نظرة الكنيسة إلى المال والاقتصاد في تعليمها الاجتماعي

 

 

 

 

نظرة الكنيسة إلى المال والاقتصاد في تعليمها الاجتماعي

 

ليس المال خيرًا أو شرًّا بحدّ ذاته. ولكنّه حقيقة ماديّة مخلوقة من الله، وهي حسنة، لأنّ كلّ ما خلقه الله كان حسنًا وحسنًا جدًّا. من خلاله يقوم أفراد المجتمع بعلاقات متبادلة. وهو عطيّة من عطايا الله ويأتي من ثمار جهد الإنسان وتعبه. غير أنّ المشكلة الأساسيّة تكمن في كيفيّة تجميعه إذا ما احترمت المقاييس والقيم، وفي كيفيّة استعماله إذا ما كانت سيّئة أو تؤول إلى تقديس مَن يستعمله.

 

"لا تعبدوا ربّين الله والمال"

فالمال من حيث المبدأ ينبغي أن يكون وسيلة يحقّق الإنسان ذاته من خلالها ويجيب على دعوة الله له ألا وهي القداسة. لقد حذّر المعلّم الإلهي يسوع من مخاطره إذ قد يكون سببًا للشرّ والخطيئة عندما قال: " لا تعبدوا  ربّين الله والمال" (لو 12: 5). فهناك أناس يجعلون منه إلهًا يعبدونه ويسخّرون كلّ طاقاتهم لتجميعه فتقتصر نشوتهم على تكديسه ولو على حساب حياتهم الشخصيّة والعائليّة، الإنسانيّة والروحيّة، بما فيها قدّاس الأحد والصّلاة والشكر للرَّبّ على كلّ عطاياه.

 

والأسوأ من ذلك إنّما هو عندما يتمّ تجميع المال بوسائل متعدّدة غير شرعيّة، فتُضرب بعرض الحائط القيم الأخلاقيّة والإنجيليّة، ويتغاضى  مَن يسعى وراءه عمّا ورد في سفر التكوين: "بعرق جبينك تأكل خبزك" (تك 3: 19). يكدِّس المال الحرام بطرق خطيرة لا تبغي إلّا امتلاكه واحتكاره فيصبح مصدرًا للأنانيّة، لا مساحة للتضامن والتعاطف مع من ليس له شيء ليعيش. لقد قال القدّيس بولس في رسالته الأولى إلى تلميذه تيموتاوس: "إنّ محبّة المال هي أصل كلّ الشرور" (ا طيمو 6: 10). في مَثَل الغني ولعازر لم يُرفض الغني  في الملكوت لأنّه كان غنيًّا بل لأنّه كان بخيلًا، أنانيًّا، ولم يتقاسم غناه مع لعازر المطروح على باب بيته والذي تأتي الكلاب لتلحس قروحه.

 

أمّا بالنسبة إلى الملكيّة الخاصّة، فالكنيسة تتبنّاها وتشجّعها، شرط أن تكون ثمرة عمل دؤوب وكدّ، لا نتيجة غشّ أو خداع أو وسائل غير مشروعة. فالملكيّة الخاصّة تؤمّن حياة كريمة للعائلة، وتساعدها على تحقيق دعوتها. ركّز البابا يوحنّا الثالث والعشرون في رسالة أمّ ومعلّمة سنة 1961 على أهميّة الأجر العادل الذي يغطيّ حاجات الأسرة. فمقياس العدالة في أجر العامل هو أن يأخذ بعين الاعتبار التربية والطبابة فيوفّر لها حياة لائقة. أمّا الملكيّة الخاصّة التي ليس فيها ضوابط أخلاقيّة ولا معايير موضوعيّة فهي مرفوضة من الكنيسة، معتبرة إيّاها طمعًا فيه الكثير من الأنانيّة والظلم واللّاعدالة... صحيح أنّ خيرات الأرض معدّة للجميع غير أنّ هذا المبدأ في تعليم الكنيسة الاجتماعيّ لا يتناقض مع الملكيّة الخاصّة والتي هي من حقوق الإنسان. كما ويصبح المال خطرًا، عندما يصبح المقياس الوحيد في كلّ عمل اقتصاديّ الرّبح فقط دون أن يُرفق بالشفافيّة والاستقامة والنزاهة. فكلّ عمل اقتصاديّ يُمارس على حساب كرامة الشّخص البشريّ، غير مقبول أخلاقيًّا.

 

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ المال لا يؤمّن الفرح الحقيقيّ لصاحبه، بل بالعكس يبعث فيه القلق: كيف يجمّعه، وكيف يحافظ عليه، أين يودعه: فينسى أنّ عليه أن يسلّم أمره للعناية الإلهيّة دون أن يضع  ضمانته في المال دون سواه. أيُعقل أن يكدّس الإنسان الأموال دون أن يدرك مَن هو مصدرها فيعيش في حالة شكر دائمة لمن باركه بها؟ فماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟ (متى 16: 24 ـ 26).

 

 فلنتّعظ من مثل الغنيّ الجاهل الذي أراد أن يوسّع أهراءاته جاعلًا كلّ قلبه في خيرات الدنيا: "قال له الله: أيّها الجاهل في هذه الليلة تُخطف نفسك منك وما أعددته لمن يكون" (لو 12: 16 ـ 21).

 

 

الاتّكال على العناية الإلهيّة

وفي مكان آخر يحثّ يسوع الناس على الاتّكال على العناية الإلهيّة وألّا يكون موضوع اهتمامهم كلّ ما هو مادّيّ: "لا تهتمّوا لأنفسكم بما تأكلون ولا لأجسادكم بما تلبسون! تأمّلوا زنابق الحقل" (متى 6: 31).

إلى جانب ذلك، من المساوئ  الأخلاقيّة للمال هو أنّه في كثير من الأوقات يسبّب نزاعات في داخل العائلات، بين الأقارب... فكم وكم من النّاس يتناحرون ويتقاتلون بسبب الطمع بالمال والركض وراءه.

هنا أستنتج لأقول أنّ المشكلة لا تكمن في المال بحدّ ذاته بل في الموقف منه . فيجدر علينا أن نتّخذه وسيلة لعيش دعوتنا، وأن نتقاسمه مع الفقراء والمحتاجين. فمن أجمل ما قدّمته المسيحيّة للعالم هو المحبّة المتجسّدة أي التضامن مع مَن هو بحاجة مادّية أو معنويّة...

 

                                                     المطران رفيق الورشا