الزّهد في العالم

 

 

 

الزّهد في العالم

 

 

 

الزّهد في العالم

 

الموت بواسطة العمل

 

 

هذا هو بالفعل منطق العمل الحيّ، وهو أنّنا لا نتمكَّن من تملُّك ذواتنا ونكبر، إلاّ إذا دبَّ فينا الموت شيئًا فشيئًا.

أن نتصرّف بجدارة وبنفع،هو أن نتّحد. ولكن أن نتّحد، هو أن نتحوّل إلى ما هو أكبر منّا. وأن نعمل إذن، هو أخيرًا أن نخرج من المادّي، من المباشر، من الأَثَرَة، لنسير نحو الحقيقة الكونيّة التي أخذت تولد. هذا الكلام المنمّق والمعقّد، نوعًا ما، لا يُعبّر إلاّ عن تجربتنا السّطحيّة والعامّة لوجودنا: مشقّة الجهد.

 

لا شيء أضنى من الجهد، ومن الجهد الرّوحيّ. إسألوا أساطين (عظماء) النّساك: ما هي أولى الإماتات الأضمن والأسمى، يقولون جميعًا، بصورة متشابهة، إنّما هي عمليّة النموّ الداخلي التي بها ننسلخ عن ذواتنا، ونتخطّى أنفسنا، ونتخلّى عنها. كل وجود فرديّ، مسوق بإخلاص، مملوء بالقشور التي تطرحها تحوّلاتنا المتتابعة، والكون بكامله يخلّف وراءه سلسةً طويلة من الحالات التي قد يكون بودّه أن يستمتع بها، ولكن ضرورة النماء التي لا ترحم انتزعته منها تدريجيًّا. هذا الإرتقاء في التجرّد المستمرّ، إنّما هو طريق الصّليب.

 

 

إنّ الإنسان، الذي يتبع بإخلاص المرتقى الصّاعد أبدًا للكون، يقلّ اهتمامه شيئًا فشيئًا بنجاحه الفرديّ (كفرد)، وذلك تحت ضغط المنخسة (الشوكة) التي تدفع به، باستمرار، إلى أن يتجرّد عن ذاته ليصل إلى حدّه الخاصّ، أعني إلى حدّ العالم. ولكنّه، بعد أن تاق إلى كمال نفسه لنفسه، بدأ يؤخذ بحقائق أسمى، وأرحب، وأكثر ديمومة، وأكثر قربًا من المطلق، من حقيقته الشخصيّة. مثلٌ أرضيٌّ أعلى تنجذب إليه قضيّة، علينا أن نذود عنها، وجمال قوميّ، إنساني أو كوني، نتأمّله ونسعى إلى امتلاكه: تلك هي الأشياء المشرقة التي تنكشف وراءها تدريجيًّا الألوهة، وتغدو محسوسة. إنّ الإنسان الذي يتصرّف بورع ينتهي إلى مرحلة يكاد لا يفكّر فيها بنفسه، وذلك بفضل تركيب العالم (أعني بفضل الإستقطاب الكوني نحو المسيح). فإذا به لا يشعر إلاّ وإنّه لون من الذرة الواعية التي نذرت لمهمّة عظمى. وكيما يكون على مستوى هذه المهمّة، فإنّه يشعر بالحاجة إلى أن يلجأ إلى طاقات تتزايد في السموّ. فهو، بعد أن كان، ربّما متحسّسًا بالأجسام، ومهتمًّا خصوصًا بالنماءات المحسوسة التي توفّرها للعالم الوسائل الماديّة، فإنّه الآن ينزع، بانفلاتٍ حتمي، إلى ألا يأبه إلاّ بالتقدّم الرّوحي، كما يجنح إلى وقف عناياته وثقته على القوى الرّوحيّة (كالصلاة التي توثق صلاته بالله)، والطهارة التي تعمل على تلاحم ألياف الرّوح، والمحبّة التي تجمع، عضويًّا، الوحدات الإنسانيّة... وفي الوقت عينه تتبدّل، في داخله، بشكل لا شعوري، الحاجة إلى أن يعمل ويثبت في المعاناة وعطاء الذات.

