"إحمل صليبك واتبعني"

 

"إحمل صليبك واتبعني"

 

"إحمل صليبك واتبعني"

 

إنّ تفسير الإنسان والحياة اليوم يكاد ينحصر في السياسة والإجتماع والإقتصاد ورغبات الجسد والمُخيّلة. ولذلك إبتعد الإنسان عن يسوع المسيح في تفسيره نفسه كلّ الإبتعاد. وإذ تُحدِّث الناس عن المسيح في ذاته - عن شخصه ونعمته وقوّته ومحبّته وآلامه وانتصاره وأثره في التاريخ وفي حياتك - تجدهم لا يفهمون كلمة واحدة ممّا يسمعون. فكأنّك تحدّثهم باللّغة الصينيّة أو بلغة أشدّ أدغال أفريقيا ظلامًا وبدائيّة. لقد أصبحوا غرباء عن المسيح وأصبح هو غريبًا عنهم.

 

 وما أن تُحدّثهم عن القوّة، عن البطش، عن الحرب، عن الثورة، عن الإختراعات العلميّة المثيرة، عن الشِّعر والخيال، عن الثرثرات الرائجة في المجتمع، عن الأوضاع السياسيّة والإجتماعيّة، عن الطبقيّة، عن حقّ الشّعوب في الحريّة والإستقلال والكرامة، عن الظلم الإجتماعيّ والإقتصاديّ، وعن غيرها من الموضوعات التي لا يجدون أنفسهم فيها أمام المسيح، الحاكم عليهم كأشخاص، الفاضح  نقائصهم وترّهاتهم وخطاياهم، الصافح عنهم، المُقوّيهم ليتغلّبوا على كلّ عثراتهم وتحدّيات الحياة لهم، ما أن تغيّر موضوع المسيح بتاتًا وتحدّثهم عن أيّ شيء إلاّ عنه هو، حتّى تجدهم يرتعون براحة واطمئنان تامّين، ويفهمون، أو يظنّون أنّهم يفهمون، كلّ ما تقول.

 

 هذا هو تقدّم القرن العشرين! إنّ التقدّم يقاس اليوم بمقدار الإبتعاد عن يسوع المسيح، حتّى في الحديث، حتّى في مجرّد الفكر.

 

نجد اليوم لكلّ قضيّة إطلاقـًا دعاةً ومبشّرين وشارحين وشاهدين، إلاّ للمسيح، الرّوح، الصّفاء، العمق، الفرح، الطهارة، الترفّع، الشّخص، الرّجوع إلى النّفس، القوّة الذاتيّة، مخافة الله، الشّرف، النبل، الوقوف في حضرة المسيح؛ كلّ هذه لا تعني شيئًا. وحتّى الكهنة الأمناء تمامًا على خدمة القدّاس الإلهيّ، فإذا حدّثوك بعد القدّاس عن شيء، أو وعظوك أثناء الخدمة، ففي الغالب لا يحدّثونك أو يعظونك عن المسيح بحدّ ذاته وعمّا يعينه، ولا يضعونك في حضرته هو ويُنسونك نفسك وأنفسهم، بل، إذا حدّثوك عنه، فلكي يحلّلوه إلى مغزاه الأدبيّ أو التعامليّ أو الإجتماعيّ، أو حتّى الإقتصاديّ، فحسب. فكأنّهم ليسوا فيه، وكأنّه هو ليس فيهم، كي يحدّثوك عنه!

 

في رسالة إلى الكنيسة التي أسّسها بولس في قورنتس يقول هذا الأخير: "لمّا أتيتكم، أيّها الإخوة، لم آتكم لأبلّغكم شهادة الله بسحر البيان أو الحكمة، فإنّي لم أشأ أن أعرف شيئًا، وأنا بينكم، غير يسوع المسيح، بل يسوع المسيح المصلوب. وقد مثلت بين أيديكم وبي ضعف وخوف ورعدة شديدة، ولم يعتمد كلامي وبشارتي على أسلوب الإقناع بالحكمة، بل على ظهور الرّوح والقوّة، كيلا يستند إيمانكم إلى حكمة الناس، بل إلى قدرة الله".

 

"غير أنّ هناك حكمة نتكلّم عليها بين الكاملين، وليس بحكمة هذه الدنيا ولا بحكمة رؤساء هذه الدنيا، ومصيرهم للزوال، بل نتكلّم على حكمة الله السريّة الخفيّة التي أعدّها الله لنا قبل الدهور في سبيل مجدنا. إنّها حكمة لم يعرفها أحد من رؤساء هذه الدنيا، ولو عرفوها لما صلبوا ربّ المجد، فقد ورد في الكتاب: "أعدّ الله للذين يحبّونه كلّ ما لم تره عين ولا سمعت به أذن ولا خطر على قلب بشر" (1 قور 2/ 1 - 9).

مَن يُنعم النظر بخشوع تامّ في هذه الكلمات، ومَن يقرأها ويكرّر قراءتها عشر مرّات وهو راكع على ركبتيه بالجسد وبالرّوح، ومَن يفهمها ويفقه معناها تمامًا كما عناها بولس، يعرف فورًا أنّه هنا أمام شيء حقيقيّ، جديد، مطلق، مستقلّ عن كلّ شيء عرفه، شيء هائل، شيء تتقلّص إزاءه كلّ الأشياء تقريبًا إلى لا شيء، شيء غير الإجتماعيّات والإقتصاديّات والسياسيّات، شيء فوق هذه جميعًا بقدر ما السماء هي فوق الأرض ، شيء يمنح كلّ شيء آخر، بما في ذلك الإجتماعيّات والإقتصاديّات والسياسيّات، وكلّ إهتمامات الحياة، قيمته ومعناه وشيئيّته ذاتها.

