الصوم من الانعزالية إلى العزلة، ومن الحاجة إلى الرغبة

 

الصوم من الانعزالية إلى العزلة، ومن الحاجة إلى الرغبة

 

الصوم من الانعزالية إلى العزلة، ومن الحاجة إلى الرغبة

 

  في كلّ سنة نتحدّث عن الصّوم. وسبق لنا أن تحدّثنا عن ممارسات الصّوم ومعناها بالنسبة إلى علاقتنا مع الآخرين ومع الله. واليوم سنتابع إلى حدٍ ما هذه الناحية الأخيرة، إنّما من ناحية علاقة الصّوم بالصّحراء وبالعزلة. لماذا ارتبطت فكرة الصّوم بالصّحراء؟ «ثمّ سار الرّوح بيسوع إلى البريّة ليجرّبه إبليس». يقول لنا الإنجيل. ماذا يقول لنا الكتاب المقدّس عن البريّة أو الصّحراء؟

بالمعنى الجغرافيّ للكملة، الصّحراء أو البريّة هي أرض لم يُباركها الله. تندر فيها المياه والنباتات، كما هي الحال في جنّة الفردوس قبل هطول الأمطار (تك 2). وتستحيل فيها الحياة (أش 6). إذا حوّلت قطعة أرض إلى بريّة، رجعت إلى حالة الخراب والأصليّ (إر 2). وهذا هو القصاص التي كانت تستحقـُّه خطايا شعب العهد القديم.

 والفكرة السائدة في العهد القديم هي أنّ الله أراد لشعبه أن يجتاز هذه الأرض «البغيضة» للدخول به إلى الأرض التي تدر لبنًا وعسلاً. ولكن إذا كانت البريّة تحتفظ دائمًا بطابعها كمكان مهجور، فهي قبل كلّ شيء تذكر المرء بحقبة من التاريخ تشهد لولادة شعب الله. فرمزيّة البريّة في الكتاب المقدّس لا يمكنها أن تختلط بحركة تصوفيّة للعزلة أو الهروب من الحضارة.

 

 كما أنّها لا تسعى للرّجوع إلى الصّحراء المثاليّة، إنّما العبور من زمن الصّحراء حيث خروج شعب العهد القديم هو رمزها. الصّحراء ليست سوى وسيلة للاهتداء في ضوء المسيح الآتي. ويسوع أراد أن يعيش مختلف مراحل شعب العهد القديم. ولكن على خلاف آباءه، تغلّب على التجربة وبقي أميناً لأبيه، مفضِّلاً الكلمة على كلّ أمل في السّلطة الأرضيّة.

 

 

الصّوم: من الانعزاليّة إلى العزلة.

  الإنسان المعاصر لديه صعوبة كبيرة في أن يكون لوحده. تباينيًا، يختبر صعوبة في الدّخول في علاقة حقيقيّة مع القريبين منه، بقدر صعوبته في أن يتحمّل العزلة. لديه صعوبة في التواصل مع الآخرين، بقدر صعوبته في الدّخول في ذاته. إنّه يتأرجح باستمرار بين الاندماج والذوبان بالجموع وانسحاب العزلة التي من خلالها يؤكّد ذاته مقابل الجموع.

 كلّ شيء يتمّ كما لو أنّ إنسان اليوم مصاب بعجز مزدوج: عيش العيش مع الآخرين، وعجز الوحدة. هذا الأمر يجعله يرغب بقوّة أن يكون في مكان آخر غير المكان الذي يوجد فيه (التلفزيون في المنزل). إنسان اليوم لديه إذن صعوبة كبيرة أن يجد طريق العزلة، الطريق الذي يقوده إلى ذاته، إلى العالم وإلى الله. فما هي إذن العزلة؟ وما هو دورها في الحياة بشكل عامّ والحياة المسيحيّة بشكلٍ خاصّ؟

إذا كنّا نُعرّف العزلة بالعلاقة مع الآخر القريب منّي ومع الآخر الموجود في داخلي، فالعزلة تتعارض مع الإنعزاليّة التي تنفي هذه العلاقة. وللخروج من الإنعزاليّة كثيرون يلجؤون إلى العلاج التحليليّ النفسيّ.

