الراحة الدائمة أعطهم يا ربّ!

 

 

 

الراحة الدائمة أعطهم يا ربّ!

 

الدفن، بين العادات الوثنيّة، وقيمة الجسد

 

 

ينقسم النّاس إلى قسمين حول إعطاء الحكم في مأتم. منهم من يطري ويمدح، ومنهم من يتأسّف منتقدًا هاجيًا. وكان الناس ما دعوا إلى الإشتراك في هذا المهرجان - المأتم، وأقول مهرجانًا لأنّ مآتمنا كلّها، إلاّ في ما ندر، هي مهرجانات، إنّهم ما دعوا إلاّ ليصوِّروا بدقّة ما حدث فعينهم رأت، وأذنهم سمعت، وفمهم إشترك ويعودون إلى بيوتهم ويبدأ عندها تظهير الفيلم.

 

منهم من يقول: فلان بيلبقلو... المآتم هم أهلها... محفل لايق، لم تشهد المنطقة نظيره... مرتو وولادو زيّنو... وغيرها من الأحكام.

ومنهم من يقول: حرام... مأتم بسيط... مسكين جاهد كلّ حياتو... كان لازم يعملولوا مأتم أحسن... وغيره...

ولكن ما هي المقاييس التي على أساسها تطلق الأحكام. يبني الفريق الأوّل حكمه بأنّ المحفل كان لائقـًا على أساس حضور المطران أو المطارنة وعلى عدد الكهنة، وعلى نوعيّة البشر الذين شاركوا البيك والنائب ووجهاء المنطقة وشخصيّات البلاد... وبشر مثل النمل، ورصاص يلعلع في الفضاء.

والمآتم قوي لائق، لأنّ الموسيقى (النوبة) كانت تطلق العنان لألحانها المحزنة المثيرة.

والنعوة هي من الطراز الأوّل لأنّ الندب كان في عزّه. فمن تحلّقات الشباب "الرديدي" حول شاعر أو جوقة في الخارج، إلى "رديدي" نسائيّة وراء ندّابة أو أكثر في الداخل.

 

 

وغالبًا ما تكون الألحان، والأشعار من النوع الذي يفجّر المآقي، ويهيّج الأعصاب ويقوّي الأوتار الصوتيّة... وعندها يبدأ العويل، وتوسّع حلقة الرّقص، تزيّنها رقصات الأهل حاملات ثياب الفقيد، ويتبع ذلك الدوران والهذيان من كلام بلا معنى، إلى حركات هستيريّة، من حلش شعر وحمل النعش على الرّاحات والرّقص به.

 

والمأتم بسيط إذا إقتصر على كم كاهن، مع الإكتفاء بما تيسّر: من قوّال محلّي، وندّابة بلديّة، وامرأة تحثّ الأرملة على الكلام حتى يقال زيّنت زوجها وكم تحبّه لا العكس فعلى كثرة البكاء والندب والنحيب يتوقّف مقدار محبّتنا. فإذا ما جحظت أعيننا، وجفّت مآقينا، أو بحَّت حناجرنا كنّا من أحبّاء الفقيد وإلاّ فلا.

 

جلبة، ضوضاء، أنوار، وكأنّ الصّمت أمام رهبة الموت ليس أبلغ وأشدّ وقعًا.

 

ويتساءل المسيحيّ المؤمن أين المسيحيّة في كلّ هذا؟

 

وبما يختلف مأتم المسيحيّ المؤمن عن مأتم الوثنيّ الذي لا رجاء له "أمّا الذين يموتون، فلا ينبغي أن تحزنوا عليهم كسائر الناس الذين لا رجاء لهم" (بولس).

مآتمنا مآتم ذو وجه بشريّ أخفى بقوّته ما يجب أن تكون عليه من الناحية الدينيّة. وهي في غالبيّتها مآتم جاه وجهجونيّة، بدل أن تكون مآتم صلاة وروحانيّة.

 

لماذا مطارنة هذه الطائفة لا يسيرون مع الموكب؟ المطران يزيّنه. وعبثًا تحاول الإقناع في أنّ المطران هو ليرأس الصّلاة لا للفرجة.

"إنّ الذين يموتون لا ينبغي أن تحزنوا عليهم كسائر الناس الذين لا رجاء لهم" (بولس).

"ونحمل في أجسادنا كلّ حين آلام موت المسيح لتظهر في أجسادنا حياة المسيح أيضًا" (2 كور 4/ 10).

"يجب أن تعبّر رتبة الدفن بوضوح أشدّ عن الطابع الفصحيّ للموت المسيحيّ" (المجمع).

 

هذا تعليم الرّسول بولس وتعليم المجمع ولكن تعليمهما في وادٍ وتصرّفاتنا في وادٍ. هو ينبّهنا ويعلّمنا على أنّنا خالدون، غير مائتين. وإنّ الجسد فهو إلى حياة أبديّة. ولكن حتى الآن هو الموت المسيطر علينا، والرّجاء لا محلّ له عندنا.

 

الجسد هو المعبّر الأفصح عن تعاستنا وسعادتنا.

فمن الأجساد من تعتعها المرض، ومنها من أثخنتها جراح الحروب، وشوّهتها حوادث الطرق، وهناك تلك التي ترك الجوع بصماته على وجوهها.

ومن الأجساد من تطفح بُشرًا وسعادة ومنها النابضة بالحيويّة، المكتنزة صحّة وعافية، والسّائرة زهوًا وخيلاء والمتمايلة غنجًا ودلالاً.

 

ولكنّ السؤال يُطرح حول مصير هذه الأجساد التعيسة منها والسّعيدة. فالشّعوب القديمة كانت تعتقد بحياة بعد الموت. فالمصريّون مثلاً، كانوا يحنّطون الجسد وفي إعتقادهم أنّهم، بهذه الطريقة، يمكّنوه من ذلك. فالموت بالنسبة إليهم هو رقاد.

