الإيمان المسيحيّ أمام تحدّيّات العصر والإلحاد

 

الإيمان المسيحيّ

أمام تحدّيّات العصر والإلحاد

 

 

قبل الخوض في صلب الموضوع، أرى من واجبي التشديد بادئ ذي بدء على ثلاث ملاحظات.

الأولى بشأن ما يسمّى "المسيحيّة". إنّ يسوع المسيح لم يؤسّس "نظامًا" اسمه المسيحيّة. يسوع المسيح لم يضع تشريعًا مفصّلاً أو تعاليم محدّدة لكلّ ظرف من ظروف الحياة، كما وضع موسى ومحمّد، وكما تضع في زمننا بعض الأيديولوجيّات كالماركسيّة أو اللينينيّة أو الإشتراكيّة أو الفاشيّة أو غيرها من النّظم. يسوع المسيح وضع نفسه فقط: حياته، شخصه، آلامه، صلبه، موته، قيامته المجيدة. لم يؤسّس يسوع المسيح نظامًا إقتصاديًّا أو إجتماعيًّا أو سياسيًّا. أسّس الربّ يسوع كنيسته التي هي جسده الحيّ، وهذه الكنيسة تستمدّ نظامها وحياتها وروحها كلّها منه هو رأسها. بالطبع علّم الربّ يسوع تلاميذه، بالطبع قال لهم إصنعوا هذا ولا تصنعوا ذاك، بالطبع أعطى أفكارًا محدّدة عن طبيعة الله وعن طبيعته هو وعن طبيعة الإنسان وشقائه وخلاصه ومصيره وعن علاقة الإنسان بأخيه الإنسان وعن آمال التاريخ كلّه، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً. لكنّ هذا كلّه ليس بالأمر الجوهريّ، لأنّ هذا كلّه مستمدّ، منحدر، منعكس من شخص المسيح ذاته.

 

لسنا إذًا أيّها الإخوة أمام نظام فلسفيّ أو سياسيّ أو إجتماعيّ إسمه المسيحيّة. الشيء الذي يُطلق عليه إسم المسيحيّة قد يتمكّن من العيش تحت أيّ نظام فلسفيّ أو إجتماعيّ أو سياسيّ، شرط ألاّ يكون مبدأ هذا النّظام الأوّل إفناء المسيح وإبادته من الوجود.

 

لا يُطلب من أيّ نظام إلاّ الحياديّة تجاه شخص يسوع المسيح حتّى يتمكّن المسيح من الحضور والترعرع فيه وتخليصه من جميع الشّوائب. إنّ المسيح يلائم كلّ شيء إلاّ الخطيئة، وكلّ نظام يلائم المسيح إلاّ ما اندسّ في هذا النّظام من روح البغض والشرّ والشيطان. والمسيح جاء بالضبط لقهر روح البغض والشرّ والشيطان. ولذلك حيث توجد عدم ملاءمة، حيث يوجد تعارض أو تناقض أو مشادّة أو توتّر، فسبب ذلك يعود إلى طبيعة الأشياء، إلى أنّ النّور بطبيعة الحال لا يتلاءم والفناء، والحريّة بطبيعة الحال لا تتلاءم والعبوديّة، والمحبّة بطبيعة الحال لا تتلاءم والبغضاء، والتضحية بطبيعة الحال لا تتلاءم والأنانيّة، وعبادة الله الخالق بطبيعة الله لا تتلاءَم وعبادة المخلوق. ويسوع المسيح الناصريّ هو هو النّور والوجود والحريّة والمحبّة والتضحية والله الخالق. لا يوجد شيء اسمه النّور والوجود والحريّة والمحبّة والتضحية والله الخالق خارج يسوع المسيح.

وإذًا بمعنى أساسيّ لا يوجد شيء اسمه المسيحيّة. المسيحيّة غير موجودة. الموجود هو يسوع المسيح.

الملاحظة التمهيديّة الثانية هي بشأن عبارة "الإيمان المسيحيّ". ينتج ممّا ذكرت أنّ الشيء الذي اسمه "الإيمان المسيحيّ" يختلف جوهريًّا عن أيّ إيمانات أخرى.

