نؤمن بالكنيسة المقدَّسة الجامعة، وبشركة القدّيسين.

 

 

نؤمن بالكنيسة المقدَّسة الجامعة، وبشركة القدّيسين.​​

 

نؤمن بالكنيسة المقدَّسة الجامعة، وبشركة القدّيسين.

 

الاعتراف بالآب، والابن، والرّوح، قد انتهى. وما يليه هو الاعتراف بما تقوم به الأقانيم الثلاثة مِن عملِ خلاص. في ما سبق من القانون كنّا نعلن تقدمةَ ذواتنا من خلال إيماننا بالآب والابن والرّوح. أمّا الآن فإنّ أكثر ما نعترف به هو ما فعله الله في سبيلنا بفيض نعمته!

 

وأُولى عطاياه هي الكنيسة. وكونها موجودة ومعروفة أمرٌ مسلَّمٌ به، إذ إنّ المؤمن الفرد الذي يعلن أنّه يؤمن، يفعل ذلك ضمنَ تلك الشّركة المقدَّسة. وماهيّتها باقية، لأنّها فِعلُ الله الثالوث – الأحد، فِعلٌ سرِّيّ على أكثر مِن صعيد. وكلمة "كنيسة" تعني "المدعوّة"، وبدايةُ هذه الدّعوة كان اختيار إسرائيل ليكون "شعبًا مقدَّسًا كهنوتيًّا" أصبحتْ أسمى زهراته أمَّ الابن المتجسِّد. والابن، لمّا كان على الصّليب، أعطانا أمَّه مثالًا "لإسرائيل الله" الجديد (غلا 6: 16). وروح العنصرة يتمِّم العمل فَيَهَب أعضاء الجماعة الكنسيّة أن يضعوا موضعَ التنفيذ في العالم أجمعَ أوامرَ المسيح في شأن الرّسالة.

 

ولمّا كانت الكنيسة تتجذّر في إسرائيل، وقد كرّمها الابن فرفعها في إفخارستيّـته وجعل منها عروسه بحسب الجسد، كما أنّ الروح قد صيَّرها قادرةً على الإجابة اللائقة، فإنّها، في جميع أبعادها، عملٌ عضويّ من أعمال الله الثالوث – الأحد، عمل يقود الخليقة إلى اكتمالها وتمامها.

 

الكنيسة "مقدَّسة" بفعل تقديس الرّوح، وقد رأينا في البند الثاني من القانون أنّه حلَّ على العذراء غير المدنَّسة. ولهذا السبب بالذات كان الفضل لها، قبل سواها، في أن تُدعى الكنيسة غيرَ "مُدنَّسَة" (أف 5: 27).

 

والكنيسة "كاثوليكيّة" أو "جامعة" لأنّ فيها يكمن سرُّ كلِّ حقيقة الله الحيّة، فدُعِيِت، بفضل رسالتها في العالم أجمع، إلى أن تبلِّغها إلى جميع ما هو مخلوق. وليست، في أيّ حال من الأحوال، مساحةً محميّةً "مقدَّسة" داخِلَ عالَم علمانيّ لا يعرف الله، بل هي الحركة التي باشرها الله وأطلقها ليبلِّغ إلى "جميع الأمم" (متّى 28: 18-20) هِبَتَه التي نستطيع أن نهبها بدورنا، ألا وهي الخلاص الذي تمَّ في الرّوح وفي مصير يسوع المسيح، في "قدرته الكلّيّة" وفي حضوره ("طوال الأيّام وإلى نهاية العالم").

 

والتبليغ أوسع مجالًا من التعليم ("علِّموهم أن يحفظوا")، فهو دَفْعُ الناس وشدُّهم بواسطة قدرة الله المقدِّسة ("عمِّدوهم")، وبذلك هو حثُّهم على ضرورة العيش على نحوٍ يتناسب وهبة النعمة تلك. ومهمّةٌ كهذه، حتّى إذا استعان صاحبُها "بسلاح الله" (أف 6: 11)، تُدخله في مسارٍ تكون المأساة سِمتَه الدائمة ("كالخراف بين الذئاب"). والمسيح يعرف ذلك مسبقـًا ويبوح به لخاصَّته ("لتذكروا، إذ أتت الساعة، أنّي قلته لكم"، يو 16: 4). كما أنّ سِفر الرؤيا يصف، بواقعيّة لا ترحم، الحرب التي تجري هكذا في معارج تاريخ العالم. وقبل هذا السِفر شهدت أعمال الرّسل وسيرة بولس خيرَ شهادة أنّ الرسالة الجامعة المنوطة بالكنيسة لا يُكتب لها النصر دائمًا إلّا في الاضطهاد والإخفاق والاستشهاد: "[على الصّليب] غلبتُ العالم" (يو 16: 33).

 

 

الكنيسة "شركة القدّيسين". والعبارة تُعنَى أوّلًا بالشركة في "الأمور المقدَّسة"، وفي طليعتها الإفخارستيّا التي تَجمع حولها الكنيسة من أجل تحقيق خلاصها وتتميم رسالتها الجامعة.

 

ولهذا السبب بالذات تكون النتيجةُ الحتميّة الانتقالَ إلى "شركة الأشخاص المقدَّسين". وانطلاقـًا من الوضعين، يمكننا تصوُّر السرِّ الذي لا يُسْبَر غوره: لأنّ يسوع "مات من أجل الجميع"، لا أحد يستطيع بعد ذلك أن يحيا ويموت من أجل ذاته (2 قور 5: 14 ومايليها)، بل إنّ كلّ واحد يتخلّى عن ذاته بفعل محبّة، وكلّ ما هو له يصبح ملكًا للآخرين. وينتج من ذلك تبادلٌ شامل بين جميع أعضاء المسيح في جسم الكنيسة، ودورة دمويّة لا نهاية لها. وهؤلاء الأعضاء الذين يُنعتون "بالقدّيسين" – بأقوى ما في العبارة من معنى – هم أشبه بخزائن تحتوي على كنوز شُرِّعت أبوابها لتكون في متناول الجميع، أو أشبه بـينابيع حيّة يمكن الجميع ورودها ليَرْتَوا. فلا شيء في شركة القدّيسين هو خاصّ، علمًا أنّ كلّ شيءٍ هو شخصيّ. ولكن هُم أشخاص، بالمعنى المسيحيّ للكلمة، أولئك الذين يتبعون شخص المسيح الإله الإنسان و"لا يعودون يَحيَون لأنفسهم" كما أنّهم لا يعودون يموتون لأنفسهم.

 

وهنا فقط يُعطى لرسالة الكنيسة "الكاثوليكيّة"، ببعدَيها الجامع والرسوليّ، أن تظهر على حقيقة طبيعتها: ففي الصّلاة، وبذل الذات، والتضحية، وفعل تسليم الذات موتًا في سبيل الأخوّة، تقدِّم "للقدّيسين" مسبقـًا ما توفِر لهم من خلال عمل الرّسالة الخارجيّ. وخير برهان على ذلك أنَّ تريزيا الطفل يسوع جُعِلَت شفيعةَ جميع الإرساليّات.

 

 

هانس اورس فون بلستار