مع عنايتي الخالصة التي لا تنقطع، والتي لا أريدها أن تنقطع، بشؤون الحياة والسياسة، السياسة المحليّة والسياسة الدوليّة وسياسة المنطقة، ومع إكبابي طوال حياتي على مشاكل الإنسان والعقل والحضارة، ومع إحترامي التامّ كلّ مَن ينصرفون إلى جميع هذه الأمور، وتطلّعي وسعيي إلى لقياهم ومعاشرتهم ومحاورتهم محاورةً صافية، والإفادة الصّادقة منهم، فإنّي أعتقد أنّ الشهادة ليسوع المسيح تبقى عملاً شريفًا محترمًا، أعتقد أنّها لم تُصبح بعد، بالضبط، كفرًا أو خيانة! إنّ المسيح اليوم، في شخصه، في كيانه، في ذاته، أمسى إلى حدّ بعيد مُيتّمًا. يكاد لا يشهد له أحد ولا يتعرّف عليه أحد. وإذا تعرّف عليه أحد، فلاستخدامه، لاستهلاكه، للإفادة منه، لإخضاعه لنظم فكريّة مسبقة، لجعله أداة للوصول إلى أهداف تقرّرت بمنأى تامّ عنه. أمّا الشهادة له في ذاته فلا! لكنّ الذي خَبَرَ نجدة يسوع المسيح إيّاه ينضمّ إلى بولس في القول: "أمّا أنا فمعاذ الله أن أفتخر إلاّ بصليب ربّنا يسوع المسيح!".

 

قال يسوع: "من أراد أن يتبعني، فليزْهَد في نفسه ويحمل صليبه كلّ يوم ويتبعني" (لو 9/ 23). وفي رواية أخرى في الإنجيل جاءَه رجل مرّة وسأله: "أيّها المعلّم البرّ، ماذا أعملُ لأرث الحياة الأبديّة؟" فأجابه: "أنت تعرف الوصايا: لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تظلم، أكرم أباك وأمّك". فقال له: "يا معلّم، هذا كلّه حفظته منذ صباي". ويقول الإنجيل إنّ يسوع عندئذ حدّق إليه فأحبّه وقال: "واحدة تعوزُك: إذهب فبعْ كلّ شيء تملك وتصدّق بثمنه على الفقراء، فيكون لك كنز في السَّماء، وتعال [إحمل صليبك] واتبعني" (مر 10/ 17 - 21).

يظهر أنّ لا مفرّ من حمل الصّليب، بل من حمل صلبان، إذا أردنا أن نتبع المسيح ونعيش بالقرب منه.

 

 إنّ طريق الصّليب هي وحدها طريق الحياة الأبديّة.

 

وكلّ قدّيس في التاريخ وكلّ مسيحيّ تبع المسيح وعاش بقربه يشهد على صحّة هذه القاعدة. يظهر أنّه لا يمكن أن نعرف المسيح، أعني، أن نعرف روحه ونعمته وقوّته وقيامته، إلاّ بالألم والإماتة، إلاّ بالسَّير على درب الصّليب.

أقول القيامة، والقيامة هنا تعني أمرَينْ: الأمر الأوّل قيامتنا كلّ يوم في أثر الصّمود والكفاح والغلبة. فمَن لا يعرف نشوة الظفر، فرح الإنتصار، القوّة الهائلة الناجمة عن تحمّلنا الألم، عن صبرنا على الصّلبان التي سمح المسيح بأن نحمل، عن عدم تهرّبنا منها وعدم يأسنا من رحمة الله، عن رسوخنا في الرَّجاء، مَن لم يهبه الله هذه الخبرة الكيانيّة العظيمة في حياته، لا يعرف شيئًا من قوّة المسيح وثقته ومعنى إنتصاره، بل لا يعرف المسيح. في هذا النطاق الشخصيّ الكيانيّ فقط يوجد المسيح أوّل ما يوجد. ومن يختبر هذه الحالات كلّ يوم - الصّمود، الوقوف، عدم الهرب، المجابهة، الصّبر، الرَّجاء - مَن يختبرها في وجه التجارب، في وجه الإغراء، في وجه الضعف، بل وفي وجه السقوط، يعرف مغزى وجود يسوع المسيح في النّفس، وبالتالي يعرف المسيح.

أمّا معنى القيامة الثاني فهو بالطبع القيامة الأخيرة الموعودة؛ أقول الموعودة، لأنّ يسوع المسيح قد قام من الأموات بالفعل وصار باكورة الراقدين.

ليست القيامة الأولى اليوميّة سوى رسم أو تذوُّق مسبق للقيامة الثانية الأخيرة. الأولى نعيشها بالخبرة الشَّخصيّة الأكيدة، أمّا الثانية فنعيشها، ونحن بعد في قيد الحياة، بالإيمان والثقة بوعد المسيح، وبالتعليم الذي تُعلّمنا إيّاه الكنيسة، هذا الجسم الحيّ، جسم يسوع المسيح، الجسم الذي نحبّ وننتمي إليه ونحيا من الحليب الرّوحيّ الذي رضعناه منه بمئات الوساطات والألوان، ونرضعه منه كلّ يوم.

ها هي بعض الصّلبان التي يطلب إلينا المسيح أن نحمل في غير تبرّم ولا تذمّر، إذا أحببنا أن نتبعه ونكون معه ونختبر القيامة في حياتنا كلّ يوم، ونتوقّع القيامة الأخيرة في رجاءٍ عامر.

