصيّة. ويتحقّق هذا الخلاص من لدن الله، في الشخص الذي يريده، وبالطُرُق غير العادية التي يعرفها هو وحده. ففي الواقع، إذا أتى إبنه إلى العالم، فلكي يوحي لنا، بواسطة كلمته وحياته، السُبُل العادية للخلاص.

إنّه قد أوصانا أن ننقل هذا الوحي للآخرين، وبسلطته الذاتيّة. فلن يكون عبثًا أن يتفحّص بعمقٍ كلُّ مسيحيّ وكلّ مبشِّر هذه الفكرة التالية في وقت الصلاة، وهي أنّ البشر يستطيعون أن يخلصوا بطرق متعدّدة، بفضل رحمة الله، إذا لم نأتِ على تبشيرهم بالإنجيل. ولكن، هل يمكننا أن نخلّص ذواتنا إذا أغفلنا التبشير به، إن بإهمالنا، أو بخوفنا وخجلنا، أو بتركيزنا على أفكار مغلوطة؟ إنّ ذلك هو ما سمّاه القديس بولس "الإستحياء بالبشارة" (روم 1/ 16). وذلك يفهمنا ما هو عدم الأمانة على دعوة الله الذي يريد، من خلال خدَّام أسرار الإنجيل، أن يجعل البذار تنبت؛ وهكذا، يتعلّق بنا أن تتحوّل هذه البذار إلى شجرة فتؤتي ثمارها اليانعة.

 

"فلْنحافظ إذًا على حرارتنا الرّوحيّة؛ ولنحافظ على فرح التبشير العذب والمنشِّط، حتى في الظروف التي تُجبرنا على زرع الكلمة بين رشاش دموعنا.

فلنقتَدِ، في ذلك، بيوحنّا المعمدان، وببطرس وبولس، كما بسائر الرسل، مع الجماهير من المبشّرين المدهشين الذين توالوا على مدى تاريخ الكنيسة، عاملين بحميّة داخليّة لا يخمُدها إنسان أو أيّ شيء آخر. ولتكن حرارتنا الداخليّة هذه هي الفرح الأكبر في حياتنا العاكفة والمضحيّة. وليسمح الربّ بأن يستطيع العالم المعاصر - الذي يبحث أحيانًا بقلق، وأحيانًا بأمل ورجاء - أن يقتبل "البشرى السارّة"، ليس على أيدي المبشّرين الحزاني واليائسين، نافدي الصبر أو المضطربين، بل بواسطة خدَّام الإنجيل الذين تشعّ حياتهم بتقوى أولئك الذين حازوا، قبل كلّ شيء في ذواتهم، فرح المسيح، ويقبلون بكلّ طواعيّة أن يكرّسوا حياتهم لمهمّة إعلان ملكوت الله، وإنغراس الكنيسة في العالم".

إنّ البابا بولس السادس الذي تأثّر، بنوع من الأنواع، "بالزرع بين الدّموع"، ترك لنا هذا الإرشاد الذي يشكّل وصيّة روحيّة، ووثيقة أساسيّة للتبشير الجديد الذي دعانا إليه البابا يوحنّا - بولس الثاني المالك سعيدًا. فهذا الإرشاد الرسولي ليس مجرَّد صفحات نظرية، بل صفحاتٍ تجيب على اختبار أحدِ باباوات الجيل العشرين العظام، الذي عرف كيف يعلو على المتناقضات الكائنة بين الكنيسة والعالم، والذي خبرَ الحياة، فاستطاع أن يفهم الزمن الحاضر، ويُشير بإصبعه وباليقين المطلوب، إلى مفهوم المستقبل؛ كلّ ذلك بشكل نوعٍ من النبوءة التي ما زالت تتحقّق.

 

الخاتمة، مريم، كوكب التبشير!

لقد أنهى البابا بولس السادس إرشاده الرسولي قائلاً: "تلك هي رغباتنا التي يطيب لنا أن نضعها بين يدي مريم وفي قلبها الطاهر من كلّ دنس، غداة عيد العنصرة، حين قادت بصلاتها بدء التبشير تحت تأثير الرّوح القدس. فلتكن كوكب التبشير المتجدّد أبدًا والذي على الكنيسة الخاضعة إلى وصيّة الربّ، أن تشجّعه وتحقّقه، خصوصًا في هذه الأزمنة الصعبة والمملوءة رجاء".

وإذا كانت هي الكوكب، فهي نقطة يرجع إليها كل مسافر على هذه الأرض.

 فالبابا يشير هنا، ليس إلى حقيقة لاهوتيّة وحسب، بل يعبّر عن إختبار مارسه الشعب المسيحي الذي إهتدى إلى الله من خلال شخصيّة العذراء القديسة وصُوَرها، منذ الأجيال الأولى للمسيحيّة. فشعوبنا الذين كانوا أحيانًا محرومين من وجود رُعاة معهم، لعلّة أو لأخرى، قد إستُدعوا ووُعِظوا بمجرَّد وجود صورة للعذراء مريم في أحد معابدها. فإلى هناك توجَّهوا جميعًا، وكان الإختبار المشترك والشائع أنّهم رجعوا بإيمان أوفر ووطيد: إنّ رمز مريم "كوكب التبشير" برز كدافع عملي، وكثمرة إختبار لإمتلاك رجاء أكبر. وهكذا فإنّ التعبُّد لأمّ الله هو كالأساس العميق في حياة شعوبنا، ولكنّه يطفو ويبرز في الأزمنة المناسبة، ليُوحِّد الكنيسة، تمامًا كما حصل ذلك في عيد العنصرة.

 

 

                                                                  الأب يوحنّا سليم سعاده

                                                                               ر.ل.م