العلمانيّون الملتزمون، عون روحي وإجتماعي

 

 

العلمانيّون الملتزمون، عون روحي وإجتماعي

 

العلمانيّون الملتزمون، عون روحيّ وإجتماعيّ

 

كم هي قيّمة الخدمة التي تقدّمها النّسوة سيّما في الكنيسة، خدمة مجّانيّة حرّة غير منظّمة، فيها يتجلّى عنصر المفاجأة العذب، إذ تخبرك إحداهنّ أنّها رتّبت الخزانات في السكرستيّا. وأخرى هي ورفيقة لها قد عملت في ثياب الكاهن وأولاد الخورس وشراشف الكنيسة غسلاً وتقطيبًا وترقيعًا وكيًّا إذا لزم الأمر. وكم كانت فرحتي كبيرة عندما أرتني إحداهنّ البطارشيل وقد أبدلت رقابها الصفراء المشبعة عرقـًا برقاب بيضاء مهفهفة لا يأنف الكاهن وضعها في عنقه. وكم كانت السيّدات والصبايا يأتين بأعداد وفيرة لتنظيف الكنيسة وشطفها وغسلها إستعدادًا  لعيد شفيع المدينة أو لعيد السيّدة العذراء.

 

هذا عدا ما كانت تقوم به من أعمال سيّدات الأخويّة  يساعدن الخوري في تعيين البيوت للسّهرات الإنجيليّة وإلى دعوة الجيران ويرافقنه إليها، ويشاركن فيها. والبعض منهنّ كنّ يقمن بإعطاء التعليم الديني في المدارس الرسميّة، ويهيّئن فيها الأولاد للمناولة الأولى. ويقوم شباب الرّعيّة وشاباتها بتزيين الكنيسة، وشراء الهدايا، ومدّ مائدة فاخرة للأولاد المتناولين. مع شراء ثياب لهذا أو ذاك دون أن يعلم أحد.

 

وماذا أخبرك عن حركة الفرسان والطلائع للجنسين معًا. فهؤلاء وقد غدوا شبّانًا برعاية الخوري، خرجوا بأفكار جديدة منها أنّهم ما أرادوا أن يتركوا الحركة التي تنشّأوا فيها فطوّروا الحركة بنشاطها الرّوحي  وشعارهم: الشّهادة والتعاون روحيًّا وإجتماعيًّا وماديًّا.

 

على الخوري أن يثق بالعلمانيّ، ولا يخاف منه. كما وأنّ على العلمانيّ أن يعرف حدّه ويقف عنده. وهكذا تستقيم الأمور كما أنّه يطلب من الخوري ألاّ يتدخّل في أمور لا تدخل ضمن إطار عمله، وليترك للعلمانيين حريّتهم أللّهمّ إلاّ إذا دعي إمّا للمشاركة، وإمّا لإبداء الرأي. فمنذ الأيّام الأولى على دخولي الرعيّة أشركت العلمانيّين على جميع فئاتهم بالعديد من الأعمال الطقسيّة وعلى سبيل المثال كانوا هم الذين ينظّمون ساعة السّجود مع الخوري وكم كانت المشاركة تتنوَّع، إذ المناجاة أمام القربان كان يقوم بها الولد، والشّاب، والشّابة، أمّ بإسم الأمّهات، وأب بإسم الآباء، وأستاذ، وبحري، وطالب... وغيرهم دون أن يغيب الكاهن ودون أن يُغيَّب دورَه.

 

نعم على الخوري أن يقرّ بمحدوديّته وبأنّه لا يعرف كلّ شيء. إذًا عليه أن يكلّف بأمور راعويّة من عنده الأهليّة. يمكنه أن يكلّف علمانيّين بمهمّات راعويّة ولكن عليه وحده تقع مسؤوليّة التوجيه والوحدة والتناغم. فالأب والأمّ يربّيان أولادًا أحرارًا ومسؤولين، والخوري يربّي لرعيّته رسلاً مسؤولين يمدّون الآخرين بحيويّتهم، وينعشونهم بإشعاعهم.

 

إذا خاف الكاهن من العلمانيّ الملتزم، قد نصل بل وصلنا إلى جعل الكهنة موظّفين يقومون يوميّ السبت والأحد بمنح الأسرار، والإحتفال بالقدّاسات والدفن والزواج والعماد وسماع الإعترافات. أليس عن حقّ قد فكّر المجمع الفاتيكانيّ الثاني بإحياء دور الشمّاس الدّائم. للشمّاس دوره في قلب الجماعة، وله منزلته عند المؤمنين. وقد قيل: الكاهن الذي يخدم أكثر من رعيّة لا يخدم ولا واحدة بل يقوم بفروض عبادة روتينيّة فقط. إنّه موظّف.

 

وأردّد فأقول أنّ على الخوري ألاّ يخاف من العلمانيين الذين يتقدّمون لمساعدته فليبارك غيرتهم وليضمّهم إلى قلبه ويحبّهم.

 

ولمّا كان الخوري هو المعلّم، فليطلب من العلمانيين أن يحيوا حياتهم الإنجيليّة "من عدالة واستقامة وخدمة في محيطهم وهذا ما يشكّل رسالة أكثر فعاليّة".

 

 

المهمّ أنّ الكاهن لا يعيش واهمًا ولا متشائمًا، بل عليه أن يعمل في رعيّته بتفاؤل وفرح. وليتيقّن أنّها "الشبكة". وليعلم أنّ شبكتنا سنلقيها في الشبكة الكبيرة، نزولاً عند طلب الذي دعانا وقال لنا: "أنا معكم". ونصطاد.

 

 

 

                                                          المطران فرنسيس البيسري