مفاعيل سرّ التجسّد

 

 

 

مفاعيل سرّ التجسّد  

 

 

مفاعيل سرّ التجسّد

 

1- بالتجسّد صرنا أبناء الله

  أصبحنا أبناء الله كما أنّ يسوع هو ابن الله: "أمّا الذين قبلوه وهم الذين يؤمنون باسمه فقد مكّنهم أن يصيروا أبناء الله" (يو 1/12). الذين قبلوه كما قبلته العذراء بالإيمان، "فهم الذين لا من دم ولا من رغبة رجل بل من الله ولدوا" (يو 1/13). في هذه الآيات نجد الارتباط دائماً بين كيف صار المسيح جسدًا، وكيف أصبحنا أبناء الله، فهو لم يأتِ لمجرّد أن يحلّ في جسد بشريّ واحد، بل جاء ليحلّ في كلّ البشر. لذلك يمكن اعتبار لحظة ميلاد المسيح نقطة بداية لعمليّة كبيرة بدأت تنتشر وتعمّ، إنّها حركة تأليه الإنسانيّة جمعاء.

 

 

فالميلاد هو النافذة التي دخل منها ملء اللاهوت إلى الأرض، ومنها بدأت تسري في جميع الأعضاء. وما تمَّ في جسد العذراء قابل لأن يتمَّ في كلّ إنسان، فمريم صورة البشريّة المُفتداة، وكثيراً ما أكّد الآباء أنّ سرّ العذراء هو سرّ الكنيسة. قد نتصوّر أنّ حدث الميلاد يقتصر على ولادة المسيح من فتاة اسمها العذراء مريم منذ نحو ألفي عام. كلّا، فما تمَّ فيها سوف يتمّ فينا أيضاً، وسرّ حلول ملء اللاهوت فيها سوف يتمّ فينا يقينًا، وهذه هي المعجزة.

 

 

 

2- بالتجسّد نعاين اللاهوت بحواسّنا

  هذه هي البشرى السّارة، إذ حلّ ملء اللاهوت فينا وظهر لنا. في رسالة يوحنّا الأولى نجد هذا الإعلان السعيد أنّ ملء اللاهوت ظهر في الجسد: "ذاك الذي كان منذ البدء، ذاك الذي سمعناه، ذاك الذي رأيناه بعينينا ذاك الذي تامّلناه ولمسته يدانا من كلمة الحياة" (1يو 1/1). نعم رأينا الله، بعيوننا، وهو الذي قال عن نفسه في العهد القديم "... لأنّه لا يراني الإنسان ويحيا" (خروج 33/20)، هنا نجد العكس، فكلّ مَن يراه يحيا، على مثال الحيّة التي رفعها موسى على خشبة لكي يحيا كلّ مَن ينظر صوبها وينقذ من الموت (عدد 21/9). "ذاك الذي رأيناه بعينينا ذاك الذي تأمّلناه ولمسته يدانا" أراد أن يجعل اللاهوت ملموسًا لحواسّنا. هذا أمرٌ غريب، فقد تعوّدنا أنّ كلّ ما يخصُّ الله هو فوق إدراكنا وحواسّنا.

 

 

  لو تعمّقنا في هذه الفكرة لكانت مصدر غنى كبير في حياتنا الروحيّة واليوميّة. فقد حلَّ اللاهوت في شخص المسيح الذي ينتسب إلينا منذ حوالي ألفي عام، وهذه شهادة من الشخص الأعمق روحانيّة بين الإنجيليّين، يوحنّا الرسول، الذي يجمع بين السموّ العالي والقرب من المسيح بالجسد، فهو يقول: "لأنّ الحياة ظهرت، فرأينا ونشهد ونبشركم بتلك الحياة الأبديّة التي كانت لدى الآب فتجلّت لنا. ذاك الذي رأيناه وسمعناه نبشّركم به أنتم أيضاً مشاركة معنا ومشاركتنا هي مشاركة الآب ولابنه يسوع المسيح" (1يو 1/2-3). فالشركة التي بين الآب والابن في الجوهر الواحد أصبحت شركة بيننا وبين الآب في جوهره أيضًا.

