ارتداد العالم الحديث

 

ارتداد العالم الحديث

 

 

                                                                                              ارتداد العالم الحديث   

 

المسيحيّة تجد نفسها اليوم في مواجهةٍ مع حَدَثٍ جديد. في البدايات حاولت أن تتعامل مع عالم متقادم لتسيطر عليه وتغيّر وجهه. ثمّ حاولت أن تنظّم عالم الحضارة الأوروبيّة الذي وُلد منها. ولكنّها، في الوقت الحاضر (وخصوصًا منذ عصر النّهضة)، ابتدأت تتعامل مع مجموعة إنسانيّة جديدة لا تخضع للكنيسة مباشرةً. فبعد العالم اليوناني - الرّوماني، وعالم القرون الوسطى، عالم ثالِث، هو العالم الحديث، ابتدأ يظهر إلى الوجود ويتطوّر بعيدًا عن المسيحيّة، وبطاقةٍ إنسانيّةٍ أقوى من السّابق.

أليس من الفكر الحديث نتجت كلّ الطموحات وكلّ المبادرات الحديثة حول اكتشاف أبعاد الأرض؟

 

وبنتيجة ذلك لم يعد الكلام يدور حول الهرطقات ولا الإنشقاقات ولا الوثنيّة. الوثنيّون، بالمعنى التقليديّ للكلمة، أصبحوا من الماضي. ولكنّنا نجد أمامنا الآن تيّارًا إنسانيًّا جديدًا يطرح علينا حالة جديدة ويتطلّب منّا أن نستعمل طرقًا جديدة لنعيده إلى الإيمان.

 

الطابع الظاهريّ اللّامسيحيّ للعالم الحديث

صراع الديانتين.

لكي نفهم المشكلة ونحدّد حلول معضلتها، علينا أن ندرس الفكر المعاصر الناشئ من وجهة النّظر الحيويّة والمتطوّرة فيه، الأمر الذي يُعتبر وحده المناهض للكنيسة.

فمن الوجهة النّظريّة كان بإمكان هذا العالم أن يولد ويكبر مؤمنًا. فلماذا تحرّر إلى هذا الحدّ، ولماذا حاول الولد أن يفتك بوالدته ويبتعد عنها؟

هذه المنافسة بين المسيحيّة والحداثة (Modernisme) أرى سببها في الإكتشافات الأساسيّة التي ظهر منها الفكر الحديث وتشبّع بمعطياتها، وهي:

أ- إكتشاف مساحة الكون الشّاسعة التي طبعت نظرتنا العادية بالطابع الكوني.

ب- إكتشاف المساحة الشاسعة والمتطوّرة للزمن، التي أدخلت، بدورها، في رؤيانا العاديّة، فكرة التطوّر اللّامحدود (المستقبليّة Futurisme).

ولكنّ الكونيّة والمستقبليّة عندما تلتقيان في اكتشاف الكون المتطوّر كليًّـا تصبحان تطوّرًا. وفي الواقع، إنّهما تكوّنان، بظهورهما، حدثًا نفسيًّا لأنّهما تتساويان مع حدود خبرتنا الجديدة. وبالأكثر، فإنّهما، بطبيعتهما، تحدّدان ديانةً، لأنّ "الدينيّ" يظهر، تحديدًا، عندما يُنظر إلى العالم في جميع أبعاده وفي تحقيقه المستقبليّ، أعني "الإيماني".

هذه الديانة الوليدة (وهنا بيت المقصد) لا تظهر، لأوّل وهلة، في توافقٍ مع المسيحيّة، وليس ذلك لأنّ هذه المسيحيّة ليست، في جوهرها، "كونيّة ومستقبليّة"، ولكن لأنّ الكونيّة والمستقبليّة لهما مفهوم مغاير. فالكونيّة والمستقبليّة في مفهوم العالم المعاصر لهما طابع الحلولي، والطابع المثولي، والطابع العضوي، والطابع التطوّري...، بينما المسيحيّة لها الطابع الشخصاني، والطابع السّامي، والطابع القانوني، والطابع الثبوتي.