فإذا تكلّمنا عن "الإيمان العلميّ"، فنعني الثقة بأنّ ثمّة قوانين محدّدة تتحكّم في مظاهر الطبيعة. وإذا تكلّمنا عن "الإيمان القوميّ"، فنعني الإيمان بشعب وتراث معنيّين ننتمي إليهما. وإذا تكلّمنا عن "الإيمان الإشتراكيّ"، فنعني أنّ ثمّة أفكارًا معيّنة حول طبيعة العمل والإنتاج وتوزيع الثروة وعلاقة هذه جميعًا بالحكومة، نذهب إليها، إن كنّا "إشتراكيّين"، ونعمل على تحقيقها. وإذا تكلّمنا عن "الإيمان الماركسيّ"، فنعني مذهبًا معيّنًا في الإقتصاد والسياسة وفي طبيعة الإنسان ومصيره. وإذا تكلّمنا عن "الإيمان الإسلاميّ"، فنعني إيمانًا بتعاليم معيّنة وبتراث معيّن وبانتماء إجتماعيّ ثقافيّ معيّن وبكتاب معيّن هو القرآن. إنّ هذه الإيمانات، وغيرها، موجودة بالفعل، وهي جميعًا محترمة، كلّ في نطاقه الخاصّ، لكنّها جميعًا تجرّد عن الشخص - عن أيّ شخص - وتركّز على مبادئ أو أفكار أو مُثل.

 

أمّا الإيمان المسيحيّ فيختلف أساسيًّا وجوهريًّا وأصلاً عن جميع هذه الإيمانات. لا يمكن فصم الإيمان المسيحيّ عن شخص يسوع المسيح.

إنّ المؤمن المسيحيّ هو المائل أمام شخص يسوع المسيح. المؤمن المسيحيّ لا يفكّر، أوّل ما يفكّر، في تعاليم ومبادئ ومُثل. المؤمن المسيحيّ يفكّر، أوّل ما يفكّر، في شخص يسوع المسيح. ولأنّه يَمثل أمام شخص يسوع المسيح ولأنّه يفكّر أوّل ما يفكّر في شخص يسوع المسيح، يصبح هو شخصًا. الإيمان المسيحيّ هو إيمان بين شخص وشخص، لا بين شخص وفكرة، ولا بين شخص وجماعة، ولا بين شخص ونظام.

 

إنّ الكتاب المقدّس، بعهدَيْه القديم والجديد، آل إلى الشّخص. الربّ الإله دعا إبراهيم. الربّ الإله كلّم موسى. الربّ الإله إمتحن بني إسرائيل. الربّ الإله كلّم الأنبياء. وهذا الربّ الإله "الذي كلّم الآباء قديمًا في الأنبياء كلامًا متفرّق الأجزاء مختلف الأنواع كلّمنا أخيرًا"، يقول بولس، "في هذه الأيّام في الابن الذي جعله وارثًا لكلّ الأشياء وبه أنشأ الدّهور. وهو ضياء مجده وصورة جوهره، وضابط الجميع بكلمة قوّته. وبعدما طهّر الخطايا، جلس عن يمين ذي الجلال في الأعالي" (عب 1/ 1 - 3).

وماذا كلّمنا هذا الابن "الوارث لكلّ الأشياء؟" بالطبع علّمنا أشياء كثيرة. بالطبع قال لنا إفعلوا هذا ولا تفعلوا ذاك. بالطبع قال لنا "كلّ من يسمع كلامي هذا ويعمل به يشبه رجلاً حكيمًا بنى بيته على الصّخر".(متى 7/ 24)

بالطبع ثمّة مبادئ وأفكار ومُثل وقواعد وتعاليم في ما كلّمنا به. لكنّه كلّمنا أوّل ما كلّمنا به وآخر ما كلّمنا به بشخصه ذاته هو.

"أنا هو الطريق والحقّ والحياة".

"أنا هو ابن الله".

"أتؤمنون بالله؟ آمنوا إذًا بي".

"مَن آمن بي وإن مات فسيحيا".

"مَن يؤمن بي فله الحياة الأبديّة".

"أنا والآب واحد".

"أنا هو الراعي الصّالح".

"أنا هو خبز الحياة".

"أنا هو نور العالم".

"موسى كتب عنّي".

"قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن".

"لا يأتي أحد إلى الآب إلاّ بي".

"السّماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول".

"كلّ من يعترف بي قدّام الناس أعترف أنا به قدّام أبي الذي في السّموات. ومن ينكرني قدّام الناس أنكره أنا قدّام أبي الذي في السموات".