 

 

3- بالتجسّد أعطي الإنسان الشرفَ أن يلد خالقه

   في مجمع أفسس (القرن الرابع الميلاديّ) دار حوارٌ كبير في الكنيسة حول جواز تسمية العذراء بأمّ الله، ورفض بعضهم هذه التسمية انطلاقًا من كون الله أبّا للجميع، فكيف تكون له أمّ، ورأوا في هذا تجديفًا. لكنّ المجمع أكّد على وجوب المحافظة على هذا اللقب والقبول به، وكان من الطبيعيّ أن يلاقي هذا رفضًا شديدًا من غير المسيحيّين، إذ يَرون فيه قمّة الكفر، وربّما لهذا السبب اكتفت راهبات المير دي ديو (Mere de Dieu) في مصر بكتابة اسم مدرستهنّ على حافلاتهنّ كما تُنطق باللغة الفرنسيّة، فربّما تسبّب مرور أوتوبيس مدرسة (أمّ الله) في شوارع القاهرة في عمليّة شغب كبرى.

 

  في التجسُّد أعطى الله الإنسان الشرف أن يخلق خالقه - إن جاز العبير، وأن يلد مَن وَلدَه. هذا هو انقلاب الأدوار في المسيحيّة. إنّها دين خرافيّ نوعًا ما، وهذا ما يُميّز المسيحيّة والمسيحيّين، وإذا كنّا غير مستعدّين في بعض الأحيان أن نقلب مفاهيمنا ونفكّر بطريقة غير عاديّة سوف تظلّ أمور كثيرة غير مفهومة عندنا في الدين المسيحيّ، وهذا هو ما يمكن أن نسّميه (الإيمان بالمستحيل). "... كلُّ شيء ممكن للذي يؤمن" (مر 9/23). هذه العبارة التي تفوّه بها المسيح هي سبب الرجاء الذي فينا، وكما يقول بولس الرّسول: "أستطيع كلّ شيء بذاك الذي يقوّيني" (فل 4/13)، وهذا ما يجعلنا نتجرّأ في الصّلاة مؤمنين أنّ صلاتنا مستجابة، فبإمكاننا أن نجعلها صلاة الطلبات الغريبة، كما نستطيع أن نجعل من نشاطنا نشاط  التطلّعات العظيمة "... كلّ شيء ممكن للذي يؤمن".

 

 

5- بالتجسُّد وهبنا كلّ قوّته

  من خلال التجسُّد دخل الله في الإنسان وأعطاه كلّ قدرته وقوّته، وقال له: تصرّف... إعمل... اخلق، وكانت هذه هي وصيّته الأولى للإنسان (تك 1/28)، لكنّنا ويا للأسف نعيش بمفهوم خاطئ وكأنَّ الله لم يتجسّد بعد، فما زلنا نعتقد أنّ واجب الله أن يعمل كلّ شيء على أن يظلّ الإنسان في انتظار النتائج، وأحياناً نراه لا يفعل كلّ ما نتوقّعه.

 في القدّاس يخاطب الكاهن الشعب قائلا ً: الربُّ مع جميعكم، ونردّد: ومع روحك. هذه الكلمات تنساب من شفاهنا بدون وعي منّا. الربّ مع جميعكم... الربّ بكلّ ألوهته وقدرته معكم وبداخلكم. نحن لا نقول: فليكن الربّ معكم، بل الربّ معكم بالفعل. لماذا أنتظر إذن أن يتدخّل في حياتي بطريقة مباشرة، فهو يتدخّل بالفعل ولكن من وراء الستار "... أيّها الجليليّون، ما لكم قائمين تنظرون إلى السماء؟ (رسل 1/11)، ونحن لماذا ننظر إلى فوق وننتظر؟ لقد قال لنا حين خاطب تلاميذه "... وهاءنذا معكم طوال الأيّام إلى نهاية العالم" (متى 28/20)، فماذا ننتظر الآن؟ لا يوجد إله فوق، والله غير موجود في السّماء، هو على الأرض، في الإنسان، لذلك حتّى أكون مسيحيًّا عليّ أن أستثمر كلّ الطاقات الموضوعة فيّ، والمسيحيّة ليست كباقي الأديان التي تكتفي بمجرّد الإيمان بالله، بل هي الإيمان بالله في الإنسان.

  وعليه لا تنتظر حلولًا سحريّة تأتيك من فوق، فالله لا يتدخّل بالطريقة التي نتصوّرها، بل يفجِّر بداخلنا ما هو كامن وقائم بالفعل، وهذا لن يتمّ إلّا من خلال فعل الإيمان، الذي يمكن تشبيهه بمفتاح صغير نضغط عليه فيتمّ تفجير جبل عال من خلال سلك متّصل بقدر من المتفجّرات موضوعةٍ في باطن الجبل. الإيمان أبسط شيء لكنّه يسيطر على طاقات كبيرة بداخلنا.