 

إنّ الصّليب الأوّل ضبط النّفس.

إنّه صليب ثقيل، لأنّ ضبط النّفس من أصعب ما تستطيع أن تتحمّله طبيعتنا البشريّة. ولكن إذا ضبطنا أنفسنا تمامًا في وجه مَن لا يفهمنا، أو وجه من يُسيء فهمنا تعمّدًا، أو وجه من يستفزّ فينا الغضب، أو وجه جميع مضايقات الحياة، أيًّا كانت، وكانت حالُنا في عمليّة الضبط هذه حال صلاة داخليّة حقيقيّة، أعني، حال مثول صادق أمام المسيح وتلمّس منكسر لرحمته ونعمته، فأؤكّد أنّنا نحظى بالقيامتين. نشوة الظفر الهائلة في أثر الإنضباط الرّوحيّ الداخليّ الصّبور، ورجاء القيامة الأخيرة بالمسيح من جرّاء خبرتنا الرّوحيّة اليوميّة المباشرة هذه القيامة الأولى. إنّ ما أقوله هنا أبعد ما يكون عن مجرّد كلام أو مجرّد خيال أو مجرّد تمنٍّ؛ إنّه حياة وفعل وواقع وخبرة ووجود. وهو أيضًا شهادة القدّيسين عبر التاريخ الذين قبلوا أن يفرضوا على أنفسهم إماتة ضبط النّفس بفرح كبير، ولو بصعوبة وصراع دائمين، حبًّا للمسيح ونزولاً عند إرادته وثقة منهم بأنّه لن يتخلّى عنهم في محنهم. "أضبط نفسك واتبعني"؛ هذا صليب يطلب إلينا المسيح أن نحمله إذا أحببنا أن نعيش بقربه ونعرف نعمته.

وثمّة صليب آخر هو تحمُّل الإضطهاد.

هذا أيضًا من أثقل الصلبان، لا سيّما في هذه الأيّام حين يضطهد المسيحيّ، كمسيحيّ، حتّى في البلدان التي تسمّي نفسها أو تُسمّى مسيحيّة، فضلاً عن البلدان التي نصبت نفسها رسميًّا، بفعل سياسة مخطّطة مرسومة، لمقاومة المسيح ومحو آثاره كلّها وصلبه كلّ يوم. في وجه هذا الإضطهاد العارم في كلّ مكان، كم نستحي من مسيحيّتنا، كم نُخفيها، كم نلطّف من حدّتها، كم نتنازل عن الكثير في حياتنا وفي عقيدتنا، كم نجري تسويات وتكييفات، كم ننسحب من معركة الصّمود، كم نبرّر هذا الإنسحاب، كم نلجأ لألف حيلة وحيلة بقصد التهرّب والتغطية كي لا نعرّض أنفسنا للإضطهاد! بإمكاني أن أشرح مئات المظاهر التي يُضطهد فيها المسيحيّ اليوم في العالم كلّه، في الخفية وفي العلن، ومئات التنازلات والإرضاءات، في الفكر والحياة والتصرّف وحتّى في العقيدة، التي يقوم بها بعضهم ليوفّروا على أنفسهم صليب الإضطهاد. لكنّي أعرف ما أقول حين أقرّر أنّ مَن لا يخشى هذا الإضطهاد ومن يتقبّله بثقة وفرح، لأنّ المسيح أمر بهذا التقبّل، يُجازى بالقيامتين اللّتين ذُكرتا: نشوة الظفر بالمسيح في وجه الإضطهاد وفي أثر عبوره، والتثبّت المسبَق من القيامة الأخيرة بالمسيح.

يقول بطرس في رسالته الأولى: "إفرحوا بقدر ما تشاركون المسيح في آلامه، حتّى إذا تجلّى مجده كنتم في فرح وابتهاج، طوبى لكم إذا عيّروكم من أجل إسم يسوع، لأنّ روح المجد، روح الله، يستقرّ فيكم. لا يكوننّ فيكم من يتألّم ألم قاتل أو سارق أو أثيم أو متطفّل، ولكنّه إذا تألّم لأنّه مسيحيّ فلا يخجل بذلك وليمجّد الله على أنّه يدعى بهذا الإسم.. إنّ اللذين يتألّمون كما شاء لهم الله، فليستودعوا الخالق الأمين نفوسهم مثابرين على عمل الخير". لنتأمّل هذا الذي قاله بطرس بصفاء وعمق. ولنتأمّل معه كذلك ما قاله يوحنّا في رؤياه: "لا تخف ما ينتظرك من الآلام... فكن أمينًا حتّى الممات، وأنا أعطيك إكليل الحياة"، وما قاله يعقوب: "طوبى للرَّجل الصابر على المحنة! سيخرج مزكّى فينال إكليل الحياة الذي به وعد الربّ مَن يحبّونه"، وما قاله المسيح ذاته: "طوبى للمضطهدين على البرّ فإنّ لهم ملكوت السموات. طوبى لكم، إذا شتموكم واضطهدوكم وافتروا عليكم كلّ كذب من أجلي، إفرحوا وابتهجوا: إنّ أجركم في السّموات عظيم". هذه الأقوال كلّها من أعمق وأصدق ما قيل. تحتوي على أقدس الأسرار. تستحقّ التأمّل الهادي المتعجّب المُحبّ. وهي أيضًا ليست مجرّد كلام أو تخيّل. يكفي أن قالها المسيح، يكفي أن قالها الرّسل. إنّها حياة ووجود وحقّ. "وتحمّل الإضطهاد": هذا صليب يطلب إلينا المسيح أن نحمله إذا أحببنا أن نتبعه ونعيش بقربه ونعرف نعمته وخلاصَه.