 

 

  الإنعزاليّة والعزلة.

الانعزالية تختلف عن العزلة بنكرانها للانفتاح على الآخر، هذا الانفتاح الذي يُعاش دائمًا من قبلها كضعف أو اضطراب. بشكل أكثر جذريّة أيضًا، الإنعزاليّة هي نفي للرّغبة الموجودة فينا، الرّغبة في الآخر. فالإنعزاليّة والخرس سيّان، لأنّ العلاقة مع الآخر تجد تعبيرها في الكلمة، ونفي الكلام يقود إلى نفي العلاقة. فعلاقة الانعزاليّة بالعزلة كعلاقة البكم بالصّمت.

 

  فأن أصمت هذا يتضمّن أنّ لديَّ شيء أقوله؛ أن أكون وحيدًا هذا يفترض أيضًا إمكانيّة ألا أكون وحدي، أن أكون منفتحًا على العالم. حضور المحبوب يُعاش، في العزلة، على أنّه غياب. في الإنعزاليّة، البعد يُعاش على أنّه قطع يهدّد العلاقة.  فلكي يثبت لذاته أنّه موجود، الإنسان الإنعزاليّ يحتاج للحضور المادّي والملموس للآخر، وفي الوقت نفسه هذا الحضور لا يُحتمل. فاختفاء أو تحوّل الآخر يجعل الإنعزاليّ يعيش في الألم. هذا الألم يظهر عندما تختفي كلّ مرجعيّة.

 

فالذي لا يخاف من العزلة هو من تعلّم من خلال علاقاته مع الآخرين بأن الحضور لا يعني مطلقـًا الإندماجيّة مع الآخر (الطفل) وأنّ الغياب ليس اغتراب قاتل. في حالاتها القصوى، الإنعزاليّة تصبح مرضيّة وخطيرة.

 في الكثير من الأحيان نحتاج لنملي أوقاتنا لكي نشعر بأنّنا موجودون. فالرّاحة هي أمر لا يُطاق ولا يُحتمل. فلا يمكننا أن نكون أو نبقى لوحدنا. وغالبًا نستعمل العبارة البريئة ظاهريًا: «ما بقدر أقعد بلا شغل». وبمجرّد أن يتوقّف العمل يظهر الشّعور بالقلق، الشّعور بعدم الوجود. (ضرورة وجود ضجيج حولي: موسيقى، تلفزيون. الموبايل. العائلة التي رفضت التلفزيون في بيتها).

  العزلة على عكس ذلك تمامًا. إنّها تكشف الإنسان لذاته. والإنسان الذي يعيش العزلة لا يضيع في العالم كما أنّه ليس بمعزول عن ذاته. وانفتاحه على العالم يشكّل جوهر شخصيّته، لذلك عندما يعود إلى ذاته يكتشف واقع العالم. بالنسبة إليه أن يعيش، هذا لا يعني رفض مواجهة الحياة والموت، إنّما وبكلّ بساطة بالنسبة له أن يحيا يعني أن يتعلّم أن يحيا لكي يتعلّم أن يموت.

 

 

عزلة وحب

   ماذا يعني بالنسبة إلينا العبور من الإنعزاليّة إلى العزلة؟

 

العزلة لا تُفهم إلّا من خلال العلاقة مع الآخر. فإذا كانت هذه العلاقة مع الآخر تأخذ معنى الحبّ، فالعزلة تأخذ معنى إنكار الذات، أو التخلّي. هذا العبور من الإنعزاليّة إلى العزلة يتطلّب تدريبًا طويلاً لأنّه يسمح بالحبّ.

  الشّعور بالإنعزاليّة يولد من عدم تلبية الحاجة. فالطفل يشعر بأنّه ضائع بمجرّد أن تبتعد أمّه لأنّه بحاجة إليها. أمّا العزلة، فعلى العكس، مصدرها الرّغبة، أو بتعبير آخر، مصدرها الحبّ (شرح الرّغبة). فالاعتراف بالذات وبالآخر من خلال الرّغبة ــــ مع كلّ ما يتطلّب ذلك ــــ له علاقة وطيدة مع الحريّة الداخليّة.