  ها أنا أبشّركم بفرح عظيم: لماذا نقول الله على كلّ شيءٍ قدير، فالإنسان أيضًا على كلّ شيءٍ قدير بسبب حلول الله فيه، والملاحظ أنّ أوّل اسم أ ُطلق على المسيح قبل ولادته عند بشارة الملاك هو "عمّانوئيل" أي الله معنا. ربّما لم يلفُت انتباهنا هذا الأمر. لنتأمّل تلك القوّة الإنفجاريّة الموجودة في تعبير عمّانوئيل... الله معنا، الربّ مع جميعكم... الله معي فممَّن أخاف.. أستطيع كلّ شيء في مَن يقوّيني. لهذا ثق بنفسك ولا تخف، فمَن يتصفّح الكتاب المقدّس يلاحظ أنّ الربّ حين يظهر للإنسان يبادره بكلمة لا تخف، الملاك لمريم... ولزكريّا... وللرعاة، ثمَّ المسيح للرسل، في العهد الجديد كما في العهد القديم، دائماً يبعث فينا الإحساس بالثقة وعدم الخوف.

 

 

  يعوزنا قدر من الجنون في إيماننا، فلكثرة تأثرنا بمعاملاتنا مع البشر فقدنا الطموحات الروحيّة والتطلّعات اللامحدودة، وعلينا بين الحين والآخر أن نعود مرّة أخرى إلى منابع ديننا لكي نكتشف إلى أي مدى كبتنا تطلّعاتنا. واليوم نحن مُطالبون، في ضوء تأمّلنا تجسُّد المسيح، باستعادة هذا الجنون وهذه الجرأة في الطلب، فنؤمن بالمستحيل ونجدّد إيماننا.

  أنظر إلى نواة البلح. أنا أؤكّد لك أنّ بها نخلة. تقول لي:  هل أنت مجنون، فالنخلة نبات فارع الطول... هذا غير معقول. فأؤكّد لك أنّها نخلة إن زرعتها، أي أنّها نخلة في صورة نواة. هكذا كلّنا كنواة ثمرة البلح، والرّجاء المسيحيّ هو الإيمان بما لم يظهر بعد فينا، هذا هو الفرح، وهذه هي البشرى. إيمانُ بطاقاتِ الله غير المحدودة فينا، لأنّ البشريّة تتجّه من خلال التجسُّد إلى تحقيق امتلاء المسيح، واليوم الأخير هو اليوم الذي تبلغ فيه البشريّة قامتها الكاملة، ملكوت الله على الأرض.

 

 

   هناك، ويا للأسف الشديد، انحراف آخر عن الدين هو التواكليّة، حين ننتظر أن تأتينا الحلول من فوق، ونردّد: الله موجود... الله يفعل... كلّه بيد الله... إن شاء الله... إلخ. أنا لا أعترض على اللجوء إلى الله؛ أودّ فقط أن ألفت النظر إلى مفهوم معيّن قد يجعل من ترداد هذه العبارات خطأ. الله يقول لنا: لقد أعطيتكم العقل والفكر والقلب والجسم والإمكانات، كلّ روحي نفختها فيكم، وما عليكم سوى استنفار هذا. المطلوب منّا إنماء الطاقة الموجودة فينا: "مثل ملكوت السموات كمثل حبّة خردل أخذها رجل فزرعها في حقله..." (متى 13/31-32). لقد تجسّد المسيح ودفن فينا، فحبّة الخردل هذه هي بذرة الألوهة. قال لنا: البذرة موجودة فيك، فلا تنتظرها من فوق، لقد وضعتها فيك.

 

 

  نسمع عن خوارق تحدث في العالم.. زراعة أعضاء بشريّة.. هندسة وراثيّة.. تطوّر تكنولوجيّ... ثمّ..، ونتعجّب كيف توصَّل الإنسان إلى هذا. لقد دخلنا في عصر المستحيل، وما نراه الآن هو كلا شيء لما سيكون، إذ إنّنا ما زلنا في الخطوات الأولى من الإنجازات العلميّة والتكنولوجيّة التي تعبِّر عن القدرات التي وضعها الله فينا وبدأت تؤتي أولى ثمارها. أنا متفائل جدّاً بالخطوات القادمة، لا في مجال الإنجازات العلميّة والتكنولوجيّة فحسب، بل وعلى الصعيد الإنسانيّ والروحيّ أيضًا؛ نحن في بداية مسيرة غريبة جدًّا.  هذا الأمل في قدرات الإنسان له بُعد روحيّ حقيقيّ، ولا يعتبر كما يظنّ بعضهم نوعًا من الكفر. نسمع كثيرًا مَن يردّد أنّ البشريّة كلّها في ضلال ومصيرها إلى فناء ودمار؛ هذه ليست نظرة مسيحيّة، وأنا عندي نظرة تفاؤليّة إلى الإنسانيّة، أنا مؤمن بالإنسان، وإيماننا بالله يجب أن يترجم إلى إيمان بالإنسان، وإلّا سنظلّ نعيش في العهد القديم. لذلك قصدت تقديم هذا الجزء من الكتاب الذي يربط بين إيماننا وحياتنا.