"مَن وجد نفسه يهلكها ومن أهلك نفسه من أجلي يجدها".

"أنا أقول لكم أنّ ههنا أعظم من الهيكل".

"الحقّ أقول لكم إنّ كثيرين من الأنبياء والصّدّيقين إشتهوا أن يروا ما أنتم راؤون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم سامعون ولم يسمعوا".

"لأنّه هكذا أحبّ الله العالم حتّى أنّه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة".

"مَن آمن به فلا يدان ومَن لا يؤمن به فقد دين لأنّه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد".

"فأجاب يسوع وقال لها كلّ من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا وأمّا مَن يشرب من الماء الذي أنا أعطيه له فلن يعطش إلى الأبد".

"خذوا كلوا هذا هو جسدي".

"إشربوا من هذا كلّكم لأنّ هذا هو دمي".

"كلّ شيء قد دفع إليّ من أبي".

"إنّي قد أعطيت كلّ سلطان في السّماء والأرض".

وإذًا يا إخوتي، المسيحيّة لا شيء إن لم تكن يسوع المسيح ذاته.

 

الإيمان المسيحيّ لا شيء إن لم يكن الإيمان بيسوع المسيح ذاته. الإنجيل لا شيء إن لم يكن التبشير بيسوع المسيح ذاته. القدّاس الإلهيّ لا شيء إن لم يكن التحضير للوقوف في حضرة المسيح ذاته في لحظة الإستحالة في الذبيحة الإلهيّة. وإذًا "الإيمان المسيحيّ أمام تحدّيّات العصر والإلحاد" يعني حرفيًّا "يسوع المسيح أمام تحدّيّات العصر والإلحاد".

العالم يستحي من ذكر اسم يسوع المسيح، وحتّى بعض الكهنة أحيانًا يستحون من ذكر اسم يسوع المسيح الناصريّ. يشيرون إلى حكم الإنجيل، إلى تعاليم المسيح، إلى وصاياه، وأقرب ما يقتربون إليه أحيانًا هو بقولهم "المعلّم" أو "السيّد" أو "الربّ". أمّا اسمه هو، أعني يسوع المسيح الناصريّ، فيستحون أن يذكروه. بطرس لم يقل للمقعَد باسم الربّ إنهض وامشِ، أو باسم السيّد إنهض وامش، أو باسم السيّد المعلّم إنهض وامش، بل قال: "باسم يسوع المسيح الناصريّ قمْ وامش. وأمسكه بيده اليمنى وأنهضه ففي الحال تشدّدت ساقاه ورجلاه فوثب وقام وطفق يمشي ودخل معهما إلى الهيكل وهو يمشي ويثب ويسبّح الله".

بولس لم يقل للسجّان آمِن بالربّ أو آمن بالسيّد أو آمن بالمعلّم أو حتّى آمن بالله، بل قال له: "آمن بالربّ يسوع المسيح فتخلص أنت وأهلُ بيتك".

يختلف الإيمان المسيحيّ أساسيًّا عن أيّ إيمان آخر. الإيمان المسيحيّ ليس تعلّقًا بأفكار أو نظريّات أو مبادئ أو نظم. الإيمان المسيحيّ تعلّق كيانيّ بشخص يسوع المسيح الناصريّ. هو المخلّص، هو الحياة الأبديّة، هو الله.

أمّا الملاحظة التمهيديّة الثالثة فتتعلّق بهذا الذي نسمّيه "العصر" أو "العالم الحديث" أو "التفكير العصريّ" أو "التفكير الحديث". وهنا أريد أن أركّز فقط على ما يُدعى "تقدّميًّا" في هذا التفكير".