من هنا الصّراع في جوهره، لأنّنا نجد حولنا أنّ هذا الصّراع ليس بين مؤمنين وغير مؤمنين، بل بين فئتين من المؤمنين، لكلّ فئة أهدافها ومبادئها ونظرتها إلى الإلهي. وأفضل هؤلاء (وهم الأخطر في نظرنا) من الذين هم ضدّ المسيحيّين يقوم خطرهم على أنّهم لا يبتعدون عن المسيحيّة لأنّها صعبة العيش، بل لأنّ هذه المسيحيّة لم تعد تُرْوي غليلهم كما في الماضي. وإذا كانوا يرفضون المسيح فلأنّهم لا يرون فيه بعض الميّزات التي ينتظرونها ويعبدونها. لذلك نرى أنّ ديانة الأرض هي في طريقها لتتحقـَّـق في وجه ديانة السّماء. وهنا تكمن المشكلة في جوهرها وفي خطرها، ولكن أيضًا في آمالها.

 

 

الوسيلة العامّة لحلّ المشكلة لا الإدانة بل العماد.

 

تجاه هذا الصّراع بين الإيمان المسيحيّ والإيمان المعاصر، ماذا بإمكاننا أن نفعل لنخلّص العالم؟

 

أ- هناك حلٌّ أوّلي يقوم على رفض وإدانة وإلغاء (إذا أمكن) هذه الديانة الجديدة على أنّها امتداد شيطاني. وهذه الطريقة قد استعملت، في الواقع، ولكن مع نتائج لم تكن إيجابيّة بل سلبيّة. كذلك إنّه ليس ممكنًا إيقاف الحركة المعاصرة (لأنّ هذه الحركة هي مرتبطة بتطوّر الوعي الإنساني)، ولكن يكون ذلك، إذا حاولنا، أمرًا غير عادل وغير مسيحيّ، والسبب هو أنّ جميع أشكال هذه الحركة التي تأخذ طابع "الإيمان بالعالم" هي ناتجة من الجهد الأكيد والمخلّص للحياة (أعني لعمل الله الخلاّق)، ولذلك يجب احترامها. وفي الواقع، فإنّ الحركة المعاصرة ليست سوى تحويلٍ وتغييرٍ في النّفس الدينيّة طبيعيًّا (Anima naturaliter religiosa) للجنس البشري كلّه التي اخترقتها المسيحيّة نفسها.

 

فالمسيحيّون، وتبعًا لتغيير ملازم للكتلة البشريّة التي هم جزء منها، ليس بإمكانهم أن يعبدوا كما في السّابق (أعني قبل ظهور عامل الزمان والمكان وتفاعلهما). من هنا عدم رضى كثيرين من المؤمنين بمسيحيّة تطلب منهم أن يشكّوا بطروحاتٍ وآمالٍ يتقاسمونها مع جميع البشر.

ومن هنا أيضًا قلقهم في إيمانٍ مهدّدٍ من كلّ تجديدٍ وتعظيمٍ للأبعاد التي يحقـِّـقها الإنسان في الكون. كذلك كثيرون من المسيحيِّين ابتدأوا يشعرون أنّ الصّورة التي يقدّمونها عن الله لم تعد جديرة بكونٍ يتكشّف لنا في أبعاده الهائلة.

ب- لذلك، هناك حلٌّ يقدّمه العقل البشريّ، متناسبٌ وفعّال، غير الإدانة (Condamnation)، وهذا الحلّ هو التالي: الإعلان عن أنّ "ديانة الأرض" (La Religion de la Terre) ليست سوى الإندفاع نحو السّماء، وذلك بإظهار القوى، التي تُعتبر تهديدًا للكنيسة، على أنّها دِفْقٌ جديد من الحيويّة التي تحيي الواقع المسيحيّ القديم. لا إدانة، بل معموديّة جديدة. وإنّه لمن الواضح أنّ العالم الوليد (الذي وحده له قيمة الآن) يرتدّ بلمحة بصر إذا ما اعترفنا له بأنّ الألوهة الجديدة التي يعبدها هي إله المسيحيِّين، ولكن بصورة أعمق. فهل تلاقي هذين النّجمَين ممكن؟ أعتقد ذلك، نعم، وإليكم الوسيلة التي بواسطتها يتحقـَّـق ذلك.