وثمّة صليب ثالث يطلب إلينا المسيح أن نحمله، وهو تحمّل أوضاع سياسيّة وإجتماعيّة وإقتصاديّة مؤلمة جدًّا.

 

إنّ هذا الخلل السياسيّ الأليم الذي لا نشاهده في لبنان فحسب، بل في العالم كلّه، هذا الظلم الإجتماعيّ الصّارخ الذي لا نعيشه في لبنان فحسب، بل في العالم كلّه، هذا الجوْرُ الإقتصاديّ الباهظ الذي لا يجب أن نجابهها بكلّ جُرأة، وإذ نتحمّلها ونعانيها يجب ألاّ تبعدنا عن المسيح أو تفكّرنا به، بل يجب أن نتبعه بأمانة في وسطها وبالرّغم منها. يكاد الإنسان يكفر تمامًا في وجه الظلم والإستهتار والجشع والفساد، لكنّ المسيح بهدوئه وسلطته يطلب إلينا أن نصمد في الإيمان به ولا نكفر في وجه هذه ولا حتّى في وجه أكبر منها.

إنّ كلّ هذا لا يعني مطلقًا أنّنا لا نفعل ما في وسعنا للتغلّب على هذه الأوضاع، غير أنّ المطلوب أن نبقى بالقرب من المسيح وأن نتبعه في كلّ محاولاتنا للتغلّب عليها، لا سيّما إذا فشلنا وخاب أملنا ولم نتمكّن من التغلّب عليها.

 إنّ الأمر الحاسم في حياة المسيحيّ هو يسوع المسيح ذاته، وليس فساد العالم بألوانه التي لا تحصى.

إنّ المهمّ ألاّ يدبّ أيّ يأس في نفوسنا في ما يخصّ حقيقة المسيح ومعناه في التاريخ وفي حياتنا، بسبب أيّ شرّ في المجتمع، وبسبب عدم تمكّننا من معالجة هذا الشرّ معالجةً جذريّة.

 

لقد قبل الشرّ والظلم وما فوقهما وأهمّ منهما، وإذا قضينا حياتنا كلّها في التركيز عليهما وفي محاولة إصلاحهما، فكأنّنا نعبدهما ولا نعبد المسيح.

 

لنحمل صليب فساد العالم ونتبع المسيح، مستمدّين منه القدرة والعون في كلّ محاولاتنا إصلاح هذا الفساد.

إنّ هذا بالطبع حملٌ ثقيل، لكنّ جزاء حمله بالقرب من المسيح ومع المسيح الذي حمله قبلنا والذي سُمّر على الصّليب بسببه، ما يعطيناه يسوع المسيح ذاته من الفرح والقوّة والإنتصار. وبهذين الحمل والعطاء نختبر القيامتين اللّتين ذُكرتا: قيامة معرفتنا فعل الرّوح القدس في حياتنا الآن، وقيامة تثبّتنا من وعد المسيح الصّادق بالقيامة الأخيرة. أمّا اللذين يعبدون المخلوق من دون الخالق، ولا يفكّرون إلاّ في المخلوق، ويظنّون أنّ باستطاعتهم تغيير العالم إلى حالة الكمال، فليسمعوا ما قاله يوحنّا في رسالته: "لا تحبّوا العالم وما في العالم. مَن أحبّ العالم فليست محبّة الله فيه. لأنّ كلّ ما في العالم، من شهوة الجسد وشهوة العين وكبرياء الغنى، ليس من الآب بل من العالم. العالم يزول ومعه شهواته. أمّا مَن يعمل بمشيئة الله فإنّه يبقى مدى الأبد".

"إحمل فساد العالم واتبعني": إنّ هذا صليب باهظ، لكنّ المسيح وحده يكفي، ومنه وبه فقط نصلح ما أمكننا إصلاحه.

أن نحمل ونتحمّل، بجلد وطول أناة، أوضاعًا شخصيّة صداقيّة مؤلمة جدًّا، وأن نتبع المسيح بالرّغم منها، هذا صليب آخر. صديق أهملنا وتبرّأ منّا، بل نسينا تمامًا بدون سبب. صديق آخر طعننا في ظهرنا. صديق ثالث أخذ يتحفّظ تجاهنا، لأنّ من مصلحته أن يبتعد عنّا ويتقرّب إلى مَن لا يذهب مذهبنا. هذه صلبان ما أثقلها وما أشدّها إيلامًا! من السهل أن يُطلب إلينا أن نحملها ونتحمّلها، لكنّ حملها وتحمّلها من أصعب الأمور، إلاّ إذا نجدنا المسيح. إنّ محن الصداقات في الحياة - من تغيّر وابتعاد وفتور وتبرّؤ وخيانة - من أشدّ الصّلبان ثقلاً وإيلامًا. ومع ذلك لنحملها ونتبع المسيح؛ لنتبعه بالرّغم منها، وهو يمنحنا خبرة القيامتين اللّتين وُصفتا. يقول داود: "الإعتصام بالربّ خير من الإتّكال على البشر. الإعتصام بالربّ خير من الإتّكال على العظماء". وفي ما خصّ حكمنا على أصدقائنا بسبب الصّلبان التي ننوء تحتها، فلنتذكّر على الأخصّ قول بولس: "فلا معذرة لك أيًّا كنت، يا مَن يدين، لأنّك تحكم على نفسك وأنت تدين غيرك، فإنّك تعمل عمله". لنتفهّم إذًا، ونصفح ونحمل. لننكسر ونخف الله بسبب الصّلبان التي سبّبناها لأصدقائنا. ومكافأتنا في كلّ ذلك أنّنا نعيش بالقرب من يسوع المسيح، وما يعنيه هذا القرب من الفرح والقوّة والإنتصار.

