العالم إنعكاس للإبن والرّوح القدس

 

 

 

العالم إنعكاس للإبن والرّوح القدس

 

 

إنّ كلّ عمل يشبه الصّادر منه، لأنّه من يقوم بعمل ما يضفي على العمل شيئًا من صفاته الشخصيّة وميوله، وبصفة خاصّة ينطبق هذا على فئة الفنّانيِّين والرّسامين. لأنّنا من خلال رؤيتنا للوحة جميلة الرّسم نستطيع أن نكتشف روح من رسمها. فالعالم الذي نراه بأعيننا هو لوحة متّسعة مليئة بالفنّ والإبداع، مؤلّفه الله الواحد المثلّث الأقانيم.

 

وبهذه يمكننا أن نكتشف إنعكاس صورته في العالم المحيط بنا، لأنّ الطبيعة تقدّم لنا أشياء كثيرة جميلة، فيصبح من السّهل أن نرى فيها وجود الله العليّ. لكن كيف يمكننا رؤية الإبن فيها؟

 

إنّ كلّ الأشياء قد خلقت بواسطة الإبن، وقد أبدع في صنعها كفنّان ماهر، وتحمل المخلوقات شيئًا من صفاته. الإبن ولد من الآب، ومتّحد معه إتّحادًا قويًّا. وبهذا المعنى يمكننا رؤية الآب والإبن فيما هو مخلوق في العالم، لأنّنا عندما نفصل ونبعد المخلوقات عن الله خالقها، تذبل وتموت وتصبح لا حياة فيها. أيضًا في الإبن يظهر الآب حقيقته، وكذلك العالم يلهم ويظهر لنا حقيقة وعظمة الخالق: "أحبّك يا ربُّ يا قوّتي يا مخلّصي، من العنف خلّصتني" (مز 18/ 1). الإبن هو قدرة وقوّة الآب في العالم، ونحن نستمدّ قوّتنا في الحياة من قوّته وقدرته، "إيّاكم أن يأسركم أحدٌ بالفلسفة، وبذلك الخداع الباطل القائم على سنة النّاس وأركان العالم، لا على المسيح" (كولسي 2/ 8)، أو بالأحرى كما نؤمن أنّ كلّ الأشياء الموجودة في العالم، هي بين يديّ الله الآب وتحت رعايته. يصبح هذا التشبيه في غاية البلاغة عندما نطبّقه على قصّة خلق الإنسان، الذي قد توجّب عليه أن يتسلّم نعمة وجوده وحرّيته من الله العليّ، قابلاً لعمل إرادته بحرّيته في حياته. بل هو وحي الله وصورته، التي صنعت على صورة ابنه الوحيد، بل دعي شريكًا لله ومواصلاً عمله في الخليقة للعالم، بالقوّة الممنوحة له من الآب والإبن معًا.

 

 

وفي هذه الحالة، حاول الكثيرون من الفلاسفة أن يكتشفوا العلاقة بين الله والعالم، [ الفلاسفة هنا لا يقصدون ولا يتحدّثون عن الله كما نعرفه نحن اليوم كمسيحيِّين ]. فقال أفلاطون: "الله لا يمكن له أن يحبّ أيّ شيء إن لم يكن ذاته"، وبهذه الفكرة لا يستطيع الله أن يحبّ العالم، لكن ليس هذا الله الذي نؤمن به كمسيحيِّين. لأنّ الله في المسيحيّة قد تجسّد في صورة المسيح الإبن وأحبّ ذاته في ابنه، بل في العالم أجمع وكلّ مخلوقاته التي خلقت بواسطته، "به كان كلّ شيء وبدونه ما كان شيءٌ ممّا كان" (يو 1/ 3).

 

فنرى الخليقة ونسمعها تهتف وترنّم معلنةً حضور الرّوح القدس فيها، وهنا نذكر المعاني المختلفة للفظ "قدّوس" ففي اللغة العبريّة قدوش، وفي اليونانيّة آجيوس، لكنّ اليوم يدعى العديد من الأشخاص قدّيسين! وإذا أردنا أن نبحث عن أصل هذه الكلمة فنجدها تختصّ بما هو إلهيّ، لأنّ الله وحده هو القدّوس والسيّد. أيضًا يشرح الآباء اليونانيّون: الرّوح القدس قدّوس في طبيعته وأرسله الإبنُ لتلاميذه في يوم العنصرة كي يقدّسهم، ويجعلهم مقدّسين للعالم أجمع بوجودهم فيه، ويكونوا مسحاء آخرين.

 

 

                                                         الأب توماس شبيدلك اليسوعي