تلاقي الجديد والقديم في المسيح الكوني

 

إذا ما أردنا أن نغيّر التيّار الديني المعاصر في أعماقه، وأن نوجّهه، أعتقد أنّ هناك ثلاث مراحل مترابطة مع بعضها، وهي التالية:

 

أ- المرحلة الأولى (وهي فلسفيّة) تقوم على تطوير مفهوم الكائن، في الفعل والقوّة، وإعطاء الفيزياء والميتافيزياء اتّجاهًا صحيحًا في نطاق التطوّر. وإنّني مقتنع على أنّ التفسير الصّادق للإنجازات الجديدة للعلم وللفكر تؤدّي بنا إلى تطوّر روحي وليس إلى تطوّر ماديّ. فالعالم الذي نعرفه لا يتطوّر صدفةً، ولكن بواسطة مركزٍ شخصاني محكوم بالإتّجاه الكوني.

 

ب- المرحلة الثانية (وهي عقائديّة) تقوم على درس مسيحانيّة متوازية مع الأبعاد الحالية المعترف بها للكون، أعني الإعتراف بأنّ المسيح، زيادة على صفاته الإنسانيّة والإلهيّة (التي يحدّدها اللاهوتيّون لغاية الآن)، له صفات الكونيّة تجعل منه المركز الشخصاني الذي يسعى إليه علم الفيزياء وعلم الميتافيزياء، وذلك من خلال تجسّده. هذه الأبعاد هي في تآلفٍ مع النصوص الأساسيّة التي نجدها عند القدّيس يوحنّا والقدّيس بولس، وكذلك عند الآباء اليونان.

 

ج- المرحلة الثالثة (وهي صوفيّة أخلاقيّة) تقوم على تطوير البشارة الإنجيليّة التي يجب أن تغدو البشريّة. وإنّه لمن المُمكن أن يظهر المسيح بوضوح وكأنّه قمّة التطوّر الكوني دون أن يكتشف المسيحيّون القيمة الطبيعيّة للجهد الإنساني في المسيح يسوع (In Christo Jesu). لقد اعتبر البعض أنّ الطريق الأقرب إلى السّماء  هي الكفر بالأرض، ولكنّ المسيح الكوني يوضح لنا أنّ السّماء هي أقرب منالاً من خلال إنماء الأرض والعالم (وقد أصبحا أكبر وأكثر تطوّرًا ممّا نعتقد). وهكذا تغتني الأصول المسيحيّة الأساسيّة وتتطوّر إذا ما اعتبرت أنّ المسيح الكوني هو محور كلّ شيء.

 

فالصّليب لم يعد رمز التفكير، بل هو علامة التطوّر في قلب العذاب.

والتجرّد لا يعني الإحتقار والرّفض، بل التقدّم والسموّ.

والإعتزال ليس سوى الطريقة المثلى للصّراع ضدّ الشرّ، أعني جعل الهزيمة المفروضة بشريًّا وكأنّها اغتناء في الله.

والمحبّة لا تعود تطلب منّا تضميد الجراح وحسب، بل تدفعنا لبناء عالم جديد وكامل منذ الآن، ولمحاربة كلّ ما يعيق تطوّر الإنسانيّة.

والخلاص الفردي لا نعود نسعى إليه لنتمجّد، بل لأنّه يجعلنا نخلّص العالم من خلال خلاصنا.

 

وهكذا، على الأصعدة الثلاثة: الفلسفيّة، والعقائديّة والأخلاقيّة الصوفيّة، تتجدّد المسيحيّة وتتطوّر، وذلك من خلال ظهور المسيح الكوني. وهكذا يتّضح:

أوّلاً أنّ ديانة كهذه هي في الخطّ الذي يسعى إليه العالم المعاصر الذي ينتظر إلهه، وهذا الإله هو الذي يثبّت ويكلّل ويقبل العمل البشري كأنّه تمجيد له أعني الإله المسيحيّ.

ثانيًا أنّ ديانة كهذه لا تعود مناهضة للمسيحيّة. فالمسيح، وهو يصبح كونيًّا، لا يضيع في الكون كما تدّعي بعض التيّارات المعاصرة، ولكنّه يسيطر عليه ويتمثّله وهو يفرض عليه خاصيّاته الجوهريّة وهي: الطبيعة الشخصانيّة للألوهة، وظهور هذه الشخصانيّة الكاملة في مسيح التاريخ، والطبيعة الأرضيّة للعالم الذي أكمله الله. فالمسيح الكوني يجذب الطاقات التي تبشّر بها الحلوليّة المعاصرة وهو يصلح أمرها ويكمّلها. وهو يتكامل رغم كونه يبقى كما هو، أو بالأحرى ليظهر ذاته كما كان.