 

والشّعوب الساميّة تتكلّم على الإنسان كشخص مركّب من نفس وجسد وكلاهما يعبّر أصحّ التعبير عن الإنسان وكلاهما ينميان ويتعزّيان ويتبادلان الخدمات ويموتان. ولقد أتتهما الحياة من نسمة الحياة التي نفخها فيهما الربّ.

 

أمّا المسيحيّة فهي ديانة الكائن البشريّ بأكمله. إنّها ترفض التجزئة المحطّمة التي تميّز النّفس عن الجسد، "خافوا خاصّة ممّن يمكنه أن يهلك النّفس والجسد في جهنّم". (متى 10/ 28).

فمحبّة الله لنا، بلغت منّا كلّ كياننا البشريّ. وكياننا كلّه يجب أن يشترك سريًّا بالسّعادة الإلهيّة. من هنا المعاني التي تحملها الأسرار التي تتوّجه في آن إلى جسد الإنسان وقلبه.

 

والمسيحيّون يقولون إيمانهم في نهاية "القانون النيقاوي" ونترجّى قيامة الموتى. ولكن على ما يظهر، أنّهم لا يحمّلون كلّهم ذات المعاني لذات الكلمات. فبالعض منهم، وقد تعذّبوا كثيرًا في أجسادهم، لا يمكنهم أن يتصوّروا أنّ هذا الجسد الذي شوّهته الأيّام والمصائب سيكون عينه يوم القيامة، بالعكس هم يأملون التخلّص منه. والبعض الآخر يثور، ولا يمكنه أن يتصوّر الجسد ذاهبًا إلى فناء. بل هو يشترك بشكل أو بآخر في الحياة التي بعد الموت.

 

لقد إعتقد بعض القرنثيين، أنّ ما يصدر عن الجسد لا يلزم الشخص البشريّ، لأنّ الجسد إنّما هو مادّة بيولوجيّة دنيا. لهذا، فالجسد لا قيمة له، والنّفس وحدها تخلص.

 

أمّا القدّيس بولس، فقد رفض هذا التناقض فهو عندما يتكلّم على الجسد، إنّما يقصد الكائن البشريّ المؤلّف من عظام ولحم، ويقصد أيضًا كلّ الشّخص البشريّ الحيّ. بالنسبة إليه النّفس تلتزم الجسد، والجسد يلتزمها، لأنّهما يؤلّفان معًا شخصًا هو بكامله في خدمة الربّ. فالجسد هو في أساس الوجود البشريّ كما أراده الله. والجسد معدّ للقيامة "يزرعون بالفساد فيقومون بالقوّة، يزرع جسد حيوانيّ فيقوم جسد روحانيّ" (1 كور 15/ 42).

 

فالإنسان المسيحيّ مسؤول عن جسده. فبالرّغم من كلّ المعارك وبالرّغم من الخطيئة، له القوّة، أن يصيّره شيئًا فشيئًا أكثر إنسانيّة، وله ستكون الغلبة. لهذا يذهب الجسد إلى الملكوت السّماويّ حيث يلبس هذا الفاسد عدم الفساد وهذا المائت عدم الموت (1 كور 51/ 54). ولا غرابة في الأمر، فالجسد هو عضو في جسد المسيح، وهو هيكل الرّوح القدس، لهذا يجب أن يتمجّد الله في جسده (1 كور 6/ 14 - 20). وعليه هل يعلو شرف في الكون على شرف الجسد وقيمته؟ ومن هنا علّم المجمع في "الكنيسة في عالم اليوم" قائلاً: لا يسمح للإنسان بأن يحتقر الحياة الجسديّة. بل بالعكس عليه أن يقدّر ويحترم جسده الذي خلقه الله والمدعو إلى القيامة في اليوم الأخير.

 

تقدّم بعضهم بواجب التعزية من أرملة أحد الممثلين الشهيرين  وقالوا لها: إذا كانت أجساد موتانا تعود إلى الأرض، فإنّ أنفسهم إنّما هي خالدة في الحياة الأبديّة. فأجابت في مؤلّف لها حول زوجها: أحببتك جدًّا بمعنى أنّه لا يمكنني أن أقبل بسهولة أنّ جسدك يفنى وأنّ روحك تكفي وإنّها خالدة. وكيف نتمكّن أن نفصلهما فنقول: هذه روحك هذا جسدك؟ بسمتك ونظرتك، مَشيَتُك ونبرة صوتك هل كانت مادّة أم روح؟ الإثنين معًا دون إنفصام".

 

القضيّة بالنسبة إلينا قضيّة إيمان أو بالأحرى قلّة إيمان أو ضعف إيمان، رغم النظرة التي تنظرها المسيحيّة إلى الجسد، ورغم النظرة إلى قيمة الجسد "عضو جسد المسيح السرّي، وهيكل الرّوح القدس".

 

والمشكلة تكمن في جهل المسيحيّين لهذه الحقيقة، جهلوا لأنّهم لم يبشّروا "وكيف يؤمنون إن لم يبشّروا؟" والجهل متأتٍّ عن عاطفة تعمي إذ تغطّي الحقيقة، فينظر المسيحيّ إلى الموت نظرة الوثنيّ الذي يرى فيه فناء حياة، لا بداية الحياة.

فلعلّ يكون لنا في الأمر أمثولة فنبشّر "بقيامة الموتى"، ونؤمن حقيقةً بها، بقيمة الجسد، فتتغيّر مآتمنا وتتطوّر وتعود إلى أصالتها، إلى حقيقتها.

 

 

                                                              المطران فرنسيس البيسري