ثمّة حركات تسمّي نفسها تقدُّميّة، وثمّة أشخاص وحتّى كهنة يقولون عن أنفسهم إنّهم تقدّميّون. ماذا يُعنى بالتقدّميّة؟ يُعنى بالتقدّميّة وضع خطّة أو مشروع يختلف عن الواقع المُعطى، نتقدّم بموجبه بتطوير الواقع نحو موافقته أكثر فأكثر. التقدّميّة هي نقد الواقع وعدم الرّضى عنه ودفعه إلى المشروع المخطّط. وما هو مشروع التقدّميّين، حتّى الكهنة منهم؟ يقع مشروعهم غالبًا في النّطاق الإقتصادي والإجتماعيّ. الواقع جشع وظلم. المشروع كبح الجشع وإشاعة العدالة. وإذًا فلنتقدّم نحو تحقيق المشروع. وفي الأثناء تزول جميع القيَم الرّوحيّة الشخصيّة الداخليّة الكيانيّة، ويذوب كلّ شيء في الإقتصاديّات، والإجتماعيّات. يذوب كلّ شيء في هذا بحيث يصبح الإنسان ذاته نتاجًا محتّمًا للأوضاع الإقتصاديّة والإجتماعيّة. خارج إقتصاديّاتي وإجتماعيّاتي أنا لست شيئًا. خارج العوامل الكونيّة والطبيعيّة الفاعلة فيّ أنا لست شيئًا. هذه النظرة إلى الإنسان هي بالضبط النظرة الوثنيّة القديمة.

 

فالوثنيّة التي جاءت المسيحيّة، وجاء الإسلام بالضبط، لدحرها والتخلّص منها هي عبادة الأوثان، والوثن هو بالضبط هذا الذي نسمّيه العوامل الكونيّة الطبيعيّة والتيّارات الإجتماعيّة الإقتصاديّة. العبادة تعني النّظر إلى شيء بصفته أوّل شيء وأصل كلّ شيء، وإذ ينظر التقدّميّون إلى الإقتصاد والإجتماع والمادّة والكونيّات بصفتها هي علّة كلّ شيء، فهم بذلك يعبدون تلك الأشياء. وبما أنّ هذه جميعًا هي غير الرّوح الخالق اللامنظور الذي هو الله، فالتقدّميّة، بقدر ما تشدّد على هذه العوامل والتيّارات فقط من دون الله، هي رجوع إلى النّظرة الوثنيّة التي سبقت الدّيانة السّماويّة. بهذا المعنى، التقدّميّة هي وثنيّة. بهذا المعنى، التقدّميّة هي رجعيّة، أي رجوع إلى ما قبل المسيح وإلى ما هو خارج المسيح. بهذا المعنى، التقدّميّة هي بالفعل تأخّريّة.

من هنا هذا الرّابط المحكم الذي كثيرًا ما نشاهده بين التقدّميّة والإلحاد. التقدّميّون في الغالب لا يؤمنون لأنّهم رجعيّون تأخّريّون، أيْ لأنّهم في نظرتهم يعودون إلى الوثنيّة. وحتّى المؤمنون الذين ينزلقون في تيّار التقدّميّة العصريّة، يصبح تركيزهم مع الزّمن لا على الرّوح والنّفس والدّاخل والموقف الكيانيّ، ولا على العقل والضمير والشّخص والإنسان، بل على الإقتصاديّات والإجتماعيّات والمادّيّات والطبيعيّات.

العصر عصر مادّيّ، العصر يعبد غير الله. العصر إذًا عصر وثنيّ. العصر يقع في تقدّميّته خارج المسيح. العصر إذًا تأخّريّ، لأنّ المسيح هو هو التقدّم الحقيقيّ. العصر يرجع بنا إلى ما قبل المسيح وإلى ما هو خارج المسيح، وإذًا العصر عصر رجعيّ. فماذا ينفعنا إذا ربحنا العالم كلّه وخسرنا أنفسنا؟ وبما أنّ وجودنا في حضرة المسيح وتفاعلنا وإيّاه وامتحانه الدّائم إيّانا هي التي تكوّن فينا نفسًا وضميرًا وشخصيّة وحساسيّة روحيّة، فيمكن جعل هذا التساؤل بالشّكل التالي: ماذا ينفعنا إذا ربحنا العالم كلّه وخسرنا المسيح؟

بقدر ما لا يرى التقدّميّون غير المنظورات الحسّيّة، فهم بالفعل يعبدون المخلوق من دون الخالق. بقدر ما هم يعبدون المخلوق هم بالفعل وثنيّون. بقدر ما هم وثنيّون هم بالفعل ملحدون. بقدر ما هم وثنيّون ملحدون هم بالفعل رجعيّون تأخّريّون. الخطر الأكبر في العصر الحديث هو أن ينجرف الإنسان، بما في ذلك بعض رعاة الكنيسة، في التيّار المادّيّ الحلوليّ بحيث يبطل التمييز القاطع بين المخلوق والخالق، بين المنظور وغير المنظور، بين المادّة والرّوح، بين الفرع والأصل، بين الإنسان والله. الخطر الأكبر أن يكون مَن يسمّون أنفسهم تقدّميّين هم بالفعل تأخّريّون.