 فبينما لا يمكن للحاجة إلاَّ أن تُلبّى وإلاَّ الهلاك، لا يمكن للرّغبة أن تُلبّى بشكلٍ كامل ولمرّة واحدة لكونها تتغذّى مِن مَن هو غريب عنها (شرح). لا بل أكثر من ذلك، من المُمكن أن نتخلّى عن الرّغبة دون أن نموت أو نقتل. فمن خلال العلاقة الجنسيّة، تقود الرّغبة إلى اكتشاف الجسد الشّخصيّ، أي إلى اكتشاف الكيان، الوجود الشّخصيّ، الذي يأخذ على عاتقه كلّ شيء من خلال نسبيّة استقلاليّته وفي جذريّة عدم اكتماله.

 بنوع من انقلاب آلية الحاجة، ظهور الاختلاف يصبح علامة ومحرّك علاقة الحبّ. الغموض، أو تمزّق الانفصال، يصوننا في عالم طفوليّ، حيث لا شيء يوجد إلاَّ بشكلٍ ملموس حسِّي، ومن خلال احتكاكنا به نشعر بوجودنا.

 بالنسبة إلى الرّضيع، الشّخص هو فقط احتكاك، وكلّ إنسان يختفي إذا غاب. لم يصل الطفل بعد إلى أن يعيش الغياب على أنّه حضور شخصيّ داخليّ. أعتقد بأنّ هذا العبور من خلال الغياب هو علامة الحياة بالرّوح «خير لكم أن أمضي». والتخلّي مرتبط بالرّغبة.

 

 

عزلة وتخلّي.

التخلي مرتبط بالرّغبة، كما أن العزلة ترتبط بالعلاقة مع الآخر. الرّغبة ترتبط مع من ليس نحن، أي بالآخر المختلف. وحركة الرّغبة تكثر العالم الخيالي، حيث يكفي بأن أحلم بالآخر كآخر لكي أملكه وأنتعش منه. فالرّغبة تجعلنا نعترف بالآخر كآخر وبالتالي لا يمكننا أن نمتلكه كلّية، ولهذا السبب توّلد فينا شيئاً من القلق.

عندما لا نجد إرضاءنا في داخلنا، ننشد باتجاه الآخر الذي يرسلنا إلى ذاتنا. وعندما نصل إلى الحركة الصافيّة للرّغبة في الآخر الذي يفلت بجذريّة غيريته من التحجيم الخياليّ، ندخل في لعبة التخليّ الحقيقيّ الذي هو تجاوز للحاجة بأن نكون مُستهلكين من قبل الآخر أو أن نستهلكه لكي نعترف به حامل للرّغبة موضوعها نحن. فالرّغبة تشهد لحريّة الآخرين، ولهذا السَّبب هي من مجال الحبّ.

فالرّغبة هي إذن بوتقة الحبّ. إنّها الامتحان الذي يمر به بدرجات مختلفة، الإنسان المتزوج، الصديق والمتصوّف. الرّغبة ليست انغلاق عقيم إنّما تحقيق لتجدّد دائم للرّغبة عينها: الرّغبة في الآخر، الرّغبة في الانفتاح على الآخر الذي بداخلنا ولا نراه والذي هو أكثر حميميّة لنا من ذاتنا. فالرّغبة في الأمانة للرّغبة الوحيدة التي لا يمكن تحقيقها إلاّ من خلال الرّجاء. هذا الرّجاء هو قوّتها وهو الذي يقودنا شيئاً فشيئاً إلى قلب العالم الغير مرئي: اللــــــــــــــــــــــــــــــــــه.

 

 

 

الصّوم من الحاجة إلى الرّغبة.

لكي نفهم هذه المسيرة علينا أن ننظر عن كثب ما يحدث في الصّلاة. أوّلاً، الصّلاة تذكّرنا، بوقت نقف فيه «لنضع أنفسنا بحضور الله». وعندما نسأل المصلّين، لماذا تصلّوا، يجيبون غالباً بأنّهم بحاجة إليها، والذي لا يصلّي يجيب بأنّه ليس بحاجة إليها.

