المسيح يعطي عملنا معنًى

 

المسيح يعطي عملنا معنًى

 

 

1ـ المسيحيّ يهيّئ المستقبل بعمله

 

لا بدّ من بناء عالم جديد

 

كثيرًا ما يختبر الإنسان الفشل في ما يقوم به من أعمال ومشاريع. غير أنّ هذا الفشل لا يمكن أن يعتبر فشلًا نهائيًا. فإنّه ينمّ عن عجز الإنسان إذا اتّكل على مجرّد قواه الذاتيَّة. ولكن منذ تجسّد الكلمة تغلّب الإنسان حقًا على الإنسان، وترسّخت قدم الإنسان الجديد على سطح الأرض.

 

فمنذ ذلك الحين أصبح كلّ أمر مُمكنًا، وما عاد العالم الجديد أمرًا خياليًا وهميًا، وما عادت الآلام التي نعانيها علامة موت وشيك؛ إنّها علامة النموّ والتقدّم والازدهار. فالمستقبل، بالنسبة إلينا نحن المسيحيِّين، هو إذًا أجمل من الزمن الحاضر، بل هو الذي يعطي الحاضر اتّجاهه وقيمته. ونحن لا ننتظر أن يتحقّق هذا المستقبل من تلقاء ذاته. فلا بدّ من أن نعدّ له، وقد أعطانا الله زمن الحياة الأرضيَّة لهذه الغاية. فيجب علينا إذًا أن نبدّد هذا الزمن، بل أن نفيد منه للعمل على تجديد هذا العالم، بأن ننفخ فيه روح المسيح، روح المحبَّة والسّلام.

 

 

المعنى المسيحيّ للعمل

 

العمل، إسهام في عمل الله

 

ليس العمل مجرّد عقاب، إنّما هو إسهام مع الخالق الذي كلّفنا أن نتمّ خليقته. وإنّ عمل الإنسان يهيّئ العالم الجديد بتحويل العالم الحاضر. والإنسان يعدّ لهذا التحويل النهائيّ منذ الآن، عندما يقوم بحراثة الأرض واستخراج ثرواتها والسيطرة على قوى الطبيعة واستعمالها لخدمة الإنسان، مستعينًا في ذلك كلّه بعقله ومختلف طاقاته. وإنّ العمل يزيد أيضًا الخليقة إنسانيَّة، إذ يتيح للإنسان أن يتحرّر من سيطرة المادة عليه، فيزداد انشراحًا وازدهارًا. وهكذا ترتسم فيه ملامح الإنسان الجديد الكامل الذي سوف يتحوّل إليه في القيامة الأخيرة.

 

ويمكننا أن نحدّد الإنسان في العالم بالعبارة التالية: إنّه كائن يعمل، لا لكسب معيشته فحسب، بل لبناء عالم أفضل أيضًا. وعليه لا بدّ من أن يصبح كلّ إنسان جديرًا بأن ينجز عملًا مفيدًا. أمّا الكسول، فليس أهلًا لأن يعيش، ذلك لأنّ كسله يضعه في معزل عن المجتمع الحيّ الذي يبني المدينة الأرضيّة، ويحاول أن يجعل من وادي الدموع هذا أرضًا صالحة للسّكن.

 

العمل السيّئ

إنّ طالب يبتغي من وراء الدراسة تكوين العامل الصَّالح فيه. أمّا إذا أعدّ المستقبل ساعيًا فقط وراء مركز ينعم فيه بالثراء والرفاه، فإنّه يدنّس عمله من البدء. إنّ الأنانيَّة والكسل يفسدان كلاهما العمل الدراسي. ومهما كان مركز الإنسان في المستقبل، فلا بدّ من أن تتاح له يومًا ما الفرصة، إمّا ليخدم الآخرين وإمّا ليستغلّهم. وسلوكه حينئذٍ مترتّب على الرُّوح التي يعمل بوحيها في الوقت الحاضر، وهي إمّا روح الخدمة وإمّا روح الأثرة والأنانية. فإذا اعتبرنا العمل مجرّد وسيلة للاغتناء، فإنّنا بهذا الصنيع نستعد لنخلق أناسًا بؤساء ونلجم بالتالي سير ملكوت الله وتقدّمه.

 

خدمة الإنسان

إنّ قيمة الكون العظمى لا تقوم على ما يكمن فيه من طاقات هائلة، ولا على القوَّة الذريَّة أو النوويَّة. إنّ قيمة الكون العظمى إنّما هي اليوم وغدًا الإنسان نفسه. إنّه ذلك القنديل الصغير الذي يضيء كلّ شيء، ويعكس ضوءه على الكون ويبرز ما فيه من نظام عجيب وثروات في الإنسان الذي يكتشف هذه الكنوز ويستخرجها من جوف الأرض. وغالبًا ما ننسى هذه الحقيقة، فنستعمل الإنسان في خدمة المادّة، بدلًا من أن نستعمل المادّة في خدمة الإنسان. فالعمل والحالة هذه يصبح نشاطًا ضارًا، وعلى المسيحيّ ألّا ينسى أبدًا أنّ الإنسان هو موضوع اهتمام الله الأوّل. وإذا كان يتصوّر أنّه من المُمكن دفع عجلة التقدّم وهو يحتقر الإنسان، فعليه أن يبدّد سريعًا هذا الوهم.

 

المسيحيّ، عامل جادّ وغير راضٍ

 

في ضوء الإيمان يتبيّن لنا ما يجب أن نعمل. إنّ المسيحيّ متيقّن أنّ الكمال لا يُدرك إلّا في العالم الآخر، وهو يلاحظ بالتالي شوائب المنظمَّات البشريَّة، وإن بدت على مستوى عالٍ من الكمال. إنّ الإيمان المسيحي نور، وهذا النور لا ينير المستقبل فحسب، بل يسلّط ضوءه على الزمن الحاضر أيضًا. فالمسيحيّ يدرك أكثر من أي شخص آخر ما يحطّ من قيمة شخص الإنسان في مختلف الحضارات. ففي نفسه يتردّد صدى كلام المسيح، بمثابة مطلب ملحّ متواصل: "ماذا  ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟ أليست الحياة أثمن من الطعام، والجسد أثمن من اللباس؟" (متى 6، 25). أجل، يجب أن نعمل على رفع المستوى المعيشيّ للإنسان، ولكن يجب أيضًا أن نصون كرامة شخص الإنسان، هذا الإنسان الذي يفكّر ويحبّ ويمارس حريَّته ويختار ويبقى مسؤولًا عن أفعاله. فعلى المسيحيّ أكثر من غيره أن يعمل على إقرار مزيد من العدالة بين البشر، وعلى زيادة احترام المجتمع للإنسان، حتى وإن كان هذا الإنسان قاصرًا أو مقعدًا.