 

"تحمّل أصدقاءك"

 

 هذا صليب حملُه عَسير، لكن ما يخفّف من وطأته عليك أنّك تحمله بالقرب من المسيح، وإنّ ما يتحمّله أصدقاؤك منك قد يكون أعسر منه بكثير.

وثمّة صليب خامس هو هذه الصدمات العنيفة التي تصادفنا في الحياة. عزيز علينا كنّا نحترمه ونعتبره بطلاً وقدوة ومثالاً في الرّفعة والأخلاق، وبغتة ظهرت فيه خِسّة وحقارة وانحطاط لم نكن نحلم بوجودها فيه. حبيب لنا يمرض ويتشوّه. حبيب لنا يموت. كيف لا ينهزّ كياننا من الأعماق في وجه هذه الصدمات؟ كيف لا تملأُ فكرنا وتستبدّ وتستحوذ به بحيث تكاد تُنسينا المسيح؟ ومع ذلك، إذا كان المسيح يملأنا بالفعل، فلا تستطيع هذه ولا غيرها أن تزيّحه وتحلّ محلّه. لنحملها إذًا ونثق بالمسيح ونتبعه. وقولي ليس مجرّد كلام حين أؤكّد أنّ نشوة الظفر التي يعطيناها الرّوح القدس إذا بقينا بالرّغم من هذه الصدمات أمناء للمسيح لا تعادلها نشوة. يثبت لنا المسيح عندئذ أنّه هو وحده يكفي. يمكّننا من النفاذ وراءها إلى مغزى المحنة التي يمتحننا بها. يرينا أنّه يريد أن يبرهن لنا أنّ هذه الحياة كلّها فاسدة وأنّه هو وحده السّليم الباقي. يريد أن يرفع نظرنا إلى ما فوق هذه الحياة وبعدها. يريد أن يحفّزنا على التساؤل عن الحياة الأبديّة. يريد أن نتذوّق الآن الإنتصار على هذه الصدمات، كي نتوقّع بكلّ تأكيد الإنتصار الأخير بقيامته المجيدة. عندئذٍ نرتمي على الكتاب المقدّس، على الصَّلاة، على الكنيسة، على أصدقائنا المحبّين، عندئذٍ نرجع إلى الأمور الأساسيّة الحقيقيّة البسيطة، وتبدو كلّ الأمور الأخرى التي شغلتنا طوال حياتنا لا شيء. عندئذٍ تتوثّق علاقتنا بالقدِّيسين. هل من نِعَم أحلى وأشدّ بركة من هذه النِعم؟ في وجه هذه الصدمات وأمام تلك النِعم الناجمة عنها بفيضٍ من المسيح، يجب أن نقف موقف داود حين صرخ: "من لي في السَّماء وعلى الأرض؟ لم أبغِ معك أحدًا. قد فنيَ جسدي وقلبي. الله هو صخرة قلبي وحظّي إلى الأبد".

"تحمّل صدمات الحياة": هذا ما أمرنا به المسيح، ومع أنّ هذا صليبٌ مضنٍ، فوجود المسيح معنا يكفي.

وثمّة صليب آخر هو صليب أنفسنا نحن، صليب بؤسنا وشقائنا، صليب زلاّتنا وخطايانا، صليب قرفنا من أنفسنا، صليب كبريائنا وعجرفتنا. ما أسهل التعبير عن هذا الصّليب الشخصيّ الباهظ بتلك الكلمات العاديّة البسيطة!

 

 لكنّ كلّ كلمة منها تعني حياةً وواقعًا ووجودًا وحقيقة. تعني إقرارًا منكسرًا. وعند أقلّ تأمّل في الأمر نرى أنّ هذا ليس بالشيء البسيط، ولأنّه هكذا فهو صليب أيُّما صليب. لكنّ المسيح يطلب إلينا أن نحمله، أعني أن نحمل أنفسنا، بالطبع ليس بأن نستمرّ في البؤس والخطيئة والكبرياء، بل بألاّ نسمح لهذه الحال، إذ طغانا الشيطان وقبل أن نقع فيها، بأن تُيَئّسُنا من رحمة المسيح. إنّ عبارة "إحمل صليبك واتبعني" تعني هنا: "إنهض من عثرتك وسقطتك. إبصق في وجه الشيطان. لا تنسَ أنّي أنا موجود. إعرفْ تمامًا جبلتك وضعفك وأنّك تراب. أنا أخلقك ثانية. أنا أقوّيك وأعيد إليك ثقتك بنفسك. أنا أغسل إثمك وأطهّرك من خطيئتك. أنا أنفحك بالزوفى فتطهُر. أنا أعيد طهارة قلبك إليك وأجدّد في داخلك روحًا مستقيمًا". إنّ رحمة المسيح أوسع بكثير ممّا يتصوّره أيّ عقل. فمَن الذي يخلق من العدم لا يعجز عن إعادة خلق مخلوقه.

