سرّ التـوبـة

 

 سرّ التـوبـة

 

 

نتأمّل اليوم في مفهوم التوبة وسوف نتوسّع في عرض عن "سرّ التوبة بحدّ ذاته" : أي عناصره ومفاعيله، ...

 

  إذاً، على سؤال ما هي التوبة نجيب ما يلي:

 

هي باطنية تُعاش في الداخل هي إرتداد القلب. هي إعادة توجيه جذرية من الداخل لكل حياتنا. هي إنسحاق القلب، هي عمليّة روحيّة داخليّة، عاشها المسيحيون الأولون بدموع وقلب منسحق. مسيحياً هي إرتداد إلى دينامية المحبّة، إلى أصالة الذات، إلى الله الحيّ.

 

التوبة تعني أن الإنسان دخل إلى ذاته و شعر بخطيئته وندم عليها وكَفّر عنها وأراد الإبتعاد عن كل المظالم والرجوع الى صوت الحق والضمير، أراد أن يبقى الله حيًّا فيه. لا يريد أن يموت الله فيه.

 

التوبة هي إشتراك في فصح المسيح، المسيح مات على الصليب من أجل خطايانا. بموتي عن الخطيئة أبذل نفسي عن الله والآخرين. الله صالحنا بالمسيح وصالح العالم مع نفسه. كان هذا حدث الفصح: موت المسيح وقيامته. الإنسان التائب يشترك في فصح المسيح الخلاصيّ. تنعتق طبيعته البشريّة من ضعفها ليأخذ طبيعة الله وطبيعة الحياة. الخطيئة تُدخل الإنسان إلى الموت، المسيح بالتوبة يُدخل الإنسان إلى حالة القيامة والحياة.

 

إنطلاقاً من هذا المفهوم الرّوحي للتوبة كان الآباء الروحيّون يعرِّفون عن ثلاثة أشكال للتوبة. الصوم والصلاة والصدقة وهي كلّها تعبير عن الإرتداد الداخلي. ولقد إرتدت هذه الأشكال الثلاثة أنواعاً متعددة من الممارسات للتعبير عن التغيير الجذري في حياة الشخص. كانت تتنوع الأعمال التكفيريّة للدلالة على التوبة، كان يبذل الإنسان جهداً عند عيش التوبة، دموعاً لخلاص نفسه وإهتماماً بالآخرين وممارسة أعمال المحبة.

 

وكانت التوبة تُعاش يومياً بأفعال مصالحة منها الإهتمام بالمعوزين وتأديب الذات ومحاسبتها  وطلب الإرشاد من الآخرين، وتحمّل الأوجاع والإضطهادات، وحمل الصليب كل يوم وممارسة سرّ القربان. هذه كُلُّها أعمال صوم وصلاة وصدقة تَرُدُّ إلى التوبة.

 

 أمّا في حياتنا التَقَويَّة وبالأخص الليتورجيّة فإن التوبة بارزة بشكل ملحوظ وملموس:

 

ففي حياتنا المسيحية أوقات للتوبة على مدار السنة الليتورجيّة. ففي زمن الصوم وكل يوم جمعة أي تذكار موت المسيح، كانت تُكثَّف ممارسة التوبة من خلال الرياضات الروحيّة وساعات السجود والحج والمشاركة في أعمال الخير والرسالة. فالتوبة مجبولة في حياة الإنسان المسيحي وفي تاريخنا الكنسي.

 

يروي يسوع المسيح أجمل وصف لحركة الإرتداد والتوبة في مثل الإبن الشاطر. عاش في البؤس وبدد ثروته وانخزى في العمق، تأمل في الخيرات التي فقدها فعاش التوبة وقرر الرجوع إلى أبيه. عرف أنه مذنب وأنه لا يستحق العودة. لكن الأب الرحيم بمحبته وسخائه ردّ لإبنه البنوّة.

 

هذه كانت عظمة الأب الرحيم! سرّ التوبة هو عندما أكتشف بسبب خطيئتي أبوّة الله الذي يحضر ويحضنني. كم لي من الخطايا وكم لك من المراحم يا ربّ، لو وزنتها رحمَتُك فهي أكبر من جبال خطاياي.

 

رحمة الرّبّ ليست لنطمع بها، بل لنعرف أن المحبّة أقوى من الموت. الرّبّ يخلقنا إنساناً جديداً إن عدنا عن خطايانا. مُرتَدّون كُثُر إكتشفوا عظمة الله، حيث كَثُرَت الخطيئة تَكثُر النّعمة. التوبة هي طريق لذاتنا لنكتشف ضعفنا، والحريّة الزائفة التي عشناها وفي الوقت نفسه هي طريق خير وفرح لأن الرّبّ يفيض علينا مراحمه.

 

إذا كان الكاهن يغفر الخطايا فلأن الله أعطاه السلطان، إنّها قدرة من الله، ليس الكاهن بشخصه يغفر بل بإسم الرّبّ. وحده الله يغفر الخطايا، ويجعل الإنسان يتغلّب على ضعفه لأن محبّة الرّبّ أكبر بكثير من خطيئة الإنسان.