 

 

الموت بواسطة الرّغبة

 

هذه هي مشيئة الإتّحاد المبدع، إذ ما يكاد عنصر المسيح (الذي هو كلّ واحد منّا) يعي ذاته في أعماق طبيعتنا حتّى تَتَّقِد فيه، مباشرة، الرغبة الملحاح في أن يتّصل بالمبدأ الذي يسيطر عليه. وهذا ما يوضح لنا، عندما نعمل كثيرًا وبإخلاص، في سبيل اكتمال نموّنا، لماذا نفتّش حولنا بقلقٍ عن يدٍ كُليّةِ القدرة يمكننا أن نعبدها.

ممّا لا شكّ فيه أنّ السّعادة، التي يشعر بها المسيحي في نموّه من أجل المسيح، لا تحد (وتزيد هذه السّعادة إذ أنّ المسيح نفسه، وفي أعماق أعماقنا، هو الذي يرغب في أن يستيقظ ويكبر في جسدنا وفي روحنا: وإنّها لسلبيّة حرارة الكيان وتذوّقه). على أنّ هذا النماء، أخيرًا، لا يكون له معنى ولا أهميّة إلاّ بمقدار ما يسمح لنا أن نهب مجالاً أوسع للتمّاس الإلهي. وهذا التمّاس هو الذي ينبغي علينا الآن أن نجده.

أين نقع عليه؟ أهو، ولا شكّ، سريٌّ، نادرٌ، شحيحٌ، وبعيد؟ أو ينبغي علينا، بلا شكّ، كيما نحصل عليه، أن ندرك بعض المناطق السّامية أو السّحيقة الأغوار؟ آه كم أنّ الحقيقة هي، إذن، أبسط وأجمل من تخيّلاتنا. "لنا فيه الحياة والحركة والكيان". إنّ المسيح يفعل بالمؤمن الذي يعرف كيف يعمل ويعتقد، فيمارس عليه ضغطه الحيّ بكلّ مساحة العالم وكثافته. المسيح هو الذي يحتوينا ويعجننا في كلّ لحظة بكلّ الإنفعاليّات، وبكلّ حدود وجودنا.

 

لننتبه ولنميّز بدقّة وَجْهَيْ توطيد إرادة الله فيما حولنا، أعني روحنة الأسباب الثانويّة بفيض المسيح الكوني. إنّ عبوديّات العالم ليست، في حدّ ذاتها، وبشكل مباشر، إلهيّة، وأعني بهذه العبوديّات تلك التي تزعجنا، وتنقصنا، وتقتلنا، كما أنّها ليست مقصودة من الله. إنّها إنّما تمثّل القسم غير الناجز والفوضوي الذي يفسد خَلْقًا لم يتمّ بعد توحّده. وعلى ذلك، فإنّها لا ترضي الله، والله يبدأ يحارب إلى جانبنا (وفينا) ضدّ هذه النواقص. ولا بدّ من أن ينتصر عليها يومًا ما. ولكن، بما أنّ مُدَّة وجودنا الفرديّ غير متناسبة والتطوّر البطيء للمسيح الشامل، لذلك كان من البدهي ألاَّ نعلم، وخلال أيّامنا الأرضيّة، متى يكون النصر النهائي.

 

في كلّ لحظة، وخلال نموّنا، يعارض جهدنا، ويحزنه. وسنبلغ جميعًا، عاجلاً أم آجلاً، إلى الإنحلال والموت. ولكنّ المسيح لا يمكن أن يُقهر، وإلاّ فكيف تعود تنتصر قدرته اللامتناهية، التي هي له بحكم عمله الكوني، من أجل خلاص وغبطة جميع عناصر جسده الطيّعة والنامية تدريجيًّا؟ يتمّ ذلك بعمليّة تحويل رائعة. إنّ الحدود والنواقص التي لا تسمح سير الكون العام بإزالتها، فإنّ الكلمة المتجسّد يسيطر عليها (شأنه في ذلك شأن النحّات الماهر الذي يزيل شوائب الرخام) بإدخالها (دون تبديلها) في روحنة أسمى لكياننا.