 

الناس الذين لا يؤمنون بالمستقبل

 

الذين لا يرون للحياة معنًى

وجد أشخاص كثيرون لا يؤمنون بالمستقبل، ويعتقدون أنّ التاريخ مجرّد تكرار متواصل. فأحداث التاريخ، في نظرهم، تتكرّر كما تتكرّر فصول السنة دوريًا وعلى منوال واحد. فيبدو للمرء أنّ التاريخ يخطو إلى الأمام، ولكن إذا اعتبرنا حقبات زمنيّة طويلة، فإنّه لا يتقدّم. إنّ أصحاب هذه النظريّة يصرّحون أنّه ليس للحياة اتّجاه تطوّري، كما أنّهم يبيّنون لنا أنّه من العبث أن نسعى وراء غدٍ أفضل.

 

الأغنياء يخشون المستقبل

 

إنّ ما يطرأ على العالم من تغييرات يؤول دائمًا إلى الخسران بالنسبة إلى الغنيّ. ويتلخّص لسان حاله في هذه العبارة الواردة في الإنجيل: "استريحي يا نفس لأنّ لك خيرات كثيرة"، وهو يودّ لو يسهم كلّ شيء في توفير هذه الرّاحة له. وإذا ما نظر إلى المستقبل وعني به، فلكي يؤمّن استمرار حالته الحاضرة بل وليحسّنها أيضًا.

 

لا شكّ أنّ الأغنياء يرغبون في كلّ شيء جديد، لكن على شرط أن يكون هذا الجديد شبيهًا تمامًا بالقديم. إنّهم يبعدون عن أنفسهم كلّ ما من شأنه أن ينغّص عيشهم ويريدون أن يوقفوا عجلة التاريخ، أقلّه عند حدود منزلهم. فأشخاص من هذا النوع يريدون أن يحصروا حياتهم العائليّة في منزل أنيق ينعمون فيه بالرفاه والراحة، منصرفين إلى تربية أولادهم بمعزل عن العالم، فيبنون حول أنانيَّتهم جدارًا ليدافعوا عن خيراتهم الماديَّة والحضاريَّة التي اكتسبوها بالتعب والشقاء. أمّا علاقتهم الاجتماعيَّة فتبقى سطحيَّة، لأنّه لم يعد هناك تبادل بينهم وبين الآخرين، وما عادوا يشعرون بالتضامن مع أبناء مجتمعهم ولا يحسّون بالحاجة إلى الآخرين. غير أنّهم يفقدون الأمان والسَّلام في العيش ويخشون الحياة وما يطرأ عليها من تقلّبات.

 

إنّ أمثال هؤلاء الأغنياء منغلقون على أنفسهم، وهم بالتالي منغلقون أمام ملكوت الله. إنّ الغني لا يحتاج إلى شيء، فقد سبق ونال مكافأته وهو على هذه الأرض.

 فالتاريخ بالنسبة إليه قد توقّف، فما عاد ينتظر شيئًا من الحياة: "ما أعسر دخول ملكوت الله على ذوي المال. فدهش تلاميذه لكلامه، فأعاد لهم يسوع الكلام، قال: يا بنيّ، ما أعسر دخول ملكوت الله. لأن يدخل الجمل في سمّ الإبرة أيسر من أن يدخل الغنيّ ملكوت الله" (مرقس 10، 23 ـ 25).

قال أحد الكتّاب: "المال هو قربان الشيطان". فهو يمزّق كافّة القيم كما يخنق الإيمان في القلوب، ذلك لأنّه يجعل الإنسان عاجزًا عن الإيمان بمجيء عالم آخر. ماذا يستطيع الأثرياء أن يُدركوا من التطويبات؟

 

إنّهم بالأحرى يحتقرون الذين يكرزون بها، كما أنّهم يعتبرون الذين يمارسونها أغبياء. فالغني لا يستطيع أن يفهم شيئًا ممَّا هو إلهيّ، والمستقبل في نظره محفوف بالمخاطر والتهديدات. لمِنَ المستحيل على من يبقى متعلّقًا بالمال أن يصلّي إلى الآب السماوي من صميم قلبه، وأن يوجّه إليه مثل هذه الطلبات: "ليأتِ ملكوتك، لكتن مشيئتك".

 

 

الماديّون الملحدون ينتظرون كلّ شيء من المستقبل

 

أمّا موقف الماديِّين الملحدين من الحياة فقد يكون أكثر إيجابيَّة من موقف الأغنياء. فإذا كانت البشريَّة ترزح اليوم تحت ثقل البؤس، فإمكان البشر أن يهيّئوا لها غدًا أفضل. إنّهم يعتقدون أنّ باستطاعة الإنسان أن يحوّل الكون ويبني فيه مسكنًا هنيئًا وذلك إلى الأبد. إنّ التاريخ يتّجه نحو تحقيق بشريَّة بدون طبقات، بحيث يستحيل على الانسان أن يستغلّ الإنسان، ويصبح الإنسان إنسانًا جديدًا حقًا، وذلك بسيطرته على الكون وتحرّره من العبوديَّة.

 

فأوّل واجبات الإنسان، حسب نظريَّة الماديِّين الملحدين، يقوم على اكتساب التقنية التي تمكّنه من السيطرة على قوى الطبيعة. فهو إذ يحوّل الظروف الماديَّة للحياة، يتحوّل هو نفسه تدريجًا ويتحرّر من كلّ رغبة في استغلال الآخرين أو الانصياع لهم. وعليه لا بدّ من تشجيع الصراع الطبقيّ لكي تتخلّص الطبقة العامَّة من الطبقة المالكة. ولكن سوف تذهب أجيال عديدة بكاملها ضحايا في سبيل ذلك الجيل الأخير من الناس السعداء.

 

إيماننا، نحن المسيحيِّين ، بالمستقبل

إيماننا بالمستقبل مبنيّ على قيامة المسيح. أمّا بالنسبة إلينا نحن المسيحيِّين، فقدرة المسيح القائم هي التي تعطي البشريَّة حركتها واندفاعها نحو العمل. وهذه القدرة تجعلنا نعمل على بناء الملكوت الجديد بدءًا من هذه الحياة. لا شكّ أنَّ كلًّا منَّا سوف يموت قبل حلول هذا الملكوت، غير أنّنا سنقوم من الموت لنحتلّ مكاننا فيه، وسوف ندخله بنفوسنا وأجسادنا بعد أن نكون قد عملنا لأجلنا وتألمنا ومتنا في سبيله.

 

 نقد الموقف الماديّ الملحد

 

لا يستطيع البشر، بدون الإيمان بالقيامة، أن يخرجوا من الحلقة المفرغة الرهيبة، وهي أن نموت دون أن ندرك غاية عملنا. ويصحّ فيهم قول السيّد المسيح هذا: "هذا الرجل شرع في بناء ولم يقدر على إتمامه" (لوقا 14، 30). فماذا يُبرهن للماديِّين أنّه سوف يقوم يومًا ما جيل جديد من بشر مكتملي الإنسانيّة سعداء؟ وحتى إذا فرضنا جدلًا أنّه سوف يقوم هذا الجيل الجديد، فماذا يخوّله حقّ المطالبة بأن يُضحّى بملايين من البشر في سبيل سعادته؟ فلا برهان على نظريّة الملحدين هذه ولا مبرّر! إنّ إيمانهم بالمستقبل إيمان باطل، لأنّهم لا يؤمنون مثلنا بحقيقة قيامة المسيح التي هي عربون قيامتنا نحن من الموت.