 

 

بُعد الحاجة.

ماذا تعني هذه المرجعية الثابتة للحاجة؟ وما هي الحاجة؟ التحدث عن الحاجة يتضمن بالضرورة وجود أو بحث عن شيء هدفه الإرضاء الناتج عن وقف التوتر نتيجة استهلاك الشيء. وبالتالي الصّلاة في هذا المفهوم تلد عندما ينقصنا شيء أساسيّ. فالعطش أمر ملِـحّ وفي حال عدم تلبيته تكون النتيجة هي الموت. وعندما يتمّ إرضاء الحاجة، تقف وتنتهي، كذلك موضوعها. فالحاجة تولد مجدّداً وبشكلٍ دوريّ وبدون حدود.

 

 

الحاجة إلى الصّلاة.

ماذا نقول في الحقيقة عندما نقول بأنّ الصّلاة هي حاجة؟ هذا يعني أنّ الله هو موضوع هذه الحاجة وعندما يتمّ استهلاكه ينتهي توتر المصلّي. علينا أن نصلّي إلى الله لكي نعيش كبشر كما علينا أن نأكل لنعيش.

وعندما يقول لنا الإنجيل «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، هذا يعني أنّه لا يكفي الإنسان أن يعيش لكي يعش كإنسان. فالخبز كموضوع ضروريّ للحياة لا يعبّر عن كلّ حاجات الإنسان. ولكن إذا كان الأمر صحيحًا فهذا يعني «بأنّ الإنسان لا يحتاج فقط إلى الخبز لكي يحيا بل هو محتاج إلى الله». ممّا يعني أنّنا نخلط بين الحياة والحاجات الضروريّة لها مع الإنسان الذي يحيا لكنّه يتجاوز الحياة بحدِّ ذاتها.

هذا الخطأ يولّد لدينا الشّعور بالذنب إذا ما أخفقنا بالصّلاة. ولكي نرضي أنفسنا بذلك نعطي صفة الضرورة للصّلاة وبالتالي نستغرب عندما يأتي اليوم الذي فيه نقول «غريب ما الذي يحدث معي الآن. فأنا أصلّي ولا أشعر بشيء، كنت عندما أصلّي أسمع صوت الله أمّا الآن فلا شيء، لا أجد طعم للصّلاة».

 كالملح تماماً عندما يصبح بلا طعم. وبنفس المعنى نتوجّه إلى الكنائس لكي نصلّي معتقدين أنّ هناك وهناك فقط نجد الله الذي باستطاعتنا أن نصلّي إليه. ولكن المسيح يقول لنا كما قال للسّامريّة: «صدقيني أيتها المرأة تأتي ساعة فيها تعبدون الآب لا في هذا الجبل ولا في أورشليم».

ولكن مهما تكن طريقة صلاتنا هذه تأتي ساعة نعي فيها بأنّ الله الذي نبحث عنه موجود في كلّ مكان «آخر» آخر غير المكان الذي نبحث فيه عنه. هذا المكان «الآخر» يردّنا في النهاية إلى ذواتنا. خصوصًا عندما نعلم بأن الوهم يختلط بالصّلاة في أغلب الأحيان.

 

 

وهم الحاجة أو ظهور النقص.

نتخيّل بأنّنا مُحتاجين للصّلاة لكي نعيش، ونكتشف أنّ بإمكاننا أن نعيش بدون صلاة! وهذا الإله الذي لا يمكننا الوصول إليه لا يرضينا مطلقـًا. فباحتياجنا للحاجة نُرضي أنفسنا نحن الذين اعتدنا على القول القائل بأنّ الإنسان مُحتاج لله. نحن في الواقع ندّعي بأنّنا محتاجين إلى الله، بينما لا نجد في الصّلاة إلاَّ شيء من الحماس الفارغ والذي يمكن أن نصفه بالحلم. وهكذا نُروي عطشنا من خلال الحلم (الطفل يشبع نفسه هواميًا).