 

وفي الواقع، كلّما تعمّقنا في الأمر، كلّما أدركنا أنّ كونيّة المسيح هي الطريقة الوحيدة التي من خلالها نحفظ له ميّزاته الجوهريّة (الألف والياء) في خلقٍ يتكامل ويكبر بشكلٍ مدهش. والمسيحيّة، لكي تحتفظ بمركزها على رأس الإنسانيّة، عليها أن تصبح كونيّة، أعني أن يعمَّ جسد المسيح السرّي الكون كلّه، وأن تكون ميّزات المسيح الملك هي المسيطرة في هذا الكون، خصوصًا على الصّعيد الإجتماعي.

 

 

عهد جديد ممكن للمسيحيّة

تحرير داخلي وامتداد كوني

من خلال توضيحنا وشرحنا لإشراقات المسيح الكوني، تكتسب المسيحيّة فضيلة جديدة، دون أن تفقد دورها كماء مطهّر للأرض، وكزيتٍ مُبلسمٍ للجراح. كذلك إنّها تخلّص هذه الأرض من الفوضى، ومن عدم اليقين، ومن الإشمئزاز التي هي جميعها الخطر الكبير على المستقبل، وذلك لأنّها تؤكّد على الهدف الأساسيّ والحقيقيّ والأكيد لطموحات هذه الأرض أيضًا. وهكذا تصبح المسيحيّة شعلة النشاط الإنساني. وبكلام آخر، إنّها تكتشف نفسها نوعًا من أنواع الإيمان الضروريّ للإحتياجات المعاصرة، أعني دينًا حقيقيًّـا للتطوّر، دينًا لتطوّر الأرض، وإذا سمح لي بهذا التعبير، دين التطوّر نفسه. من هنا، فإنّني مقتنعٌ أنّ نظرةً كهذه للمسيحيّة تحقـِّـق تحريرًا داخليًّا مميّزًا وامتدادًا كونيًا شاسعًا.

 

أ- تحريرًا داخليًّا. لقد أعلنّا سابقًا أنّ عددًا لا يُستهان به من المسيحيِّين يرى ذاته محبطًا ومذلولاً في إيمان يُظهره في موضع الشكّ وفي فتورٍ أمام حماس تجديد الأرض. فأيّ تفتّح في الكنيسة إذا كان المسيحيّون غريبون عن السّيطرة الكاملة للمسيح على الكون باسم هذا الإيمان الذي أصبح مكبحًا بدل أن يكون منخسًا محرّكًا؟

 

ب- وأيّ وحي للقوّة المسيحيّة خارج نطاق الكنيسة؟

 

إنّه لمن الواضح أنَّ المسيحيّة لا تتطوّر بموازاة التطوّر المطلوب، رغم أنّ الإيمان لم يكن منتشرًا ومنظّمًا كما هو اليوم، ورغم أنّ العالم، في هذا الوقت، يقترب أكثر فأكثر من المسيح. وفي رأيي إنّ ذلك يعود إلى أنّ المسيحيّة التي نبشّر بها لم تعد تؤثّر كثيرًا على الذين نتوجّه بها إليهم. إنّها لم تعد المسيحيّة التي نُفهم من خلالها. ولكم من مرّةٍ سمعت غير المؤمنين يقولون لي: "إذا أصبحنا مسيحيِّين نشعر بأنّنا منقوصين Diminués)). أو بالأحرى يقولون: "نحن بحاجة إلى وحي من نوع آخر". فإذا ما بشّرنا بمسيحٍ يقدّم ذاته لخلاص النّفس البشريّة لحياةٍ أبديّة، وبمسيح يبني هذه النّفس في حالتها الطبيعيّة، وبمسيحٍ يدفع بقوى العالم بحيث أنّه يروحنها ويمتزج فيها، وبمسيح موجّه ومخلّصٍ للعالم المعاصر برجاءٍ مستقبلي، حينئذٍ بإمكان مسيحنا هذا أن يشدَّ إليه كلّ قوى الإنسانيّة الناشطة. وهكذا ينتشر حبّه بطريقةٍ توضح لنا حقيقة ديانتنا كما النار التي تنتشر بسرعة.