 

   أنا مؤمن بالإنسان، مؤمن بقدرته على النهوض من كبواته على الرغم من مظاهر القصور التي نرصدها اليوم. كلّ شيء قابل للإصلاح، وهذا موجود بداخل كلٍّ منّا، وعلينا أن نبحث عن طريق للوصول إلى مفتاح الدهليز الموجود بداخلنا؛ هذه هي المعضلة التي ربّما لم نصل إلى إدراكها حتّى الآن. أنا مؤمن بالمسيحيّة لأنّها تقودني إلى الإيمان بالإنسان، بالمستقبل، وبالمجتمع. المسيحيّة أعطت الإنسان قيمةً. فهذا الحلم إذن وهذا التطلّع ليسا ضربًا من الكفر. بداخل كلّ منّا يَنبوع متدفّق اسمه النعمة، والمسيح حين يتحدّث عن الحياة الجديدة دائماً ما يصفها بالينبوع الذي يتدفّق باستمرار ويتجدّد بداخلنا.

 

 

   هذه النعمة تجعلني متفوّقًا على ذاتي باستمرار، فالدعوة للتفوّق هي صفة ملازمة للإنسان، لأنّ الجماد والنبات والحيوان هي هي، غدُها كأمسها، وما يميّز الإنسان أنّه دائم التجدّد، واليوم أفضل من الأمس، والغد أفضل من اليوم. إيماني كبير بالنعمة التي تدفعنا إلى الأمام. والبشريّة تتقدّم باستمرار إلى ما لا نهاية، إلى إنجازات يصعب تخيّلها، لأنّ الحياة التي وُهبَت لنا هي حياة إلهيّة، ودعوة الإنسان هي دعوة إلى الألوهة التي لا حدود لها، هي سعي مستمرّ، وكلّ مَن يؤمن ستتحقّق من خلاله هذه المعجزة، وهذا ما بشّرنا به المسيح "... مَن آمن بي يعمل هو أيضاً الأعمال التي أعملها أنا بل أعظم منها" (يو 14/12). فكم ننبهر بمعجزات المسيح حين يشفي مريضًا مُقعدًا منذ سنوات، وحين يقيم ميتًا منذ أربعة أيّام. لا تتعجّب... بإمكانك أن تعمل أكثر من هذا بحسب وعده. نحن نسير إذن نحو عصر المعجزات، نحن في عصر العلم والتكنولوجيا، ولا مجال للمعجزات التي تبهر، فسوف تكون المعجزات أمرًا طبيعيًّا، وهذا من ثمار التجسُّد.

 

    تفاؤلنا هذا ليس سمة بشريّة، بل هو ظاهرة إيمانيّة تنبع من عقيدتنا، فأنا متفائل لا لأنّني متفائل بطبعي. تفاؤلي نابع من يقيني وإيماني، لهذا نحن ننتظر حدثًا آتٍ، وهو إعادة ولادة المسيح فينا، وعيد الميلاد الذي نحتفل به ليس مجرّد احتفال دينيّ عابر، حيث نتبادل التهاني ونسعد بالمأكولات اللذيذة. الميلاد هو حقيقة أعمق، فمن خلاله يعلن المسيح رغبته في أن يولد مجدّداً بكلِّ ملء لاهوته، وبكلِّ أبعاد كيانه، في كلّ إنسان، فيك وفيَّ. وكلّ عيد ميلاد يمرّ علينا يجب أن يذكّرنا بالميلاد الأخير، حين يظهر المسيح في مجده كاملا ً مكتملا ً

 

     في يوم الميلاد جاء طفلًاً، لكنّه سيظهر شعبًا مجتمعًا حول هذا الطفل، حتّى يكتمل ملء قامته، وهو التعبير الذي يستخدمه بولس الرّسول: ملء قامة المسيح حين يكون الكلّ في الكلّ. وحين يعمُّ ملؤه كلّ البشر، وقتها سنكون كلّنا أبناء في الابن. نحن إذًا في وقت واحدٍ نتذكّر الميلاد الذي تمّت أحداثه، وننتظر ميلادًا سيحدث، وبين الاثنين مسيرة قائمة، وبشريّة في حالة ميلاد مستمرّ.

 

الأب هنري بولاد اليسوعيّ