مسحة المرضى

 

مسحة المرضى

 

مسحة المرضى

 

 

 

الأسرار حضورٌ للمسيح معنا في أهمّ مراحل الحياة. هل من مرحلة أهمّ لنا من مرحلة المرض ولا سيّما الثقيل منه والمعرِّض للموت؟ هل من ساعة أشدّ هولاً من ساعة الموت؟ "ربُّ الموت، كما يقولون، خاف من الموت!" (انظر مرقس 14 /36). إذًا، لا بدّ للمسيح من أن يكون إلى جنبنا في تلك السّاعة. هذا ما يحصل في سرّ المسحة، أو كما سُمِّي في التقليد الشَّرقيّ، "الزَّيت"، "الزَّيت المقدّس"، "زيت التائبين"، "زيت الصَّلاة"، وكما سُمِّي في التقليد الغربيّ، "زيت المسحة"، "المسحة المقدّسة"، أو مسحة المرضى" كما آثر أن يقول المجمع الفاتيكانيّ الثاني.

 

 

واضحٌ أنّ المسيح نفسه لم يكن يلجأ إلى الدَهن بالزيت ليشفي من به مرض جسديّ أو روحيّ. لماذا؟ لأنّه هو "المسيح"، هو "الممسوح" الإلهيّ، هو "الزَّيت المقدّس" - إن جاز التعبير - الذي ينفُذ إلى من يُعمَّد أو يُثبَّت أو يُسام كاهنًا أو يُغفَر له أو يشفَى من مرض. 

 

 

المسيح لم يَمسح بالزيت. لكنّه وافق عليه، إنْ لم يكن أوصى به، لمّا أرسل الاثنيّ عشر قائلاً: "اشفوا المرضى، أقيموا الموتى، طهّروا البرص، أخرجوا الشياطين"، "فمضوا وكرزوا بالتوبة، وأخرجوا الشياطين، ودهنوا المرضى بالزيت وشفوهم" (متى 10 /8، مر 6 /12 - 13).

 

 

ومنذ ذلك الحين، ما فتئت الكنيسة تمنح سرّ مسحة المرضى. جاء في الفصل الخامس من رسالة القدّيس يعقوب: "هل فيكم مريض؟ فليَدعُ كهنةَ الكنيسة وليصلّوا عليه، ويمسحوه بالزيت باسم الرّب. فإنّ صلاة الإيمان تخلّص المريض. والرّب يعافيه. وإنْ كان قد اقترف خطايا تُغفَر له" (14 - 15). هذا النصّ يستشهد به المجمع التريدنتيّ ليعلن أنّ "مسحة المرضى المقدّسة قد وضعها المسيح ربّنا سرًّا من أسرار العهد الجديد" (الدورة 14، 25/11/1551). ذلك يعني أنّه لمّا كان المرض من عواقب الخطيئة، ولمّا كان السرّ الكنسيّ اشتراكًا في موت المسيح وقيامته، فإنّ المسحة تُشرِك المريض في انتصار المسيح على الخطيئة والموت، إمّا بنعمة الشفاء، وإمّا  بنعمة القوّة لمجابهة الموت، كما وبنعمة الغفران في كلا الحالتين... يقول برنار برو إنّ مسحة المرضى "تُظهِر وتُحضِر ناحيتين من فصح الرّب. إنّها مِثلُ الصدى الجسديّ، في حياتنا، لآلام المسيح وقيامته. وهي ذاتُ مفعولين متناقضين: تَجَنُّب الموت وتسهيله، معًا".

 

 

 

 

"ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمل"! هذه الفسحة موجودة، لكنّها فسحة تضيق وتتقلّص، يومًا بعد يوم، الى أن يغرَق "العيش" في لجّة الموت المحتّم! الحياة كلُّها مشدودة إلى غدٍ أفضل. لكنّ الحياة تقدّم لنا كأس الموت، جَرعةً جرعة: مريض، حادث، نوبة قلبيّة، خيبة أليمة، حُبٌّ يتلاشى، عزلة مريرة، شيخوخة متسارعة... خيوط العنكبوت في تمّوز (يوليو) تُنذِر بالخريف. أوراق الخريف الصّفراء تُنذِر بالشّتاء. شمس الأصيل تُنذِر بالغروب. مع الأيّام، ينحني منّا الظهر نحو التّراب، تراب القبر، وتتعطّل منّا الصحّة والعقل والعلاقة مع الغير. وإذا ما ابتلانا المرض في الشّيخوخة، نشعر بأنّنا في عزلة أليمة إذا صرنا عِبئًا على الغير، حتى أقرب المقرَّبين. كما ونرى الحياة وما فيها من علاقات تُفْلِت منّا كالماء من بين الأصابع. حتّى الله نفسه يبدو وكأنّه يتخلّى عنّا ("إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟").