 

فمن أجل ارتداد العالم يجب علينا، نحن المسيحيين، أن نُكثر من المبشّرين، ولكن بعد أن نعيد التفكير بعمق في ديانتنا التي هي بحاجة إلى تقديمها بوجهٍ إنسانيّ جديد.

 

 

خطوة حاسمة يجب أن تتحقّق التفاؤل المسيحيّ

 

لقد سبق وقلت: يجب أن نقوم بكلّ ذلك بشفافيّةٍ إنسانيّة كاملة، وذلك لكي نوجّه نحو المسيحيّة القوى الحائرة (Hésitantes) التي تظهر حولنا، والتي يجب على هذه المسيحيّة أن تقبلها في أبعادها الجديدة (الزمنيّة، والطبيعيّة، والنّفسيّة) في قلب العالم الذي يدور حولنا. وإنّني لا أتنكَّر للمحاولات العديدة التي تقوم بها الكنيسة، في هذه الأيّام، للمصالحة مع العالم المعاصر. ولكن، مع الأسف، محاولة المصالحة هذه لم تزل بَعْدُ مرفوضة. والتنازلات المحدودة التي قامت بها المسيحيّة لغاية الآن ينظر إليها غير المؤمنين على أنّها ليست كافية، بل جعلتهم يخافون من موقف الكنيسة التي تظهر بمظهر المتردّد والرافض غالب الأحيان.

 

في الواقع، ليس هناك من جديد تحت الشّمس، وليس هناك من جديد بإمكانه أن يغيّر وجه الأرض، والأرض نفسها مُثقلة بنتائجٍ الخطيئة الأصليّة، لذلك يظهر العالم من خلالها عالمًا قديمًا وباردًا، وليس عالمًا جديدًا ناشطًا. وإذا كان هناك من تطوّر، فالكنيسة تقف أمامه موقف الحذر، ولا تؤمن به. إنّها تباركه، ولكن قلبها هو بعيد كلّ البعد عنه. لذلك كانت نتائج هذا التشاؤم الإنساني إبعاد العالم عن الإرتداد الفعلي إلى الله. فمن جهةٍ ينظر إلينا غير المؤمنين، من الخارج، كأنّنا لسنا جدّيين معهم، لذلك يبعدون عنّا وهم يكرهوننا لأنّنا لا نتألّم ولا نعمل ولا نترجّى معهم. ومن جهة ثانية فإنّ المؤمنين، من الداخل، هم منزعجون لأنّنا لا نجعلهم يوفّقون بين إيمانهم وطموحاتهم الطبيعيّة. لذلك نراهم محبطين أمام ما يتمنّون أن يساهموا به في الحقل الإنساني.

 

وكما يقولون: لا نهدي (Convertir) إلاّ الذي نحبّه. فإذا لم يكن المسيحي بتعاطفٍ كليّ مع العالم المولود جديدًا، وإذا لم يشعر، في داخله، بطموحات العالم المعاصر وقلقه، وإذا لم يجعله (أعني العالم) يكبر في وجوده بالمعنى الإنساني، فإنّ هذا المسيحي ليس بإمكانه أن يحقـِّـق التآلف المحرّر بين الأرض والسّماء الذي من خلاله يظهر المسيح الكوني بكلّ عظمته. فإذا لم يفعل ذلك (المسيحي)، فإنّه سيدين كلّ جديد ويحكم عليه، خصوصًا النشاطات المقدّسة النّامية.

 

غطسٌ وعَوْمٌ وإرتفاع. مشاركةٌ وتسامٍ. هذه هي شريعة التجسّد نفسها. ففي يومٍ من الأيّام، ومنذ ألف سنة، ترك الباباوات العالم الرّوماني وتوجّهوا إلى البرارة. لذلك، مطلوبٌ الآن، أن تقوم الكنيسة بخطوة كهذه.

 

إنّني أعتقد أنّ العالم سوف لا يهتدي ويرتدّ إلى رجاء المسيحيّة السّماوي إلاّ إذا ارتدّت المسيحيّة نفسها واهتدت إلى رجاء الأرض لكي تؤلّهها.

 

 

                                                         بكين، 9 تشرين الأوّل 1936

                                                                تيار دي شاردن