إنّ هذا بالطبع كلّه كلام تجريديّ نظريّ، غير أنّ مَن يعرف نعمة المسيح وقدرته بالفعل في التاريخ - كيف حوّل الزانية إلى قدّيسة، كيف أشفق على اللصّ وفتح أمامه باب الفردوس، كيف نفخ في صيّادي السَّمك الضعفاء البسطاء المساكين روحًا نطقوا بوحيها بأعمق الحكم وقلبوا بعزمها العالم رأسًا على عقب، كيف أنقذ أنطونيوس وأوغسطينس وتيريزيا من براثن الشيطان، كيف كان حضوره فيهم كافيًا، تمامًا لهم، كيف يمسّ قلوب الخطأة "القرفانين" من أنفسهم بعشرات الألوف كلّ يوم في جميع أنحاء العالم، كيف رحم كلّ واحد منّا ومسّ قلبه وخلقه ثانيةً مئات المرّات - إنّ مَن يعرف كلّ هذا يدرك أنّ ما أقوله هنا عن لسان المسيح ليس بنظريّات على الإطلاق، بل واقع وحقيقة وقيامة. "الربّ رؤوف رحيم طويل الأناة وكثير الرحمة. ليس على الدوام يسخط ولا إلى الأبد يحقد. لا على حسب خطايانا عاملنا ولا على حسب آثامنا كافأنا. بل بمقدار إرتفاع السماء عن الأرض عظمت رحمته على الذين يتّقونه. بمقدار بعد المشرق عن المغرب أبعد عنّا معاصينا" (المزمور 103/ 8 - 12). هذا ما أكّده داود، وداود صادق تمامًا في تأكيده.

"إحمل صليب نفسك، إحمل صليب قرفك": مَن يستطيع حمل هذا الصّليب، مَن يستطيع حمل نفسه وقرفه، إلاّ بنعمة المسيح؟

قد يُظنّ أنّ صليب القرف من النّفس أعسر الصلبان حملاً. لكنّ صليبًا أخيرًا أثقل منه وأعسر. أعني صليب الصّبر والإنتصار، صليب الإبقاء على الإيمان والثقة بالرغم من جميع المظاهر التي تفسد حتّى الثقة والإيمان. إنّ الله وعد ولم يُلبِّ بعدُ. المسيح وعد ولم يفِ بعدُ. المسيح قال إنّه آت ولم يأتِ بعدُ. إيماننا ذاته في كفّة القدر. نؤمن بأنّ المسيح هو ملك الملوك وربّ الأرباب، ولا نراه هكذا بالفعل. إنّ إيماننا ذاته صليب. نحمله بخوف ورعدة لمجرّد أنّنا نصدّق مَن أودعنا إيّاه، أعني الكنيسة والكتاب والتراث، بما في ذلك آباؤنا وأجدادنا الذين نقلوه إلينا. هذا الإيمان الصّليب هو أكبر نعمة يهبها الربّ يسوع المسيح لنا بواسطة هذه الوسائل الثلاث: الكنيسة والكتاب والتراث. أن نحمل هذا الصّليب ونتبعه، نحن مُحبّيه، بالرغم من كلّ مُثبِّط للرَّجاء، كلّ مفسد للأمل، كلّ مبطل حتّى لنُجعة الإيمان، إنّ هذا لفخرٌ عظيم. من هنا هذا التشديد الهائل في العهد الجديد على فضيلة الإيمان - تشديد الربّ يسوع ذاته وتشديد بولس. فكلّ ما قاله المسيح يختصر في كلمتَين فقط: "آمنوا بي"، بل بكلمة واحدة: "صدّقوني!" أمّا بولس فيؤكّد في كلّ  صفحة أنّ التبرير والخلاص إنّما يأتيان بالإيمان. الإيمان صليب، بل هو أثقل الصّلبان. ومع ذلك فالإيمان أحلى الصّلبان وألذّها وأخفّها، لأنّه نعمة من المسيح. طوبى إذًا للذين أنعم المسيح عليهم بصليب الإيمان.

إنّ صليب الإضطهاد، صليب العزلة، صليب حسد النّاس وبغضهم، صليب نفسي أنا، صليب العالم كلّه، بمشاكله ومفاسده وهمومه وتحدّياته، كلّ هذه ليست شيئًا بالنسبة إلى صليب المسيح ذاته. وماذا أعني هنا بصليب المسيح؟

 

 أعني أنّي أعلم جيّدًا - أعلم بالإيمان لا بالبرهان - أنّه ابن الله ذاته، أنّه "شعاع مجده وصورة جوهره". أعلم بالإيمان الذي يفوق كلّ عقل وضوحًا ويقينًا "أنّه لم يَعُدَّ مساواته لله إختلاسًا مع أنّه في صورة الله، بل تجرَّد من ذاته متّخذًا صورة العبد، وصار على مثال البشر، وظهر بمظهر الإنسان، فوضع نفسه وأطاع حتّى الموت، الموت على الصّليب. لذلك رفعه الله، ووهب له الإسم الذي يفوق جميع الأسماء، كيما تجثو لاسم يسوع كلّ ركبة في السّماء وفي الأرض وفي الجحيم، ويشهد كلّ لسانٍ أنّ يسوع المسيح هو الرَّبّ، تمجيدًا لله الآب" (فيلبي 2/ 6 - 11).

إنّ صليب المسيح يعني أنّي أعلم بالإيمان لا بالبرهان - وهذا الإيمان يكفيني - أنّ "يسوع الناصريّ مضى من مكان إلى آخر يعمل الخير ويُبرئُ جميع الذين إستولى عليهم إبليس"، وأنّه إصطفى تلاميذه وأحبّهم حتى النهاية، واضطُهد من قبل أهله ومن قبل العالم، وصُلب باختياره، ومات ودُفن، وقام في اليوم الثالث، وهو الآن حيّ بكلّ معنى الكلمة، بمعنى أعمق بكثير من أنّي أنا حيّ وأنّك أنت حيّ، بمعنى أنّه حيّ جالس عن يمين الآب، عن يمين الله ذاته، وأنّ العالم كلّه في قبضة يديه. وإنّه بالفعل ملك الملوك وربّ الأرباب، بمعنى أعمق وأصحّ وأصدق بكثير من كون أيّ ملك هو ملك، أو أيّ ربّ هو ربّ، أو أيّ حاكم هو حاكم، أو أيّ ذي سلطان هو ذو سلطان، وإنّ هذا المعنى أستطيع أن أشرحه بالعقل، مع أنّي لم أتوصّل إليه بالعقل بل بالإيمان، ومع أنّ أحدًا لا يفهم شرحي إيّاه إلاّ إذا كان مؤمنًا مثلي أو كان متحرّقـًا للحصول على نعمة الإيمان.