 

المسيحيّ يعمل بفرح بانتظار يوم الربّ

 

 إنّ اليقين بأن للتاريخ نهاية، يهيمن على حياة المسيحيّ الروحيّة. فهو ينتظر هذا اليوم كما ينتظر القرويّ يوم الحصاد. وعندما يحين موعده، فكلّ ما يقوم به القرويّ من عمل طوال السنة سوف يتّخذ معناه الحقيقيّ ويجد مبرّرًا له، فما حرثه وزرعه يعود عليه بمائة ضعف. فلهذا السبب نراه يعمل ويكدّ منذ الآن بمزيد من الشجاعة بانتظار ذلك اليوم.

أمّا العامل الآلي الذي يركّب القطع وهو يجهل الآلة التي يسهم في بنائها  وما سوف يؤول إليه عمله، فلا يستطيع أن ينعم في عمله بفرح القرويّ لأنّ قلبه لا يعمر بالرَّجاء عينه. فالمستقبل بالنسبة إليه موصد الآفاق، لأنّ الأيّام تتوالى على منوال واحد وهو قابع في مصنعه.

أمّا بالنسبة إلى المسيحيّ، فالمستقبل حقيقة راهنة كما هو الحال بالنسبة إلى القرويّ، ذلك لأنّه يتضمَّن يومًا من الأيَّام، وهو يوم الربّ، تتجمّع فيه ساعات حياته الطويلة كلّها، وتتكرّس وتتحوّل. فلهذا السبب نراه يعمل بفرح ونشاط. فهو متيقن أنّه سوف يحصد ما زرعه وأنّ الثمار سوف تفوق بكثير ما تُنبئ عنه الأزهار.

 

2ـ المسيحيّ يقدّر خصومه ويتحلّى بالصبر

 

على المسيحيّ أن يلتزم بالعالم ليحقّق فيه عملًا. ولكن من يتحدّث عن العمل، يتحدّث أيضًا عن نتيجة العمل. وردود فعلنا في هذا المجال أيضًا هي ردود فعل طبيعيّة، إذ إنّنا على غرار التقنيّ، نبحث قبل كلِّ شيء عن الفاعليّة. غير أنّ من يبحث عن الفاعليَّة يصطدم دومًا بالعقبات، وما يعتبره عقبة، يحاول أن يقضي عليه ويدمّره. هذا ما يصنعه مهندسو المدن عندما يشقّون الطرق العريضة. إنّهم لا يتورّعون عن هدم عدد من الأحياء القديمة على الرّغم من رونقها، كما لا يتورّع مهندسو السدود عن إلغاء وديان بكاملها وإغراق ما فيها من القرى.

 

مخاطر الفاعليّة

 

يميل الإنسان غريزيًا إلى محو خصومه من الوجود، إنّ البحث الدؤوب عن الفاعليّة قد يمارسه الإنسان، وإن كانت العقبة هي إنسان بالذات. والطاغية هو الذي يمحو خصمه من الوجود إذا ما اعترض طريقه إلى النجاح. هذا ما نلاحظه في التاريخ، ولدينا في الكتاب المقدّس بعض الأمثلة عن ذلك.

 نرى داود يحتال لكي يزيل من أمامه أوريّا، زوج بتشابع ليأخذ هذه المرأة له. وكذلك صنع أبناء يعقوب مع أخيهم يوسف، إذ توسّموا فيه مستقبلًا زاهرًا، فحقدوا عليه: "ولمّا رأوه عن بعد، قبل أن يقترب منهم ائتمروا عليه ليقتلوه. فقال بعضهم لبعض: ها هوذا صاحب الأحلام مقبل، والآن تعالوا نقتله ونطرحه في بعض الآبار" (التكوين 37، 18). وبعد ذلك بزمن طويل، تكلّم أحفاد يعقوب كلامًا مماثلًا، على حدّ ما ورد في الإنجيل: "فلمّا رأى الكرّامون الابن، قال بعضهم لبعض: هوذا الوارث، هلمّ نقتله ونأخذ ميراثه. فأمسكوه وألقوه خارج الكرم وقتلوه" (متى 21، 38 ـ 42).

 

تجربة استعمال القوّة حتى لأهداف دينيّة

 

حتى وإن كان الأمر يتعلّق بمشروع كمشروع أقامه ملكوت الله، فغالبًا ما تستهوي الناس فكرة تحقيقه بمثل هذا الأسلوب البشريّ، فيحاولون محو من يعترضهم من الخصوم. هكذا نرى يعقوب ويوحنّا، قد أرسلهم يسوع أمامه إلى السامرة، فيغتاظان لعدم استقبال أهالي إحدى القرى لهما، ويقولان للمعلّم: "يا ربّ، أتريد أن نأمر النار فتنزل من السماء وتأكلهم؟" (لوقا 9، 54). ولكن يسوع التفت وانتهرهما قائلًا: "لستما تعلمان من أيّ روح أنتما. فابن الإنسان لم يأتِ ليهلك نفوس الناس بل ليخلّصها" (لوقا 9: 55 ـ 56).

 

شريعة نموّ الملكوت

 

من خصائص ملكوت السّماوات، نموّه البطيء. لقد بدأ ولكنّه في الوقت الحاضر يمرّ بطور إنتقالي ينمو فيه بطريقة لا يمكن ملاحظتها. وهذا النموّ لا يدركه إلّا الأشخاص "الرُّوحيّون".

 

ففي الظاهر يبدو العالم وكأنَّ لا شيء يتغيّر فيه. فإلى جانب الأخيار سوف يوجد دومًا أشرار، وإلى جانب القمح الجيّد الذي زرعه الزّارع سوف يرى العمّال دومًا الزؤان، والشباك التي يلقيها الصيّادون في مياه البحر سوف تلتقط دومًا سمكًا من جميع الأنواع، الطيّب والخبيث (متى 13). لقد اكتسب يسوع وهو في الناصرة خبرة الفلاحين، وأدرك أنّ الزرع ينمو نموًا بطيئًا لا يُمكن ملاحظته، فشبّه نمو الملكوت بهذا النمو الأكيد وغير الملحوظ.

 

أمّا من يريد أن يعمل في سبيل الملكوت بحسب تصوّره الشخصيّ، فيرغب في تصريف الأمور سريعًا، بأن ينتزع الزؤان على الفور، ويدفع بالسنبلة إلى النموّ بسرعة. فتجربة الإنسان الكبرى تكمن في رغبته في تحويل العالم تحويلًا سريعًا. ولكنّ الربّ يدعونا لنكون أشخاصًا "روحيِّين"، أي أشخاصًا يجعل إيمانهم منهم أناسًا صبورين. فعلينا ألّا نحنّ إلى نظام مسيحيّ يتحقّق بسرعة، ولا سيّما ألّا نحنّ إلى نظام يتحقّق بالقوّة.

