التقشّف، لماذا؟

 

 

 

 

التقشّف، لماذا؟

 

التقشّف، لماذا؟

كيف نعيش الصوم؟

 

إنّ التقشّف هو ترويض يسمح بالسيطرة على الجسد، على إنفعالاته، على نزواته. هو بُعد من أبعاد الصراع الرُّوحيّ.  إنّ الكنيسة تقترح أربعين  يومًا من التوبة، يُطلب منّا خلالها العيش، من خلال الصَّوم، تقشّف ما. ماذا تحوي هذه الكلمة القديمة، التي تخيف؟

بالفعل، إنّها كلمة مَبْغوضة، توحي بجهود مفروضة علينا، بالامتناع، بتوبة، بجلد وبأصوام... ولكن لدى معاصرينا الشباب متطلّبات سلوكيّة وسيطرة على الجسد تُحَضِّرُنا جيّدًا لفهم معنى التقشّف. إنّ كلمة تقشّف تعود لأصلٍ إغريقي “askésis”، والذي يعني تدريب اللاعب الرياضيّ. هي جزء من مصطلحات الرياضة، ومنذ العصور الوثنيّة الغابرة، استُعملت في مجال الحكمة.  إنّ التقشّف لا يعني فقط  السيطرة على الجسد، ولكن أيضًا السيطرة على النزوات والإنفعالات.

 

بالنسبة إلى الفيثاغورثيّين، إنّ المتقشّفين (les askétaï) هم الحكماء، هم الكاملون. إنّ المسيحيون الأوائل، والرّهبان الأوائل، إستعادوا هذه  المَسْأَلِيَّة  من التدريب  لترويض الجسد.  إنّ آباء الصَّحراء كانوا يذهبون إلى الخُلوة في مجابهة شياطين الخارج، وبالأخص شياطين الداخل، ويتدرّبون على شكل من أشكال الصِّراع الروحيّ مع قوى الظلمات تلك التي تريد لنا الشرّ.

 

القدّيس بولس هو أيضًا يقارن نفسه بعَدَّاء...(1 كور 9/ 24-27)   بالفعل، إنّه يقارن نفسه بعدّاء يركض نحو المكافأة التي تُطرح عليه. إنّها صورة مثيرة للإهتمام، لأنّها تُظهر لنا كيف أنّ التقشّف ليس نهاية في الذات.

 لا نصوم  من أجل الصّوم، لا نحرم أنفسنا من أجل متعة الحرمان. لأنّنا بذلك نقع في عيبٍ أساسيّ، كانت تُلام المسيحيّة بسببه، ذلك أنّه شكل من أشكال مذهب تعذيب النفس (مازوشية)، أي فرض الألم والحرمان على الذات، كما لو أنّ الربّ يتمتّع ويتلذّذ بالعذابات التي تتأتّى علينا، أو التي نُعاقِبُ بها أنفسنا لإرضائه. إنّ المسيحيِّين في القرن التاسع عشر  وقعوا في هذا العيب، معتقدين أنّهم كلّما تعذّبوا، كلّما سُرّ الربّ، وأنّ آلام المسيح تنتهي بنا، وليست مرحلة تؤدّي وتُفضي إلى القيامة.

 

إنّ التقشّف هو شيء يهدف لاختفاء الذات. إلى ماذا يُفضي؟

 إلى أن لا نعد بحاجة للترويض والتدريب. مؤخّرًا، رأيتُ صورة تُظهر بطلتين في ركض الحواجز، لحظة تخطّيهما الحاجز. كان جسدهما متوتّرًا بالكامل، ونظرهما محدّق في الهدف، شبه فارغ، أمّا حركتهما  فكانت رائعة.

كلّما تمرَّنتا جيّدًا، كصغير الأسد، توصلّتا إلى خفّة الغزالة، طبيعيًا، وبدون إكراه ظاهريًا. إنّ التقشّف، هو هذا التدريب الذي يسمح للوصول إلى عفويّة رائعة للرياضيّ الذي يرمي الحربة أو يقفز بالزانة  بليونة غير طبيعيّة. وزيادة على جهد أو جهود الإنسان تُزاد نعمة الله . نحن جميعًا رياضيِّين! والرَّبُّ يدعونا إلى شكل من أشكال السيطرة على الذات، يحررُنا  من عبوديّة نزواتنا وأهوائنا.

 

ولكن يجب أن نحطاط من التوهم من أنّنا نستطيع الوصول لسيطرة تامّة وكاملة على ذواتنا. لا نستطيع ذلك البتّة. لا بل أُطْلِقَ على هذا الوهم، في الأزمنة الأولى للكنيسة، أنّه هرطقة ويُدعى مذهب الـ encratisme، والذي يعود إلى  الإيمان بأن الإنسان يستطيع التوصل  إلى القداسة والكمال بجهده الشخصيّ.

 فردّت الكنيسة، برفضها هذا الوهم وبتأكيدها أنّنا في هذه المغامرة، لسنا لوحدنا، وبأنّ  الرَّبَّ معنا. إنّ التقشّف هو التوصّل للسيطرة على الذات من خلال حضور الرَّبِّ فينا، ودور الرُّوح القدس. أن يقودنا إلى  التأمل، والانفتاح على كلمة الربّ، على السيِّد الذي يقرع الباب ويطلب الدّخول ليتعشَّى معنا.

 

بعض النصائح لممارسة تقشّف خلال الصَّوم؟

علينا ألّا نأخذ قرارات كبيرة لا نستطيع تحقيقها وتقود نحو الإحباط. يجب القرار على نقطة حيث نتوصّل فيها على سيطرة أكبر على الذات. مثلًا الحوار الذي أقوم به مع رفاقي في العمل، علاقتي مع أصدقائي ...

لماذا يجب علينا الانتباه؟

الإنتباه، عبارة جميلة. إنّها تَرِدُ في الإنجيل: إفتحوا عيونكم وتنبّهوا. إسهروا، يقول الربّ، ولا تناموا، كونوا يقظين. إنّ السيطرة على الذات تتألّف بالظبط من الحفاظ على يقظتنا الذهنيّة والنفسيّة والروحيّة.

إذًا، علينا الانتباه على نقطة في حياتنا...

لكي نذكّر أنفسنا أنّه يجب أن نكون حذرين. إنّ الإنجيل مليء بقصص أشخاص ينامون بدلًا من أن يكونوا يقظين.

أخيرًا، إنّ التقشّف ليس صعبًا...

إنّ التقشّف لا يتطلّب جهود ما فوق طبيعية، ولكن لدينا الكثير لممارسته عدا التقشّف لإرضاء الربّ.

 

ثمار التقشف

جميع الذين يمارسون الصّوم يختبرون يشعرون بحالة نشوة، بإحساس غبطة وسرور، ولكنّه ليس نهاية للذات. المهمّ، هي العلاقة مع الرَّبِّ ومع الآخرين. إنّ التقشّف لا يجعلنا ننغلق على ذواتنا، بل يجعلنا ننفَتِح على الآخرين،  ونصبح أكثر إلمامًا بحاجاتهم، يُصيّرُني أكثر نعومة وأكثر انتباهًا. إنّ التقشّف هو وسيلة في خدمة المحبَّة، في الإنتباه إلى الآخر، في الجهوزيَّة للرَّبِّ وللآخرين.

 

الأب دومينيك سالان اليسوعي