 

علينا أن نُحب المصالحة والغفران والتوبة، وألّا نعتبر هذا السرّ موجوداً لِكشف بؤسنا، إنّه سرّ محبّة، علينا ان نحبّ هذا السرّ فهو سرّ إنقاذ الإنسان فعلياًَ، ليس المؤسف أن نُخطئ بل ان نبقى في الخطيئة. المسيح أحبنا على خشبة الصليب خشبة العار، و حوّلها إلى خشبة خلاص. والكنيسة تُعطينا خشبة مِنبر التوبة، لِنُحبَّها لأنها تُذكّرنا بخشبة الصليب بنعمة الرّبّ الدائمة في حياتنا، بسرّ سخاء الرّبّ الذي لا يتوانى عن العمل من أجلنا وعن التضحيّة في سبيلنا.

 

-   ما هي عناصر سرّ التوبة؟ 

 

عناصر سرّ التوبة:   فحص الضمير والندامة والإقرار بالخطايا والتكفير والحلّة والكفّارة.

 

1)  فحص الضمير

 

أنواع الضمير:  في القواعد يوجد ضمير منفصل ومتّصل، كذلكَ في الحياة المسيحيّة يوجد ضمير منفصل وضمير متّصل بالله. المطلوب هو أن يكون ضميري متّصلاً بالله.

 

الناس يتوزعون إلى ثلاث فئات:

 

ذات ضمير مخدّر يحوّلون الحرام إلى حلال.

 

ذات ضمير موسوس: أدنى صغير يجعلون منه جريمة كبيرة ولا يرون الخطيئة في حجمها وهذا طرف آخر وليس المطلوب.

 

وذات الضمير السليم هم الذي يرون الخطأ خطأً في حجمِه.

 

فحص الضمير هو إعادة قراءة الحياة يومياً لأرى الإيجابيات والسلبيات على الضوء الذي يمنحني إيّاه الله في حياتي.

 

2)  الندامة هي ليست مجرّد شعور بالأسف، هي إرتداد القلب في الداخل والعودة في العمق لملاقاة الله. ويجب أن تصدر عنها أفعال يعيشها التائب في داخله: محبّة الله فوق كلّ شيء. وتبقى الندامة ناقصة إذا لم يعد الإنسان إلى محبّة الله ويحاسب ذاتها.

 

3)  الإقرار بالخطايا يسمح للإنسان مواجهة أعماله ضدّ الله ويتحمّل مسؤوليتها وهذا مهم حتى لا يعود إليّها ثانية.

 

وهذا جزء جوهري من سرّ التوبة.  كثيرون منّا يقولون لماذا هذا الإقرار أو يخجلون منه، ويعترضون على الإعتراف: لماذا أعترف وأعود لخطيئتي؟ ماذا سيفكر بي المسيح إذا قلت خطيئتي؟ لماذا عليّ ان أتحمّل مسؤوليّة الماضي؟

 

البعض يعتبرون الإعتراف يشبه الجلوس أمام الطبيب النفساني وهذا أمر غير مرغوب. وما دامت محبّة الله تسبقنا، لماذا عليّ أن أعترف بخطيئتي؟

 

وكثيرون يعترفون لله مباشرة، وينسون درب الندامة والتواضع، وإن كلام الكاهن وتوجيهه والحلّة التي يُعطينا إيّاها هي تأكيدات لما يمنحه الله.

 

والبعض يعترضون أن الإعتراف إذلال، إنما هو بالحقيقة وقفة صدق مع الذات والله.

 

الإعتراف إذاً هو فعل تواضع، أعيشه في قلبي، وأعبّر عنه أمام الكاهن. وهذا وعي للخطيئة وتأكيد للغفران الذي أحصل عليه من الله.

 

4) التكفير توجد خطايا إقترفتها تجاه الله والآخرين وذاتي. عليّ ان أجد سبيلاً لأُكفّر إذا أهنت آخر، وأن أُعوِض. إن جحدت بالله أعوض بفعل إيمان كبير. التكفير تعويض عن الخطأ الذي تمّ في حياتي، وعليّ أن أعيشه بالعمق.

 

5)  الحلّة الأسقف والكاهن وحدهما يمنحاني غفران خطاياي.

 

6)   الكفّارة  الكاهن يحدّد ما عليّ أن أقوم بأعمال رحمة أو تقشّف وصلاة لأعوّض عن خطيئتي.

 

(راجع تيودول ري مرميه "تعالوا إلى المصالحة". الإعتراف اليوم، منشورات سنتريون، باريس. طبعة سادسة، 1975).