 

 

فسحة الأمل تضيق وتتقلّص. لكنّ المسيح، بمسحة المرضى، يعود فيُوسِعها إيساعَ الأبد.

 

 

 

لقد وصف البابا بولس السادس، استنادًا الى المجمع التريدنتيّ، مفاعيلَ هذا السرّ بقوله: "الواقع هو هذه النعمة، نعمة الرّوح القدس، التي تمحو مسحتُها الخطايا، إنْ كان هناك من تكفير عن الخطايا. كما وتمحو آثار الخطيئة. وإنّها تُروِّح عن النفس المريض وتقوّيها، إذ تحرّك فيه ثقة كبيرة برحمة الله. فالمريض، وقد خفَّ عنه ما به، يتحمّل بالمزيد من الارتياح مشقّات المرض وأتعابَه، ويقاوم بالمزيد من السهولة تجارب الشيطان "الذي يَرصُد العَقِب" - تكوين 3/15 - ولقد يستعيد أحيانًا الصحّة الجسديّة إذا ما كان الأمر للنفس مفيدًا".

 

 

نستخلص من هذه الأقوال ومن غيرها، مفاعيلَ سرّ مسحة المرضى، كما يلي:

 

1- التعافي والعودة الى الحياة الطبيعيّة، بقَدْرِ ما يكون ذلك لخير المريض الحقيقيّ، وبحسب التقدير الإلهيّ.

 

 

2- غفران الخطايا، حتّى لو أنّ المريض في حال اللّاوعي، على أن يكون قد أظهر استعداده لذلك في وعيه.

 

 

3- الرّجاء بالقيامة. هذا الرّجاء هو الدّواء الرّوحي الحقيقيّ، أتعافى المريض أم لا.

 

 

4- الايمان بأنّ العذاب سوف يكون لنا، كما للمسيح، طريقـًا إلى المجد الأبديّ (لو 24 /26).

 

 

5- تخفيف القلق حِيالَ الموت، بحيث إنّ هذا لا يعود قَدَرًا يَنزِلُ بنا نُزلَ الأمر المحتمّ، بل أمرٌ نتقبّله بحريّة المؤمن بأنّ الموت موتٌ مع المسيح للقيامة معه.

 

 

 

جاء في رسالة مار أنطونيوس بطرس خريش، لسنة 1982: "إذا كانت هذه هي منافع سرّ مسحة المرضى، فكيف يجوز التغاضي عن قبوله، وإهمالُ دعوة الكاهن لمنحه، أو رفضُ السّماح له بزيارة المريض لمدّة بما تضعه الكنيسة تحت تصرّفه من مساعدات روحيّة، أو إرجاءُ هذا الواجب الى ما بعد فُقدان المريض وعيَه؟ وبدلاً من الاهتمام بهذا الأمر، ينصرف مَن حولَ المريض الى إعداد مأتمٍ فيه من المظاهر الخدّاعة ما يجعل الموت أقرب الى مفهوم الوثنيّة منه إلى المسيحيّة...".

 

 

 

 

نعم، أين الرّوح المسيحيّة في كلّ ما يسترسلون إليه في المآتم من أقوال ندّابين وندّابات، وإطلاقِ رصاص، وطنين أبواق وهدير طبول، وتهزيز نعوش، وتَفجُّعٍ مُغالىً فيه؟... أين الإيمان؟ أين الرَّجاء؟ أين ما قاله القدّيس بولس: "لا تحزَنوا كغيرهم ممَّن لا رجاء لهم! إنّ يسوع قد مات قام. كذلك من رقدوا في يسوع، سينقُلُهم الله إليه معه" (1 تس 4 /13 - 14)؟ أين ما يقوله الجميع: "يجب أن تعبِّر رتبة الجنّازات، بوضوحٍ أشدّ، عن الطابع الفصحيّ للموت المسيحيّ" (ل، 81)؟ أين ما يقوله أحد أدبائنا: "أهو قبرٌ هذا الذي أَدخُله جثّةً باردةً، فأخرج منه ملتهبًا بالحياة؟... فيا من تَمُرُّ بضريحي، لا تبكِ عليَّ! بل قِفْ صامتًا متخشّعًا، لأنّي كنت ميتًا بين الأحياء، وها أنا حيّ بين الأموات".

 

 

 

 

                                        الأب جميل نِعمَة الله السّقلاوي اللعَازري