 

ولهذا ترانا، بعد أن ناضلنا إلى أقصى ما نستطيع كي نكمل ذواتنا وندرك الظفر، نجد أنفسنا، وقد أوقفتنا وهزمتنا قوى هذا العالم، منتصرين بإيماننا إذ لم تعد، بالنسبة إلينا، هذه القوّة، التي ارتطمنا بها بألم، طاقة عمياء أو شريرة. وهكذا تضمحل المادّة العدوّ، فنجد عوضًا عنها سيّد العالم الإلهي الذي يعمل "تحت ستار أشكال الأحداث وظواهرها"، أيًّا  كان لونها، على تكييفنا وغسل صدورنا من الأنانيّة، ثمّ ينفذ إلى داخلنا "يجب أن ينمو هو ونحن أن ننقص". تلك هي أروع مزيّة للمسيح الكوني: قدرته على أن يعمل فينا لا باندفاعات الحياة الطبيعيّة وحسب، ولكن من طريق الفوضى المُخزية، فوضى الإنهزام والموت.

 

أعيدُ هنا ما قلتُه سابقًا من أنّ هذا التحوّل الرّائع لا يحصل فجأة، وبدون مساندتنا. ليس لنا الحقّ في أن نذعن للشرّ إلاّ بعد أن نقاومه حتّى آخر قطرة من قوانا. وعلى ذلك يجب أن نقاسي كثيرًا من الآلام لنتوصّل إلى الخضوع لإرادة الله. ليس الله موجودًا حيث كان في مضامين الأشياء أو إنفعاليّات الحياة، بل هو كائن وحسب في نقطة التوازن بين قوانا المجاهدة في سبيل النماء والمقاومة الخارجيّة التي نحاول أن نسيطر عليها. وحتّى في منطقة التوازن هذه لا يولد الله إلاّ بالنسبة إلى مقدار اعتقادنا في عمله: "كلّ شيء يتحوّل إلى خير بالنسبة إلى الذين يحبّون".

 

عندما نفترض هذا الشرط المزدوج (جهدنا الشّريف وثقتنا) فإنّ الناحية المغرقة في السّواد،  والمحتقرة من العالم، تغدو أكثر إشعاعًا وأكثر ألوهيّة. وحينئذٍ تنكشف لنا، من خلال عبوديّات العالم اللامتناهية وخيبات الأمل، قدرة المسيح الخلاّقة التي تعجننا وتقوم مقامنا.

 

قد يستخدم المسيح أحيانًا مصائبنا وسوء حظّنا كي يوجّهنا إلى طرق سُمْيا تعمل على تحسّسنا تجريبيًّا: فكم من القدّيسين لم يصبحوا قدّيسين إلاّ لأنّهم قُهروا في قطاع أرضي؟ على أنّ نواقصنا وعدم بلوغنا أهدافنا لا تبدوا في الغالب وقد قوبلت بأيّ تقدّم، وحتّى روحي. وفي هذه الحال، فلا ينبغي لنا أبدًا أن نشكّ في الله. لا يمكن للعالم أن يصل إلى الله، في المسيح يسوع، إلاّ بعد عمليّة صهر كاملة، يبدو وكأنّه غرق فيها بكليّته دون مكافأة واقعيّة (أرضيّة).

 

وعندما يتغلغل فينا موت سريع أو بطيء فلنفتح قلوبنا لآمال الإتّحاد: ونحن إذا أردنا ذلك، فستكون القدرة المحرّكة للعالم في أسمى تملّكها لذواتنا.

 

 

                                                   

                                                      

      تيار دي شاردان

    تين تسين، 25 آذار 1924