 

ما هي مفاعيل سرّ التـوبـة؟

 

سرّ التوبة له مفاعيل في النفس الإنسانية وفي عيش الإنسان التائب، ككل الأسرار الباقية. ولسرّ التوبة أربعة مفاعيل عامّة يشرح عنها كتاب التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، الصادر مؤخراً. هذا بالإضافة إلى المفاعيل الثانوية الأخرى كالرّاحة والسلام النفسي الذي يحصل عليه التائب، كالشعور بالتجدد والحميّة إلى الإنطلاقة الجديدة. نتوقف عند المفاعيل الأساسيّة الأربعة:

 

"1"-    أوّل مفعول هو المصالحة مع الله: يقول التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة في العدد 1468: كلّ مفعول سرّ التوبة أن يعيدنا إلى نعمة الله ويضمنا إليه في صداقة قصوى. إن الذين يُقبِلون إلى سرّ التوبة بقلب منسحق وإستعداد ورع يشعرون من بعده بسلام الضمير وراحته ترافقهما تعزية روحية قويّة. ذلك بأن سرّ المصالحة مع الله يجلب لنا قيامة روحيّة حقيقيّة وإسترداداً لما يملكه ابناء الله في حياتهم من كرامة وخيرات أثمنها صداقتنا مع الله.

 

"2"   المفعول الثاني:  هذا السرّ يصالحنا مع الكنيسة.   فالخطيئة تحطم الشركة الأخويّة. سرّ التوبة يصلحها ويرمِّمها. وهو في هذا الصدَّد لا يشفي فقط من أُعيد الى الشركة الكنسيّة بل يُحدث أثراً محيِّياً في حياة الكنيسة التي ألمّت بها خطيئة أحد أعضائها. فإذا ارتدّ الخاطئ إلى شركة القدِّيسين وثَبُتَ فيها فهو يتقوّى بتبادل الخيرات الروحيّة بين جميع أعضاء جسد المسيح الحيّة. سواء الذين لا يزالون في دروب هذه الحياة أم الذين سبقونا إلى الوطن السماوي.،التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية في العدد 1469

 

  "3"   المفعول الثالث: بهذا السرّ يستبق الخاطئ، بوضع ذاته تحت حكم الله الشفوق، الحكم الذي سوف يخضع له في ختام حياته الدنيوية. لأننا الآن ونحن في قيد هذه الحياة يُترك لنا الخيار بين الحياة والموت. وليس لنا إلاّ التوبة باباً لدخول الملكوت الذي تنفينا منه الخطيئة الثقيلة. فعندما يرتدّ الخاطئ إلى المسيح بالتوبة والإيمان ينتقل من الموت إلى الحياة ولا يخضع للدينونة.

 

"4"     المفعول الرابع:  هو الغفران والغفرانات التي يحصل عليها الإنسان، هو النعمة الخاصة التي يحصل عليها الإنسان من خلال عطيّة ربّنا بنعمة المصالحة معه ومع الكنيسة. الغفرانات هي إستحقاقات المسيح والقدّيسين التي يفيضها الرّبّ علينا من خلال إلتماسنا بتوبتنا الغفران منه.

 

    مانح سـرّ التوبـة؟

 

بالعودة إلى نص التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة في عدده 1461 نجد أنّ المسيح قد وَكّل إلى رُسُلِهِ خدمة المصالحة فالأساقفة خلفاؤهم والكهنة معاونو الأساقفة يواصلون القيام بهذه الخدمة. الأساقفة والكهنة هم الذين يملكون بقوّة سرّ الكهنوت سلطان مغفرة الخطايا كلّها باسم الآب والإبن والروح القدس.هذه المغفرة التي تُصالحنا مع الله والكنيسة.

 

الأسقف هو الرأس المنظور في الكنيسة هو صاحب السلطان الأول في خدمة المصالحة، والكهنة يمارسون هذا السلطان بقدر ما ينتدبهم لهذه المهمة اسقفهم. الكاهن يأخذ الإذن من اسقفه ليمارس سرّ الإعتراف. وذلكَ ضمن الأبرشية، والبطريرك يمنح بعض الكهنة إذناً ليعرّفوا في كلّ المناطق، وقداسة البابا يمنح الإذن لكهنة ليعرّفوا في كلّ مكان. والأسقف الذي يحلّ من كل الخطايا يعطي هذا الإذن أو بعضاً منه للكاهن. في حال خطر الموت يجوز لكلِّ كاهن وإذا لم يُفوَّض إليه سماع الإعترافات أن يحلّ من كلّ خطيئة ومن كلّ حرم.

 

 عندما يقوم الكاهن بخدمة سرّ التوبة انّما يقوم بخدمة الراعي الصالح الذي يبحث عن النعجة الضالّة وخدمة السامري الرحيم الذي يضمّد الجروح والأب الذي ينتظر الإبن الشاطر ويرحّب به عند عودته والقاضي الذي لا يُحابي أحداً ويصدر حكماً عادلاً ورحيماً. وقصارى القول أن الكاهن هو علامة محبّة الله ورأفته بالخاطئ وأداتهما.التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية العدد: 1465

 

الخاطئ يخاف من خطيئته والكاهن يعيش هذا السرّ بالرهبة نفسها، مسؤوليّته كبيرة وسامية.

 

 

الخاتمة:

إن سرّ المصالحة كالإفخارستيا، هو ليس سرّ مرحلة من مراحل الحياة المسيحيّة الكبرى. بل هو سرّ "الطريق"، غالباً ما نمارسه. لذلكَ فهو يشكّل قضيّة في نظر الكثيرين.

 

راجع التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية