ما معنى أن نقبل في حياتنا منطق الصليب الافخارستي؟

 

 

ما معنى أن نقبل في حياتنا منطق الصليب الافخارستي؟

 

 

إن اتخاذ إبن الله الطبيعة البشريّة وقبوله الطوعي الفداء بشخصه- جسده من على خشبة الصّليب (يو19: 31- 37)، كشف للعيان عن نظرة الله المحبّة تجاه الإنسان المخلوق على صورته ومثاله (راجع، تك1: 27)، إنّ هذا المخلوق الفريد، يحمل في إنسانيّته حقيقة مستقبله المنتظر، الذي يتحقق ويتمّ ويكتمل في عيش منطق العطية –المجرّدة، ولكن عن أي عطيّة نتكلّم؟

إنّها الذات المتجلية دومًا وأبدًا في الحبّ الفدائي من أجل اﻵخر المختلف، إنطلاقًا من النموذج والمثال والقدوة يسوع المسيح إفخارستيّة الحبّ، الذي أظهر للعيون حقيقتنا الحقة، أنّ الله حبانا في إنسانيتنا المخلوقة.

 

هذا التحقق لهويتنا، يظهر ويتحدّد  في أرض الواقع المختلف والمتشعب والمعقـّـد، إنطلاقـًا من مدى فهمنا وإنفتاحنا وعيشنا للحبّ الحقيقيّ، الذي يقودنا بشكل تلقائي ولذيذ إلى الشّهادة المسيحيّة.

بكلام آخر، إنّه حب يملك قدرة التحوّل والتألّه، يحوّل "الأنا- النرجسيّة" إلى أنا عطيّة دائمة للـ"أنت" والـ"نحن". شبّه الرّبّ يسوع حقيقة العطيّة – الأنا [ذاته] بحبّة الحنطة التي تقع في اﻷرض وتعطي حياة (يو12: 24).

وهذه الحبّة تقودنا إلى  كياننا المدعو دومًا وأبدًا على مثال سيّده إلى الحياة.  يتحقـَّق كياننا  في غرس -  الذات في أرض الواقع، بهدف أن تنبت براعم خبز الحياة والحبّ والعطاء والفرح والرّجاء (يو25)، بكلام آخر، تتحوّل بالمسيح إلى عطيّة الحياة للمائتين (يو6: 35 و لو24: 30) .

وحده الحبّ - الإفخارستيّ، يمكّن اﻹنسان أن يقبل بفرح وقوّة، مشقات الحياة وصعوباتها، وفي هذا الحبّ تتقوى الإرادة بقوّة الغفران، تلك القوّة لا تملكها ممالك قساوة القلوب والأحقاد، لا بل إنّها غريبة عنها. 

تعبّر ثقافات اليوم، عن الصّليب – الإفخارستيّ، بأنّه علامة عار أو ضعف أو محنة (1قور1: 18) ... لهذا نرى أن البعض يتجنبه، والبعض الآخر يحاول التخلّص من المفردات والمصطلحات التي تتعلّق بمسألة التضحية، وبكلام آخر، الإنسان، يبحث عن التألّه ولكن بطريقة خاطئة..

في هذا التفكّر المشؤوم والكئيب، يتشّوه الإنسان، وفي هذا التشوه، تُقحم الإرادة بمتاهات الميوعة، فتنفذ  القساوة إلى القلب، وتجفّ المحبّة، ويضعف التضامن والشّركة مع آلام اﻵخرين ولاسيّما ضحايا الإستبداد والظلم والتزمت. ومن هنا بإمكاننا فهم حجّة ثقافات اليوم، في تبرير الذهنية المنفعيّة والمادية المتزمتة، والعدمية.

في قبول منطق الصّليب أي منطق الإفخارستيا، يتحدّد مصير كلّ مسيحي وكلّ زوج وزوجة وأرمل وأرملة، وراع وكاهن وراهب وراهبة، وعلماني وعلمانيّة... لهذا نعرف المسيحيّ، بما يملكه من قدرة وقناعة في عيش حقيقة المسيح- العطيّة الإفخارستيّة، بشهادته المتواصلة للحبّ والغفران والعدالة، والمثابرة البطوليّة حتى اﻹستشهاد في تحمل نقائص اﻵخرين،

والعمل المتواصل في تحويل الواقع من حالة البؤس والظلم واﻹستبداد والجهل والقساوة، الى مساحة الحبّ حيث تحلّ حريّة أبناء الله، فتزهر ثمار الرّجاء والفرح، في بنى الهيكليّات اﻹجتماعيّة اﻹقتصاديّة والسياسيّة (غلا5: 22- 24)... إنه تحوّل إفخارستيّ روحيّ بإمتياز، إنطلاقاً من سرّ الأسرار أي ذبيحة جسد ودم يسوع المسيح.

المسيحيّ هو حامل العطية - الإفخارستيّة والشاهد لها والمدافع عنها، يعلنها دومًا وأبدًا في إنسانيته وفي نوعية حبّه وجدية إلتزامه، وجودة أفعاله وذلك في واقعه المعاش. فخره جرح المصلوب (رو15: 17؛ 2كور11: 3 و12: 9)، قوّته إختبار الصّليب الظافر الذي تجري منه، أنهار الحبّ الحيّ المتدفقة في عقول وأفئدة المؤمنين اﻷمناء اﻷوفياء.

وأخيراً، المسيحيّ هو من يسير خلف سيّده وربّه وفاديه، يبحث معه عن الضائع والتائه والكئيب والقلق والمهمش، وأيضًا من فقد الرّجاء في الحبّ والكنيسة والحياة (لو15).... ليضعه في وليمة الحبّ الأبديّة، وليمة الإفخارستيا، فيصبح عطية الحبّ الفدائي،  للقلوب الجائعة، عطيّة تحوّل بقدرة روحانيّة الحبّ - الإفخارستيّ براري العالم إلى  بستان حبّ، تعبق منه رائحة الفضائل، فيأتي المسيح لكي يرتاح ويتنعم في  الإنسان (آش31: 1).

 

 

موقع زينيت