 

 

الكنيسة تقبل أن تبقى ضعيفة بشريًا

 

المفارقة في حكمة الكنيسة

 

 عندما أرسل يسوع تلاميذه إلى العالم، أرسلهم كـ"الخراف بين الذئاب". والكنيسة سوف تبقى دومًا تلك الضعيفة على الصعيد البشريّ. وقد ترغب أحيانًا في أن تكون قويَّة، وأن تقتني أموالًا، وتمتلك جنودًا لتحارب بهم أعدءها، ولكن الروح الذي يقودها يوجهّها هو يحميها من هذه الإنحرافات. فالكنيسة تجني على نفسها إذا ما استعملت يومًا القوّة، وإنّها تقضي على ذاتها إذا ما حاولت أن تمحو من الوجود من يضايقونها. وعليها ينطبق حينئذٍ ما قاله الربّ مهدّدًا: " كلّ من يأخذ بالسَّيف، بالسَّيف يهلك" (متى 26، 52). وقد تعلّمت ذلك من تاريخها الطويل، وقد مدّها روح المسيح بحكمة إلهيّة. ويصحّ فيها ما صحّ في رأسها: "إنّ الحماقة من الله أكثر حكمة من الناس، والضعف من الله أقوى من الناس" (1  قورنتس 1، 25).

 

أمامنا دور صعب في الحياة. فوجودنا في العالم كمسيحيّين مهدّد باستمرار. والكهنة بنوع خاص يدركون هذا الوضع الصعب. ولا يوجد أضعف من كاهن يعيش حقًا كهنوته. فهو يبدو فقيرًا ومعدوم القوى، ولا يملك الوسائل السياسيّة ولا الإمكانات الماليّة ولا قوَّة السلاح التي يستخدمها الآخرون لإنجاح آرائهم ومشاريعهم. إنّ قوّته تكمن في كونه منزوع السِّلاح.

 

 

ضعف الكرازة المسيحيَّة

 

إنّنا نكرز بالمسيح مصلوبًا. إنّ ديانتنا لا تتضمن من الناحية البشريّة أيّة جاذبيّة، ولا بدّ من أن نحافظ على ما تتّصف به من حماقة وقسوة. ولا يُسمح لنا أن نلجأ إلى سحر الدعاية، ذلك لأنّنا دومًا معرّضون للّجوء إليها لاجتذاب غير المؤمنين عندما تقول إنّ الكنيسة تضمّ في صفوفها أعظم العباقرة والعلماء والفنّانين. لا شكّ أنّه من المستحسن أن يتوافر مثل هؤلاء الرّجال في الكنيسة، وعلينا ألّا نهمل الإعلان عنهم، الأمر الذي يبيّن للجميع أنّ الإنسان الذي يهب نفسه لله لا يتخلّى عن إنسانيَّته. غير أنّ قوَّة جاذبيّة الكنيسة لا تكمن في ذلك، والحكمة الكامنة في أعضائها هي من نوع آخر. إنّها الإيمان بيسوع المصلوب.

إنّ كرازة الإنجيل لن تفعل فعلها في النفوس إذا حجبت وجهها الحقيقيّ المحيّر والمنفّر. والكنيسة لن تتقدّم ما لم تعترف بفشلها من الناحية البشريّة: "لمّا كان اليهود يطلبون الآيات، واليونانيّون يبحثون عن الحكمة، فإنّنا ننادي بمسيح مصلوب، عثارًا لليهود وحماقة للوثنيِّين" (1 قورنتس 1، 22 ـ 23).

 

ويلاحظ القدّيس بولس جيِّدًا أنّ هذا الإنجيل لا يتضمّن ما يجتذب الناس، ولكنّه يقبل بهذه الضرورة، لأنّ الإنجيل إذا كان لا يتضمَّن ما يجتذب الإنسان الجسديّ، فهو يتضمَّن ما يجتذب الإنسان "الروحيّ": "فإذا كانت بشارتنا لا تزال محجوبة، فإنّما هي محجوبة عن السّائرين في طريق الهلاك، عن الكفّار الذين أعمى بصائرهم إله هذه الدنيا، لئلا تضيء لهم بشارة مجد المسيح بنورها، وهو صورة الله" (2 قورنتس 4، 3 ـ 4).

 

أساليبنا ضعيفة بشريًّا

 

ولكن إيماننا يمدّنا بالثقة بأن الله هو الذي يقود التاريخ. فنحن نتمّم مهمّتنا بتواضع وسخاء على أنّنا خدّام لا خير فينا (لوقا 17، 10)، ونبحث قبل كلّ شيء عن ملكوت الله وبرّه، على أنّه تعالى يهتمّ بالنموّ لأنّه هو الربّ والمعلّم. ففي الوقت الحاضر ينبت الزرع الطيّب والزؤان معًا. وكم يكون فرحنا عظيمًا لو قال الربّ لنا: اذهبوا واقتلعوه، ولكنّه يقول لنا: "لا! مخافة أن نقتلع القمح ونحن ننزع الزؤان. فدعوهما ينبتان معًا إلى يوم الحصاد، حتّى إذا أتى وقت الحصاد، يقول للحصادين: إجمعوا الزؤان أوّلًا واربطوه حزمًا ليحرق. وأمّا القمح فاجمعوه واتوا به إلى أهرائي" (متى 13: 29ـ 30).

 

هذا ونحن لا نحسن تمييز الزؤان من الزرع الطيّب. فالشخص البشريّ محفوف بالأسرار، ولا يستطيع نظرنا البشريّ الوصول إلى أعماقه. فلا يعرف الإنسان حقًا إلّا مَن صنع الإنسان، وإنّ الله فقط يسبر "الكلى والقلوب". أمّا نحن فنحكم على الناس ممّا يظهر على وجوههم. فمن هم حقًا أصدقاء الله، ومن هم حقًا أعداؤه؟ لا يعرف ذلك إلّا الله وسوف يكشفه لنا في اليوم الأخير. ففي ذلك اليوم يصبح في مقدورنا نحن أيضًا أن نحاكم الوثنيِّين. وحتى يحين ذلك اليوم، لا بدّ أن نتذرّع بالصبر ونعلّق حكمنا. غير أنّنا في الواقع نطمح، ونحن على هذه الأرض، إلى أن نتصرّف تصرّف الآلهة، وننصّب أنفسنا قضاة على الآخرين. إنّها للذة شيطانيّة "لذّة" الحكم بأنّ فلانًا إنسان "نذل" ولا بدّ من فصله عن مجتمعنا.

 

 

لقد وقع سمعان الفرّيسيّ في مثل هذا الخطأ في التمييز، حينما دعا يسوع إلى مائدته، وتعجّب إذ رأى يسوع يترك المرأة الخاطئة تقترب منه، فقال: "لو كان هذا الرّجل نبيًّا، لعلم مَن هي هذه المرأة التي تلمسه وما حالها: إنّها خاطئة" (لوقا 7، 39). لكنّ يسوع يرى ما يختلج في أعماق القلوب، فأدرك أنّ حبًّا حقيقيًا قد وُلد في تلك المرأة: "إنّما غفرت لها خطاياها الكثيرة، لأنّها أظهرت حبًا كبيرًا" (لوقا 7، 47).