كلّ هذا لا يعني مطلقـًا أنّ المسيحيّ تأخّريّ من حيث العدالة والحرّيّة والسّلام، وأنّه لا يملك خططًا ومشاريع يتقدّم بعزم نحو تحقيقها، ويتعاون بإخلاص وغيرَه من المؤمنين بالعدالة والحرّيّة والسّلام. ثمّ إنّ المسيحيّ يعرف تمامًا أنّ جميع هذه المشاريع، حتّى تلك التي يتحمّس لها الملحدون، إنّما أوحاها آخر الأمر المسيح ذاته بواسطة كنيسته وما عنته عبر التاريخ.

لكنّ المسيحيّ لا يمكن أن يطلق على نفسه تسميةَ "تقدّميّ" بمعنى هذه الكلمة التأخّريّ الوثنيّ، ولا يمكن أن يكوّن مع التقدّميّين الحلوليّين جبهة موحّدة بحيث يلتبس قصدهم وقصدَه. قصدهم الإجتماع والإقتصاد والسياسة فقط، أمّا قصده هو فيتخطّى هذه جميعًا إلى المحبّة، إلى الرّوح، إلى شفافيّة القلوب، إلى الكيان الأسمى، إلى العطاء، إلى الله، إلى الوجود الأبديّ بالقرب من يسوع المسيح، وكلّ هذه مستقلّة عن الإجتماع والإقتصاد والسياسة.

أنتقل الآن إلى صلب الموضوع. التّركيز على موضوعنا "الإيمان المسيحيّ أمام تحدّيّات العصر والإلحاد" هو بالفعل ليس على المسيحيّة، ولا على الإيمان المسيحيّ، ولا حتّى على العصر أو على العالم الحديث، بل على مركز يسوع المسيح الناصريّ في عصرنا هذا. حقيقة الموضوع ليس بالفعل إيماني الخاصّ ولا إيمانكم الخاصّ، مع احترامي التامّ لكلا الإيمانَيْن. حقيقة الموضوع هو "يسوع المسيح اليوم".

 

 

يسوع المسيح اليوم بألف خير. بعد قيامته من الأموات في اليوم الثالث، صعد إلى السّماء وجلس عن يمين الآب وأُعطي كلّ سلطان، في السّماء وعلى الأرض. هو إذًا اليوم ربّ الأرباب وملك الملوك. وهو بكلّ تأكيد سيأتي ثانية ليدين الأحياء والأموات. التاريخ كلّه في قبضة يده. "يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى مدى الدّهر". لذلك يسوع المسيح اليوم، ككلّ يوم، بألف خير.

عندما نطرح السّؤال، بالشّكل المطروح، أعني عندما نتساءل: أين الإيمان المسيحيّ أمام تحدّيّات العصر والإلحاد؟ فكأنّنا نأتي بالإيمان المسيحيّ، وبالتالي بالمسيح ذاته، أمام محكمة هذا العصر كي يحاكم ويُدان. كأنّنا نقول: "وين في إيمان بقا؟ مين لسَّا بآمن؟ أهو العالم ما شي بألف خير، بقا أينك يا يسوع المسيح فيه؟" كأنّنا نقول: "مسكين يا يسوع المسيح، يظهر أنّ العالم تخطّاك، يظهر أنّك لم تعد تلائم هذا العصر!".

 

أمّا العارف يسوع المسيح فلا يمكن أن يطرح السؤال بهذا الشّكل. العارف يسوع المسيح يقلب السؤال تمامًا. لا يقول: مسكين يا يسوع المسيح لأنّك لا تلائم هذا العصر، بل: مسكين أيّها العصر بقدر ما أنت لا تلائم يسوع المسيح! لا يقول: الإيمان المسيحيّ أمام تحديّات العصر والإلحاد، بل: هذا العصر الملحد أمام تحديّات المسيح! ليس المتحدّي هذا العصر الضّائع المسكين، بل المتحدّي هو يسوع المسيح.

 

 

                                                                                 د.شارل مالك