هذا هو إيماننا، هذا ما نؤمن به فوق أيّ شيء آخر، نؤمن به أكثر ممّا نؤمن بأنفسنا، أكثر ممّا نؤمن بمعطيات حسّنا ويقينيّات عقلنا، لأنّ حسّنا يترجرج وعقلنا يخبو، بينما "يسوع هو هو، بالأمس واليوم وللأبد"، وأن نؤمن بكلّ هذا، هذا هو الصّليب، إذ لا نملك دلالة على صحّة هذه الأشياء إلاّ الإيمان، الإيمان الذي هو نعمة من الله، الإيمان الذي لم نكسبه بكدّنا وجهدنا، بل أُعطيناه مجّانًا من الله. إنّ الشيء الذي أُعطيناه مجّانًا من الله الذي هو الإيمان، هذا هو الصّليب.

 

وميلُنا بالطبيعة ألاّ نحمله، لأنّ طبيعتنا الأنانيّة المتكبّرة لا تحبّ أن تُقرّ إلاّ بما كسبت هي؛ لا تحبّ أن تعترف بشيء مُنحته مجّانًا من الخارج. لهذا نحن جبناء، لا نتحدّث عن الإيمان الذي لا فضل لنا بوجوده فينا. نتحدّث بالحريّ عن الحياة، عن المجتمع، عن الأوضاع، عن التقدّم، عن الثقافة، عن التمدّن، عن الإقتصاد، عن السياسة، عن مشاكلنا الشخصيّة، وبالطبع نثرثر بعضنا على بعض كلّ يوم بل كلّ ساعة، لكنّا نستحي بإيماننا، نخفيه، نضعه تحت المكيال. لا نريد أن نحمل صليب الإيمان. نقبل أن نحمل أيّ صليب إلاّ صليب الإيمان. نقبل أن نحمل صليب المرض والألم والعناء والوحدة، نقبل أن نحمل صليب غلاظة البشر، نقبل أن نحمل أيّ صليب إلاّ صليب الإيمان. فبدلاً من أن نحمل صليب الإيمان، نُفلسفه، نستحي بذكر إسم يسوع، نغلّف هذا الإسم بشتّى الغلافات، نبخّره في العواطف والأفكار، مع أنّه هو، مع أنّ إسمه، مع أنّ ما نؤمن بأنّها هي حقيقته، مع أنّ كلّ هذا هو كلّ شيء، هو الغلبة على العالم، هو الغلبة على خطايانا، هو الغلبة على الشيطان، هو الغلبة على الموت.

إنّ عبارة "إحمل صليبك واتبعني" يعني بها المسيح "إحمل صليبي أنا، أحمل صليب إيمانك بي أنت، إيمانك الكامل بي، بكلّ من أنا، بي أنا، ابن الله الحيّ، القائم من بين الأموات، الجالس عن يمين الآب، أنا الذي أحرسك، وأرافقك، وأتوسّط لك، وأغفر وأمحو خطاياك، وأعطيك الآن في هذه الحياة الشقيّة تذوّقًا مسبقًا للحياة الأبديّة ذاتها التي أعيشها مع الله وعن يمين الله. كامل إيماني احمل.

إنّه صليب ثقيل، صليب لا يحمل لأنّه لا يصدّق، لا يحمل لأنّك لم تأت إليه بالخبرة أو بالعقل، بل أتيت إليه لأنّي أنا أتيت إليك به، لأنّي أنا وهبتك إيّاه، لأنّك، بلطف منّي، صدّقت الكنيسة التي هي جسدي والتي نقلت إليك هذا الإيمان الكامل بكلّ أمانة. إحمل كمال صليب الإيمان بي لأنّي أنا أُحمِّلُك إيّاه، لأنّي أنا مَن إخترتك لأُحمّلك إيّاه.

 الصّليب الذي أطلب إليك أن تحمل هو صليب إيماني الكامل؛ الإيمان غير الملطّف، غير المخفّف، غير المبسّط، غير المحدَث، غير المعصرن، غير الملبّس بأزياء هذا الزمن السّخيف. الإيمان الكامل الذي عرفه بولس وبطرس ذاتهما، وعاشاه وشهدا له بهذا الشكل الرّائع، لأنّي أنا كنت معهما، لأنّي أنا أعنتهما في حمل هذا الصّليب.

وأنا ذاتي أحضّك الآن على الجهاد في سبيل الإيمان الذي سُلّم إلى القدّيسين مرّة واحدة. أنا ذاتي أُحمّلُك صليب هذا الإيمان، فاحمله واتبعني". "إحمل صليبك واتبعني". لم يقل "إحمل صليبك" وكفى، بل قال: "إحمل صليبك واتبعني". إنّ الحاسم في هذا القول هو كلمة "إتبعني".