ولكن عندما نكتشف ذلك بالحقيقة نصل إلى التخلّي، والتخلّي هو محور عودة الحاجة إلى ذاتها. هذه العودة، هذا التخلّي هو علامة ظهور الرّغبة، وهذا الاهتداء من الحاجة إلى الرّغبة هو ما يميز الإنسان. بالطبع لا يمكننا إلاَّ أن نرضي حاجاتنا ولكن لا يمكننا أن نعيش كإنسان إلاَّ من خلال تجاوز الحاجة أو بالأخرى من خلال تضاعف الحاجة والذي يؤدّي إلى نفيها، إلى الرّغبة «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان...».

مثل الابن الضّال يوضح لنا بشكل جيّد هذه الناحية. الجوع (الحاجة) يفتح أمام الابن طريق العودة إلى الآب. الابن لا يحتاج إلى أبيه بل إلى الطعام فقط. ليس بإمكانه أن يتخلّى عن الطعام. ولكن على العكس، فهو لا يحتاج إلى الآب وهذا ما يسمح له بأن يتخلّى عن كونه ابن «لست مستحقـًا أن أُدعى لك ابنـًا» يقول لأبيه.

في الواقع، لكي يحيا لا يحتاج لأن يكون ابنـًا لأب ما ولا أن يكون رجلاً من أجل رجل آخر، لذلك لا يمكنه إلاَّ أن يرغب به. كان يعتقد أنّه يثبت لنفسه بأنّه رجل إذا عبّر لأبيه بأنّه غير محتاج له، وباكتشافه بأنّه، في الواقع، يستطيع أن يتخلّى عن أبيه وليس عن الطعام، يكتشف إمكانيّة العيش كإبن، في اللّحظة التي يتمّ فيها التخلّي.

 

 فالتخلّي علامة الرّغبة التي لا تبحث عن إرضاء ذاتها من خلال الآخر. لكنّها تبحث عن محبّة واحترام الآخر كمختلف تمامًا. كذلك الأمر بالنسبة للآب. فمن خلال تخلّيه عن إرضاء ذاته من خلال طاعة الإبن قبل أن يموت «لأنّ ابني هذا كان ميتـًا فعاش وكان ضالاَّ فوجد». فالله، لا يحتاج للبشر ونحن لسنا بحاجة إلى الله. ولكن لماذا نستمرّ إذن في الصّلاة؟ لكي نُدرك أكثر فأكثر أنّه بإمكاننا أن نرغب في الآخر لنفسه، أن نحبّه بمقدار ما نحن لسنا بحاجة إليه.

فما هو إنسانيّ ليس الرّغبة لوحدها ولا الحاجة إنّما العبور من خلال حبّ الآخر وحبّ القريب، وهنا فقط!

 

والصّوم في كلّ ذلك؟ عمليّة الصّوم المحضة تكمن في الامتناع عن بعض أصناف الطعام وحتى في بعض الأحيان عن العلاقة الجنسيّة. الهدف من ذلك هو الادراك والوعي بأنّنا نستمدّ كلّ شيء حتى ذاتنا من الله مصدر كلّ شيء. من خلال ممارسة الصّوم يمارس المؤمن أيضًا التواضع إذ يعترف بنفسه كمخلوق ويعترف بمحدوديته. إنّما ما هو جوهريّ في الصّوم، على ما أعتقد، هو أن يعي الإنسان نقصه بكلّ أبعاده وفي العمق. يعي بأنّ هذا النقص لا يمكن إرضاءه وبالتالي يجعلنا الصّوم نقوم بهذه المسيرة التي تكلّمنا عنها مطوّلاً، أي الانتقال من علاقة الحاجة إلى علاقة الرّغبة حيث أحبّ وأرغب في الله والآخر كمختلف عنّي. من خلال اكتشافي لنقصي واعترافي به (النقص الذي يميّز الإنسان هو استحالة تلبية الرغبة بالكامل، ممّا يجعلها في حالة من النقص)، أرغب في وجود الآخر وأكتشف بداخليّ رغبة الآخر في الوجود. فأن أرغب في الآخر وفي الله يعني أن أمسك به ولكن بطريقة دائمًا مؤقتة.

 

 

الأب رامي الياس اليسوعي