الإيمان والحبّ

 

الإيمان والحبّ

 

الإيمان والحبّ

 

ما هو الإيمان؟

 

سؤالٌ مُثقلٌ بالمعاني غنيٌّ بالمضامين ولكنَّه يستقرُّ عند أبعادٍ مُثلّثة.

الإيمان إنتماء والتزام، أي البعد البنّاء.

الإيمان عطيَّة الله، ومتنفّس للرّوح وطريق الحياة الأبديَّة.

الإيمان تأكيد على الرَّغم من ضبابيَّته لأنّه يحمل انتظارات ورجاءات ومواعيد.

الإيمان هو انتماء شخصيّ يطال الإنسان بكلّيته،، في حريّيته وتصرُّفه وعلاقاته الأفقيّة والعاموديَّة ولا يُمكن لأحدٍ أن يحلَّ مكان المؤمن في اتّخاذ قرارات وجوديَّة تدلُّ على قناعاته الإيمانيَّة، وترسِّخ فيه شخصيَّة إنسانيَّة ذات أبعاد أخلاقيَّة وروحيَّة.

كُلُّ واحدٍ منَّا هو فريدٌ ينتظر شيئًا ما، كيف يلتقي الحبُّ بالإيمان في حياتنا؟ من أين نبدأ، يبدو السؤال بسيطـًا لكنّه ليس كذلك.

الحبُّ هو توقٌ وطاقةٌ واندفاع باتِّجاه الآخر، وحين لا نُدرك هذا التوجُّه يُصاب الاندفاع بالعمى.

الحُبُّ لا يُخلق موضوعه، إنّه يلتقي به وأحيانًا كثيرة يتوهَّج نوره قبل أيَّة معرفة، إنّه يتأسَّس على الحدس. اللّحظة الأولى للحبِّ تحاول دخول الأعماق انطلاقـًا من نظرة أو تعبير أو إشارة. إنّها الشرارة الأولى التي من الواجب الانتباه إليها، هذا اللقاء الأوّل هو ميزة التحوُّلات.

لعبة الحبّ والمعرفة لعبة معقّدة. المعرفة تغذّي الحبّ وهذا الأخير يرغب في المعرفة ويحاول التعمُّق بها. الطرقات المؤدِّية إلى التحوُّلات متعدِّدة ومختلفة باختلاف الأشخاص وخاصّة عندما يتعلّق الأمر بالحبّ.

البعض يأتيه الحبُّ بشكل شعاع، وآخرون بفعل معرفة تُؤسِّس وتُجذر وتُقنع بالحبّ.

بالنسبة إلى بولس الرّسول كلّ شيء يبدأ بالإيمان "نحن مبرّرون بالإيمان" هذه هي الخطوة الأولى التي يطلبها الله منّا قبل أن ننجز الباقي، والكنيسة مهمَّتها الأولى تأسيس الإيمان وترسيخه في قلوب أبنائها لأنّها تعرف أنَّ هذا الإيمان سيقود إلى الحبّ.

 

صوب الإيمان يقود الحبّ أيضًا

يذهب البعض إلى الإيمان بفعل الحبّ، يوقظ المسيح أبناءه على حبِّ الفقراء فتنفتح الأبواب على الإيمان بعد إدراكنا أنَّ الفقراء هم أحبَّاء الله "كنتُ جائعًا فأطعمتموني، كنتُ عُريانًا فكسوتموني...".

مَن يصنع الشرَّ ويُقاوم الخير يهرب من الضّوء والنّور، يصبح مُظلمًا ويسجن نفسه في العتمة ليؤكّد ويبرّر انطباعاته وأوهامه ويفضّل رغباته المباشرة على رغبته بالله، وهذه الأخيرة تفترض نفسًا طويلا ً لأنَّ رغبة الله هي خيرنا وإسعادنا.

بين المعرفة والحبّ، بين الإيمان والفعل، هناك تبادلٌ دائم، ويوجد مدٌّ وجزر، فالواحد لا يمكنه السَّير من دون الآخر كما أنَّ الأوّل يقود إلى الثاني.

هناك مسارٌ يقودنا إلى الحقيقة من خلال الحبّ. إنّه لـَوَهْمٌ أن نحاول التخلّص من الحقيقة لنصل إلى الحبِّ والعدالة بطـُرُقٍ ماديَّة، والتي أظهرت فشلها الذريع في بناء الإنسان والحضارة (الماركسيّة – الإشتراكيّة – القوميَّة...).