 إنّ خطيئة سمعان تكمن في اعتقاده أنّ تلك الخاطئة سوف تبقى خاطئة طوال حياتها. أمّا فكرة إمكانيّة الاهتداء فلم تخطر بباله. غير أنّ يسوع كشف له أنّ باستطاعة الإنسان الحرّ دومًا أن يتغيّر وأن يولد من جديد. فهو لا يطفئ الفتيلة المدخّنة. وعلينا أن نقدّر تلك الحريَّة، وإمكانية الاهتداء تلك.

 

 

المفارقة في فاعليّة المسيحي

 

خطتنا الوحيدة

إنّ الرّوح الذي يحيي المسيحيّ يدفعه إلى العيش في العالم بدون أن يجعله يتبنّى "نمط" حياة العالم.

 

 إنّه الخميرة في العجين، ولا يستطيع أن يخمّر العجين إلّا إذا بقي خميرة. وهو أيضًا ملح الأرض، ولا يستطيع أن يحفظ الأرض من الفساد إلّا إذا حافظ على ملوحته. فواجب المسيحيّ الأوّل في العالم هو أن يبقى مسيحيًا.

 

 هذه هي خطته. ففي الظروف العصيبة، عندما تكون كنيستنا مهدّدة، يدفعنا الرّوح لا إلى رفع السّلاح، بل إلى القيام بأعمال التوبة والعودة إلى مصادر الإنجيل، وإلى الصلاة. فعندما تكون الكنيسة ضعيفة، حينئذٍ يتوجّب علينا أن نصير من جديد أبناء للكنيسة حقيقيِّين، لأنّ ما يميّز الإلحاد في عصرنا، ويعطيه تلك الجاذبية، هو أنّ الإنسان يريد أن يؤلّه نفسه بنفسه. وعليه، تقوم دعوتنا المسيحيّة على المحافظة على صفاء الرّسالة الإنجيليّة، وعلى التأكيد أنّ الإنسان لن يصير إلهًا إلّا عن طريق وسيط واحد هو يسوع المسيح. فحينئذٍ نستطيع أن نخلّص البشر.

 

 

 

الإيمان الحقيقي يفعل فعله حتمًا

إذا كان إيماننا صافيًا فسوف يفعل فعله لا محالة، ذلك أنّ الروح يوقد فينا هذا الإيمان، ولا يجدر بنا أن نحجبه بوعاء (لوقا 8: 16). فإذا ما وُجد الإيمان في الإنسان، لا بدّ من أن يشعّ من تلقاء نفسه ويظهر للعيان. أمّا إذا كان قليل الإشعاع، فيعود ذلك إلى شحوبه. يُقال أحيانًا لبعض المسيحيِّين الضعفاء: "أظهروا إيمانكم"، كما لو كان الإيمان مختفيًا فيهم، والحقّ يُقال أن ليس لديهم ما يخفونه ولا يظهرونه. فلو كان عندهم إيمان لكان قد ظهر من تلقاء ذاته.

 

إنّ التأثير الذي يؤثّره صديق الله بطريقة سرّيَّة إنّما هو تأثير متواصل. لقد كتب أحد رفاق فرنسيس كزافيه بعد وفاته بثلاث سنوات، قال: "لقد عاش المعلّم فرنسيس على أرض الهند، وقد علا شأن أعماله وأتعابه وفضائله علوًّا كبيرًا، ولا أرى من يستطيع أن يهدم يومًا ما شيّده الله بوساطته في هذا البلد". أمّا سرّ هذا البناء الروحيّ المتين، فيعود إلى اتّحاد الباني بالله.

 

بتساميها على العالم، تفعل الكنيسة فعلها في العالم

 

لقد أكّد المسيح أنّ ملكوته ليس من هذا العالم، والمسيحيّة في إخلاصها للمسيح تتسامى على مختلف النزاعات البشريّة. فمصالحها ليست بشريَّة وكذلك طرق عملها. إنّها لمتسامية. ولكونها كذلك فهي تستطيع أن تتدخّل في الشؤون الزمنيّة لا لتدافع عن أيَّة مصلحة خاصَّة، بل لتنقذ كرامة الإنسان وتحميها.

 

فالكنيسة ليست في خدمة أيَّة حضارة معيّنة؛ بل تقوّم الحضارات وتعمل على تطويرها، ليتمكّن الإنسان أن ينشرح فيها ابنًا لله. هي، في زمن الحرب، تحرص ألّا تقدّم أيّة مساعدة ماديّة لأي من المتحاربين، ولكنّها تؤكّد على حقوق الإنسان الخالدة. فصوت رؤسائها في هذه الحالة، يساعد المتحاربين على الإصغاء إلى صوت ضميرهم، وهو صوت الله. وعندما تذكّر الكنيسة الإنسان بواجباته نحو الإنسان، فإنّها تؤثّر على الصعيد الإجتماعيّ والإقتصاديّ على السَّواء. ويعود إلى الإنسان بالذات، إلى "العلمانيّ"، أن يكتشف التقنيّات المتطورة ويطبقها. أمّا الكنيسة فتسدي التوجيهات الروحيَّة، فإذا ما اتّبعها الإنسان، ساعدته على تحويل تلك التقنيات إلى خدمة الشخص البشريّ.

 

موقف الكنيسة من الوثنيِّين

 

الكنيسة لا تحتقر الديانات الوثنية

تقف الكنيسة من الديانات الوثنيّة موقف ربّ الحصاد الذي لا يقتلع الزؤان خشية أن يقتلع معه الزرع الجيّد. فهي تعرف أنّ قيمًا دينيّة تكمن في تلك الديانات، ذلك لأنّه في كلّ خطأ يكمن قسط من الحقيقة. ولهذا السبب لم تنظر الكنيسة إلى تعاليم الوثنيِّين باحتقار وازدراء. لقد حرّرتها بالأحرى من كلِّ خطأ وأكملتها، وكلّلتها بالحكمة المسيحيّة.

 

لدينا مثل مستمدّ من عيد الفصح

تقدّم لنا ليتورجيّة الفصح مثلًا على ذلك. لقد تبنّت الكنيسة، في هذه الليتورجيّة، أعمال الإنسان الطبيعيّة وأعطتها معناها الحقيقيّ وكرّستها. كان عيد الفصح، بادئ ذي بدء، عيد تجديد الطبيعة، إذ كان الناس يبتهجون لعودة الربيع ويسألون آلهتهم أن تمنحهم موسمًا خصبًا، أي المطر وحرارة الجوّ، وكانوا عند حلول الربيع يحتفلون بشبه تكرار لخلق العالم، وكان ذلك الاحتفال ليتورجيّة قرويَّة وثنيَّة. أمّا عند اليهود فكان الفصح احتفالًا بذكرى الخروج من أرض العبوديَّة، وكانوا في هذه المناسبة يجدّدون رجاءهم بالمستقبل. وعندما جاء المسيح على هذه الأرض، دشّن خلقًا جديدًا محقّقًا تحرير الإنسان الحقيقيّ والنهائيّ، اختار موعد الفصح هذا بالذات ليقوم بأعظم عمل في حياته. وهكذا يتلخّص تاريخ البشريَّة في ليتورجيَّة الفصح، ويكتمل ويتحقّق بها تمامًا.