 

يعرف المسيح جيّدًا أنّ الحياة، مهما كانت عاديّة، ملأى بالصلبان والهموم، ولذلك لم يَعْدِ مرّة بأنّنا سننجو يومًا منها، بل بالعكس، كان دائمًا يحذّر تلاميذه من أنّ الإضطهاد والعذاب والتجارب ستزداد في حياتهم، وهذا ليس بطبيعة الأشياء فحسب، بل بالضبط بسبب أنّهم تلاميذه. لذلك أكّد مرّة أنّ مَن يترك كلّ شيء ويتبعه فنصيبه الإضطهاد، حتّى ولو نال في هذه الحياة أضعاف ما ترك. وبولس يقول: "كلّ مَن أراد أن يحيا في المسيح حياة التقوى أصابه الإضطهاد". إنّ التوقّع أنّ تاريخ البشريّة، حتّى بعد المسيح، حتّى بفعل المسيح، يتقدّم شيئًا فشيئًا إلى سلام السماء وراحة السماء، هو توقّع غير مسيحيّ، توقّع لا نرى له أثرًا في العهد الجديد ولا في التراث الكنسي. لذلك أنت لا تقول شيئًا على الإطلاق إذا قلت "إحمل صليبك وتحمَّل همومك وأحزانك" وكفى، أو على الأقلّ لا تقول شيئًا جديدًا.

ما أسخف تعزيات البشر عندما يقولون بعضهم لبعض: "تحمّل مصائبك!"، "تجلَّد على أنوائك!"، "تعزيتنا الخالصة!"، "نشاركك الأحزان!"، "نشاطرك الهموم!"، "عاطفتنا معك!"، "هذه هي الحياة!"، "كلٌّ وهمُّه!"، إلخ. كأنّهم في أيٍّ من هذه الأقوال يقولون شيئًا جديدًا! كأنّ في أقوالهم هذه أثرًا لأيّ تعزية حقيقيّة! كأنّهم في هذه الأقوال، حتّى ولو عنوها، لا يضمرون أيضًا شيئًا من الشماتة! تعزيتنا الوحيدة وأملنا الوحيد في أنّ يسوع المسيح قام من بين الأموات في اليوم الثالث، وأنّه الآن حيّ بكلّ معنى الكلمة، حيّ حاضر لنجدتنا في كلّ شيء إذا آمنّا به وتبعناه.

 

إنّ الشيء الجديد الوحيد في التاريخ كلّه هو يسوع المسيح. إذا تبعناه ومشينا وراءه وبقينا معه وبإزائه وبالقرب منه على درب الصّليب، مكّننا هو من حمل كلّ صليب مهما كان ثقيلاً مُنيئًا. ليت القارئ العزيز يفهمني جيّدًا. ليته يعرف أنّ ما أقوله بهذه البساطة ليس قولاً فارغًا، ليس نفخًا في الهواء، بل حقيقة يعرفها المؤمن، الحامل صليب إيمانه؛ يعرفها بالخبرة والحياة. نعم المسيح ذاته يمكّننا من حمل كلّ صليب وعدم النوءِ بأيّ حمل. وهذا هو الجديد الوحيد في التاريخ.

إنّ المهمّ ليس الصلبان التي نحمل، فهذه لن تنضب طوال حياتنا، بل ربّما تزداد، وثقلها وحدّتُها يشتدّان، خصوصًا في هذا العصر المضطرب، المعقّد، "المتقدّم". المهمّ أن نحملها ونتبع المسيح.

 

 المهمّ ألاّ ننوءَ تحتها بعيدًا عن المسيح. المهمّ أن يكون المسيح بجانبنا ونحن حاملوها. إنّ عبارة "إحمل صليبك واتبعني" تعني: "لا تعبأ بصلبانك، لا تدعها تُحطّمُك، لا تدعها تبعدك عنّي، بالرغم منها جميعًا يكفيك أنّي معك وبقربك. أتركْ كلّ شيء واتبعني، لا تحنّ إلى ما تركت، لا تتطلّع إلى الوراء، لا تنهمّ بالصلبان التي تحمل، أكان صليب ضبط نفسك، أم صليب الإضطهاد لأنّك مسيحيّ، أم صليب الأوضاع الإقتصاديّة والإجتماعيّة والسياسيّة البالية المهترئة، أم صليب خيانة أصدقائك وخيانتك أنت، أم صليب صدمات الحياة الكبرى التي تهزّك من الأعماق، أم صليب بؤسك وشقائك وتعاستك الرّوحيّة أنت، أم صليب الصّبر والإنتصار بالإيمان. لا تنهمّ بأي من هذه ما دمتَ بقربي. يكفيك أنّي أُعنى بك، أنت مَن عرفت جيّدًا نعمتي وقوّتي وقيامتي. أنا أعطيك القوّة. أنا أعطيك الرّوح القدس المحيي المعزّي. أنا أعطيك الجلد والصّبر. أنا أعطيك الثقة بالنّفس. أنا أعطيك الإيمان العظيم. أنا أعطيك الفرح. أنا أعطيك نعمة الإكتفاء بي. أنا أعطيك دفئي وحضوري. أنا الموجود في الكنيسة الحيّة في العالم كلّه، أنا الموجود في قلوب مُحِبّيَّ، أنا من تجدني في الفنّ العظيم، والأدب العظيم، والفكر العظيم، أنا من تجدني في حياة القدّيسين، أنا من تجدني في قلب أبسط إمرأة أميّة في هذا الجيل، أنا يسوع المسيح الحيّ المنتصر أعطيك هذه كلّها. وإذًا، إحمل صليبك، بل صلبانك، واتبعني، ولا تخف. ومكافأتك في ذلك كلّه هي فقط أنا، وهذا يكفي".

 

                                                                                د. شارل مالك