 

مسارٌ لتأسيس عمل الله في الإنسان

الإيمان ليس معرفة نستقيها من الكتب والمعاجم، إنّه معرفة شخصيَّة لله، وكأي علاقة شخصيَّة لا يمكنه أن يتأسَّس إلّا من خلال الشَّركة والحبّ. اللّقاء بالله هو الذي يسمح لنا بالاشتراك معه وهو يتطوَّر تحت شكلين:

- الأمانة للنظام الذي أرساه الله كي بدورنا نحدِّد لنا نظام سيرٍ يسمح لنا بأن نبقى في تناسُق مع الخالق. الإنسان هو مخلوق جاءت به حكمة إنطلاقـًا من نظام متناسق ومتماسك يترك مكانًا للخلق، ولكن لا يقبل الفوضى والاندفاعات المجنونة. الإنسان خُلِقَ ليكتمل في عائلة أو من خلال خدمة عظيمة يرتضيها. الحبُّ يخلق من الداخل كلّ شريعة بشكلٍ حيّ ومرتّب، فالأزواج المتحابون لا لزوم لشريعة تحكم مسارهم وعلاقاتهم من أجل ديمومة الزواج. الحبّ يقدّس وينظّم الخير والشرّ. العلاقة بالله تستدعي الصّلاة والتأمّل وهي كلّها حوارات متبادلة. الله هو نبع العطايا الدفّاق باستمرار شرط أن نتواصل معه ونُصغي إليه ونقدِّم له كلّ ما نملك من طاقة وعمل وروح مؤكّدين له على انتمائنا إليه من خلال السّعي إلى إعلان العدالة والحقيقة والسّلام.

"من يقبل الحقيقة يأتي إلى النّور" هو هو Praxis المسيحيّ. به نستطيع أن نطوِّر صداقتنا وحميميتنا وشراكتنا، به تتحوَّل حياتنا حقيقة وعدالة ومحبَّة وخدمة للآخرين، هكذا تتأسَّس علاقتنا بالله لتصبَّ في الحياة الدنيا والحياة الأبديَّة.

المعرفة والحبّ لا ينفصلان، والكتاب المقدّس يجعل منهما واحدًا، وعلينا استثمارهما معًا، الحبُّ يعطينا العطش إلى المعرفة وهذه الأخيرة تغذّي فينا الحبّ، هكذا تتمُّ عمليّة صعودنا باتّجاه الله.

 

الإيمان عطيَّة

الإيمان هو التزام وهو مرتبط بالحبِّ يسند ضعفه وعلينا معرفة إلى أي حدٍّ هو عطيَّة من الله، هكذا يمكن لنا اكتشاف جدِّيته وحقيقته.

الإيمان هو إلتزامُ الكتاب المُقدَّس يُطلق عليه تسمية العهد (alliance) مع الله، هو زواج حبّ بين الله وشعبه. الإيمان يشبه الإيمان بالزواج وهو يستدعي الأمانة. الإيمان هو فعلٌ شخصيٌّ، هو إلتزامٌ لحريتنا يستدعي مواجهة صامتة. إنّه الفعل الإنسانيّ الأكثر عمقـًا. "بالإيمان ترك إبراهيم عشيرته وموطنه"، ولكنّنا ندرك أيضًا أنّه عطيَّة لنا من الله تعالى.

الله يُعطينا نورًا داخليًّا وفي الوقت ذاته يقدِّم لنا علامات ظاهرة ليؤكّد أنّنا في قلب الحقيقة. الإيمان ليس خرافيًّا، إنّه عقلانيّ ولكن منطقه مختلف عن علم الجبر والحساب، إنّه من نظام آخر أكثر مجّانيّة ولكنّه نظام متسامٍ.

إنَّ كلمة الله تتمتَّع بمصداقيَّة وتماسُك ملفت، وهذه الكلمة كشفها لنا فإذا آمنّا حقيقةً والتزمنا فعلًا على طريق الحقِّ والعدل والسّلام ونلنا الخلاص الموعود، وحده الله من يقود ويُعطي هذا التماسُك.

هل الإيمان قضيَّة مؤكّدة؟

 

الكتب المقدّسة تُجيب بكلِّ تأكيد وبهذا الأخير عاش الأنبياء والرُّسُل والبطاركة إيمانهم. الإيمان تأكيدٌ وهذا الأمر يمكنه أن يُدهشنا في ثقافتنا المعاصرة.

 

في لغتنا المعاصرة الإيمان مبنيٌّ على شيء غير مؤكّد أمَّا بالنسبة إلى الكتاب المقدّس فهو مبنيٌّ على صخرةٍ أي على الله ذاته.

 

الخوري اسكندر الهاشم