 

نحن اليوم بانتظار زمن الحصاد

"مثل ملكوت الله  كمثل رجل يلقي البذار في الأرض. فسواء نام أو قام ليل نهار، فالبذر ينبت وينمو وهو لا يدري كيف يكون ذلك. فالأرض من ذاتها تخرج العشب أولًا، ثمّ السنبل، ثمّ القمح الذي يملأ السنبل. فما أن يدرك الثمر حتى يُعمل فيه المنجل، لأنَّ الحصاد قد حان" (مرقس 4، 26 ـ 29). فالقمح لا يُتلِف العشب ولا السنبلة، بل يكملهما. ونحن اليوم نعيش زمن نضوج القمح من تاريخ العالم وننتظر وقت الحصاد.

 

 

3ـ الدعوة

العمل والدعوة

 تقوم مختلف الدعوات على خدمة الله والقريب

يخضع الإنسان في هذه الدنيا لشريعة العمل. فعليه أن يعمل لكي يعيش ويؤمّن قوته وقوت عائلته. وبعمله هذا، يتعاون الإنسان في المجتمع مع بقيّة الناس لتأمين مزيد من الرفاه العامّ والخاصّ. فالعمل إذَا، هو مكان التقاء البشر بعضهم مع بعض. هذا والمجتمع يقوّم الإنسان بحسب عمله ومنفعته ما يؤدّيه من خدمات. وبواسطة عمله، يندمج الإنسان في المجتمع، ويكتسب قيمته الفعليّة تبعًا لمّا يقدّم له من خدمات ولطريقة تأدية هذه الخدمات.

وبوصفه إنسانًا، يخضع المسيحيّ هو أيضًا لشريعة العمل تلك، ولا يمكنه أن يتحرّر منها بسبب كونه مدعوًا للبنوَّة الإلهيَّة. إنّ دعوته ليكون ابن الله يجب أن تغيّر وجه حياة العمل المفروضة عليه، كما هي مفروضة على جميع إخوته البشر. ولكي نحدّد العلاقات القائمة بين شريعة العمل تلك ودعوة المسيحيّ، يجدر بنا أن نكوّن فكرة واضحة عن الدعوة.

 

الدعوة المسيحيّة

 

إنّ الله ينادي كلّ إنسان

المسيحيّ وأيّ مسيحيّ هو إنسان "مدعوّ". لقد انحنى الآب السماويّ على الإنسان، وهو فريسة الخطيئة والموت، وحرّره بتقدمة ذاته، الإله المتجسّد، وإرساله روحه الذي يقدّس ويحيي الكنيسة، أي جماعة المدعوّين. فالمسيحيّ هو إذًا مدعو ليجيب على حبّ الآب ويقتدي بابنه فيصبح به ابن الآب بالتبنّي، كما أنّه مدعو ليعيش من روح الآب والابن في شركة القدِّيسين وفي محبَّة كلِّ إنسان يعيش في هذا العالم.

 

ميزة هذه الدّعوة

وهذه الدعوة هي مجانيّة لأنّنا لسنا نحن المبادرين فيها، إنّما المبادر هو الإله الثالوث. إنّها لدعوة فوق الطبيعة، لأنّ الله يدعونا أن نحيا من حياته ونلج في أعماقه ونشترك اشتراكًا فعليًا في مشروع خلاص العالم أجمع.

 

إنّها لدعوة كنسيّة أيضًا، لأنّنا مدعوُّون بوساطة الكنيسة وفي الكنيسة، والكنيسة هي وريثة المبادرات والوعود الإلهيّة، وتدعو كلًّا منّا وتؤكّد لنا أن ما نشعر به من نداء في أعماق قلوبنا إنّما يصدر عن الله. ويظهر هذا التأكيد عندما تكرّس الكنيسة اتّحاد الرَّجل والمرأة في سرّ الزواج، وعندما تدعو إكليريكيًا إلى سرّ الكهنوت، وعندما تتقبّل تقدمة المسيحيّ الكليّة في النذورالرهبانيّة الثلاثة.

 

إنّ الزواج لدعوة

الزواج هو دعوة حقيقيّة. إنّ اتّحاد الرّجل والمرأة أمر دارج طبيعيّ تتمّه الطبيعة البشريّة بموجب تكوينها بالذات. غير أنّ الله في الزواج يدعو المسيحيّ أن يرى في هذا الاتّحاد علامة اتّحاد المسيح بالكنيسة.

 وبالزواج يتلقّى الزوج المسيحيّ الدعوة ليقوم بدوره في المجتمع، إذ يتّحد بزوجته على مثال اتّحاد المسيح بالكنيسة، لكي تنمو عائلته وتشهد لمحبّة المسيح أمام الناس وأمام الله. وبالزواج تتلقى الزوجة المسيحيّة الدّعوة لتستقبل زوجها كما تستقبل الكنيسة المسيح؛ فيتعاظم الحبّ في العائلة ويأتي بالثمار. فالزواج هو صورة وعلامة للعمل الإلهيّ في هذا العالم. إنّه لسرّ عظيم. وهذه الدعوة هي عظيمة، وعلى الرغم من كونها عامة، فإنّها تجعل الرجل والمرأة يشاركان في بناء جسد المسيح.

 

الدّعوة بمعناها الحصريّ

ولكن هناك دعوة أكثر سمّوًا، ألا وهي دعوة من يدعوهم الله مباشرة إلى خدمته في الإكليروس العلمانيّ أو في الحياة الرهبانيّة. لا شكّ في أنّ جميع المسيحيِّين مدعوُّون ليضعوا أنفسهم في خدمة المعلّم والعمل على إنماء الملكوت. ولكن يسوع قد دعا أحيانًا البعض من تلاميذه إلى مزيد من الكمال، إلى حياة أقرب إلى حياته هو. لقد دعاهم إلى القيام بدور مميّز في الكنيسة، وإلى درجة من الكمال أسمى.

 

الدّعوات الرجّالية الأولى

لقد كان باستطاعة الصيادين العاملين على شاطئ بحيرة طبريا أن يقدّسوا أنفسهم هم  يتابعون العيش على شاطئ البحيرة. ولكن يسوع طلب منهم يومًا من الأيّام أن يتركوا كلّ شيء: "اتبعاني، أجعلكما صيادي بشر" (مرقس 1، 17). فعزم هؤلاء الصيادون على أن يقفوا حياتهم كلّها لخدمة المسيح والكنيسة. فألّفوا تلك الجماعة المقدّسة التي ستستمر عبر القرون لتخلّد ذبيحة الصّليب وتنشر تعليم المسيح، مكرّسين لتأسيس ملكوت الله  وتوسيعه.

 

الدّعوات النسائيّة الأولى

وإلى جانب الرّسل، كانت هناك، في أثناء حياة يسوع وفي بدء رسالته، مجموعة من النساء كنّ يرافقنه في أسفاره (لوقا 8، 1 ـ 2)، ونراهنّ أيضًا في الجلجلة (أعمال 2، 1 ـ 4). وتروي لنا أعمال الرّسل أن بولس، لدى مروره بقيصريّة توقّف عند فيليبّس، أحد الشمامسة السبع، ويذكر لوقا أنّه كانت هناك أربع فتيات بتولات يتنبَّأن. ويقول أحد الآباء المختصين بالكتاب المقدّس أنّنا هنا إزاء ما يسمّى بنذر البتوليّة الذي يوصي به بولس دون أن يفرضه.

 

وهكذا نلاحظ أنّه منذ السنوات الأولى من حياة الكنيسة، تشكّلت تلك المجموعة المختارة من الرّجال والنساء المدعوين، حتى في أسلوب حياتهم الخارجيّ، لاتّباع المسيح عن كثب وممارسة الحياة الكاملة. وما يطلبه سيّدنا يسوع المسيح من جميع الذين يدعوهم على هذا النحو، إنّما هو هبة أنفسهم هبة كليَّة لا عودة معها إلى الوراء: "من أحبّ أباه أو أمّه أكثر ممّا يحبّني، فليس أهلًا لي. ومن أحبّ إبنه أو ابنته أكثر ممّا يحبّني، فليس أهلًا لي... من حفظ حياته يفقدها، ومن فقد حياته في سبيلي يحفظها" (متى 10، 37 ـ 39).

 

البتوليّة

والكنيسة تثق بقدرة الرّوح، وتؤمن بأنّ العفّة الكاملة ممكنة على هذه الأرض. فنلاحظ على مرّ الأجيال عددًا من الشباب والشابات يشعرون بدعوة سريّة إلى البقاء متبتّلين على الداوم. إنّهم لا يقرِّرون بأنفسهم المحافظة على البتوليّة بناءً على ميل طبيعيّ، إنّما الله نفسه هو الذي في داخلهم يجتذبهم إليه اجتذابًا شديدًا: "هذا الكلام لا يفهمه الناس كلّهم، بل الذين أنعم عليهم بذلك" (متى 19، 11).

 

البتول يعيش على الأرض كما يعيش في السّماء

وعندما يدعو الله رجلًا أو امرأة إلى حياة البتوليّة إنّما يدعوهما إلى أن يعيشا وهما على هذه الأرض كما سيعيشان في السماء: "في القيامة لا الرجال يتزوّجون ولا النساء يزوّجن، إنّما هم كالملائكة في السماء" (متى 22، 3). وبعبارة أخرى نقول إنّ البتوليّة تستبق فداء الإنسان الكامل وتدخله منذ الآن في الفدروس. وكان القدّيس قبريانوس يقول إلى العذارى: "إنّ ما نحن صائرين إليه، لقد بدأتن تعشنه، إذ تملكن مجد القيامة وأنتنَّ على هذه الأرض. فعندما تعشن عفيفات مساويات منذ الآن للملائكة، تجتزن العالم بدون أن ينال منكنّ الفساد". فالذين لا يتزوَّجون حبًّا لله، ينتمون إلى عالم المستقبل وهم يعيشون على هذه الأرض، ويسمّيهم يسوع "أبناء القيامة" (لوقا 20، 36).

 

البتوليّة والزواج

في ذلك يكمن سموّ البتوليّة على الزواج. فالرجل، في الزواج، لا يتّحد بالمسيح إلّا من خلال علامة الحبّ الزوجيّ القائم على الاختلاف في الجنسين. ولكن هذه العلامة مؤقتة، وسوف تختفي في السماء، لأنّه لن يعود هناك مبرّر لهذا الاختلاف. غير أنّ علامة الحبّ الزوجيّ هذه تختفي منذ الآن بالنسبة إلى من يبقى بتولًا، لأنّه مرتبط مباشرة بالله، وينطبق عليه تمامًا ما يقوله بولس لمسيحيّي قورنتس: "إنّي خطبتكم لزوج واحد وهو المسيح" (2قورنتس 11، 2).

 

لقد حطّ ملكوت الله قدمه على عالمنا، ووجود جمهور المتبتلين في الكنيسة يجعل ذلك ظاهرًا للعيان. فالرجل والمرأة البتولان في هذا العالم يشهدان بحياتهما أنّنا جعلنا لعالم آخر، وأنّنا عثرنا ثانية على طريق الفردوس المفقود. فمن يعيش حقًا البتوليّة يُطبع منذ الآن بطابع فرح الفردوس. وكان الوثنيّون يرون في البتوليّة مجرّد زهد وعقم واستباق للموت. وأناس كثيرون في يومنا الحاضر ينظرون إليها النظرة نفسها. ولكن البتوليّة المسيحيّة هي في الواقع مشاركة في قيامة المسيح، لأنّ الله الذي يدعو إلى البتوليّة ليس إله الأموات بل إله الأحياء. إنّه محبّة، والذين يتّحدون به مباشرة يحرّكهم هذا الحبّ بشكل عجيب.

ولهذا السبب نرى أنّ القلوب البتولة مفعمة مودّة وعطفًا نحو البشر. إنّهم ليسوا منفصلين عن إخوتهم البشر، بل يشعرون بأنفسهم أنّهم أكثر تضامنًا معهم من ذي قبل، ويؤثّرون عليهم تأثيرًا عجيبًا.

 

الدّعوة الرهبانيّة والدّعوة الكهنوتيّة

 

 الدّعوة الرهبانيّة تختلف عن الدّعوة الكهنوتيّة

قد يشعر شخص مسيحيّ بانجذاب خاصّ نحو الحياة الرهبانيّة بدون أن يشعر بانجذاب نحو الحياة الكهنوتيّة. وبالعكس كثيرون هم المدعوّون إلى الحياة الكهنوتيّة، ولا يفكّرون في الدخول في الحياة الرهبانيّة. وقد اعترفت الكنيسة منذ القدم  بصحّة هاتين الصيغتين للدّعوة. فهناك رهبان ليسوا بكهنة، كالإخوة المدرّسين، والإخوة الممرضين والإخوة المساعدين في الأديار، كما أنّ هناك كهنة ليسوا برهبان، بل البعض منهم متزوّجون، كما هو الحال في الكنائس الشرقيّة الأرثوذكسيّة أو الكاثوليكيّة: إنّهم يؤلّفون الإكليروس العلمانيّ. وهناك أخيرًا رهبان كهنة. وفي غالبية الرهبانيّات الكبرى يوجد رهبان كهنة ورهبان إخوة على السَّواء.

 

الدّعوة الكهنوتيّة

 

 الكاهن في الرعيّة

  عندما يدخل شاب إلى الإكليريكيّة، فهو يطلب بطبيعة الحال من أسقفه أن يقبله في الحياة الكهنوتيّة. فدعوته تتطلّب القيام بوظيفة يشغل فيها الكهنوت مكانة جوهريّة، بحيث لا يمكننا أن نتصوّر كاهن رعيّة بدون كهنوت. فالدّعوة إلى الإكليروس العلمانيّ تهدف في الأساس إلى الخدمة في الرعيّة، وفي الأبرشيّة، وفي جماعة مسيحيّة معيّنة، ومنطقة محدَّدة.

ويتطلّع الكاهن العلمانيّ إلى أن يكون مسؤولًا عن النفوس، راعيًا وخوري رعيّة. فهو يربط هذا القطيع المؤتمن عليه بالكنيسة من طريق  كهنوته، بإقامة القدّاس على نيّته، وبتعليم شعبه، ومنحه الأسرار، فيساعد بالتالي كلّ مؤمن على النموّ في الإيمان والرّجاء والمحبّة. ويسهر خوري الرعيّة على المؤمنين المكلّف بهم، ويحرص على ألّا يقصّر أحد منهم بواجباته، بل أن يكون جميعهم متّحدين في تناول جسد المسيح، يشهدون للمسيح بمحبّة بعضهم لبعض.

 

فكاهن الرعيّة لا يسعى إلى الحفاظ على الحياة المسيحيّة فحسب، بل يسعى لكيّ تشع أيضًا أمام غير المسيحيّين. فالخوري يقوم هكذا بمهنة أيّ بخدمة حقيقيّة، وهذه المهنة هي وظيفة سامية وجميلة جدًا، يتلقّاها بتفويض من أسقفه. فهو في رعيّته، كالأسقف في أبرشيَّته، الوثاق المنظور الذي يرتبط به قطيعه الصغير بالكنيسة المنتشرة في أربعة أقطار العالم. إنّه الوسيط المنظور بين الله والبشر وكهنوته هو وظيفته، وهذه الوظيفة هي بالنسبة إليه مصدر تقديس وإشعاع.

فالقيام بالأفعال الأسراريّة (كالتعميد وسماع الاعترافات والقيام بالذبيحة الإلهيّة...) والاهتمام بمجموعة من المؤمنين، هذا ما تقوم عليه بشكلٍ عامّ دعوة الإكليروس العلمانيّ، وهي تتميّز بانجذاب واضح نحو الحياة الرعويّة ونشاطاتها الخاصّة.

 

 

الدّعوة الرهبانيّة

 إنّ الحياة الرهبانيّة في الإكليروس الرهبانيّ تتركّز على الشهادة للكمال: "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي هو كامل"، بمعنى أظهروا للبشر، سواء أكانوا مؤمنين، كيف يعيش المسيحيّ: إنّه يعيش في العالم وهو ما عاد من العالم. لذلك ينذر الرّاهب النذور الرهبانيّة الثلاثة، وهي نذور تربطه بالله ارتباطًا وثيقًا.

 

 فنذر العفّة الكاملة هو استباق لما سنكون عليه في الملكوت السماويّ.

ونذر الفقر هو التجرّد عن الخيرات الماديّة والروحيّة.

ونذر الطاعة يجعل الرّاهب على مثال المسيح الذي أطاع حتى الموت، موت الصّليب. فالدّعوة إلى الحياة الرهبانيّة تتجلّى بالرغبة في الاقتداء بيسوع المسيح، وفي اتّباعه بدون شرط إلى حيث يريد هو، وكما يريد.

 

 

الحياة الرهبانيّة لا تقتضي الكهنوت

نلاحظ أوّلًا أنّ الدّعوة الرهبانيّة لا تتضمّن ضرورة الكهنوت. فالرّهبان الكهنة كانوا في البدء قلّة، ذلك لأنّ الكهنوت بالنسبة إلى الرّاهب ليس إلّا نداءً إلى مزيد من الخدمة الجيّدة والشهادة الصحيحة.

 

بالإضافة إلى ذلك، فالدّعوة الرهبانيّة هي في جوهرها رسوليّة. فعندما يُقبل شاب في جمعيّة رهبانيّة، ليس له مبدئيًا أيّ حقّ في الكهنوت. ولا يشعر بأيّ انجذاب نحو الكهنوت حتى وإن توافر لديه ما يلزم كالعلم والصحّة والقداسة، فهو مدعو ليكون راهبًا أخًا، وسوف يقبل على هذا الأساس. أمّا إذا كان يتطلّع إلى الكهنوت في الحياة الرهبانيّة، فيترتّب قبوله في الكهنوت على مدى إخلاصه للحياة الرهبانيّة. فالراهب لا يُمنح الكهنوت إلّا ليكون راهبًا أفضل، وهو لن يصبح حقًا كاهنًا إلّا بمقدار ما يصبح راهبًا مثاليًا. وإن الطالب الإكليريكيّ مدعو إلى القيام بوظيفة معيّنة في خدمة الرعيّة، أمّا الراهب فهو مدعو ليشهد للملكوت وليكون مسيحيًّا كاملًا. وسواء أكان الرّاهب يعيش عيشة نسكيّة تأمليّة أم كان حبيسًا في دير محصّن، فالدّعوة الرهبانيّة هي في جوهرها رسوليّة جامعة، إذ إنّ ما يتوخّاه من خلال حياته هذه إنّما هو دفع عجلة الملكوت، شاهدًا أنّ الملكوت بدأ يتحقّق على هذه الأرض.

 

والكهنوت هو قمّة الحياة الرهبانيّة، ذلك لأنّ كهنوت الراهب يندرج في هذا الخط الرّسوليّ. فالشهادة الرسوليّة تكتمل وتكتسب أبعادها كلّها بواسطة الكهنوت، وبتقدمة ذبيحة القدّاس على نيّة العالم أجمع. فالكاهن هو إنسان شامل، للكون أجمع، وتقوم مهمّته على نشر ديانة يسوع المسيح. ونستطيع أن نقول إنّه بمفرده يمثل الكنيسة جمعاء. ولذلك غالبًا ما يتطلّع الرّاهب إلى أن يصبح كاهنًا.

 

 

الدّعوة الإرساليّة

 وهذا ما يفسّر لنا أيضًا كيف أنّ الدّعوة الإرساليّة، وهي دعوة إلى الشهادة الحياتيّة، هي في أغلب الأحيان دعوة رهبانيّة. فالجمعيّات الرهبانيّة هي التي تؤسّس الكنيسة في البلدان غير المسيحيّة. وعندما تترسخ الجماعة المسيحيّة الناشئة في الإيمان، تترك هذه الجمعيّات المكان للإكليروس العلمانيّ المنبثق من تلك الجماعة، وتنطلق حاملة الشهادة إلى مكان آخر.

 

الدّعوة والمهنة

ففي ضوء ما قلناه عن الدّعوة، يسهل علينا أن نرى العلاقة بين العمل من ناحية، ودعوة كلّ إنسان من ناحية أخرى. فضرورة العمل لتأمين معيشته، تصبح خدمة للبشر بالنسبة إلى الرّجل الذي تلقّى دعوة الله ودعوة الكنيسة. قال القدّيس أغوسطينوس: "إذا كنت تحبّ فلن تشعر بالتعب، وإذا اعتراك التعب فسوف تحبّ التعب". وعليه يتغيّر وجه العمل في ضوء الدّعوة. وهذا ما تعبّر عنه لفظة "مهنة". فهي تعني أصلًا الخدمة. فالمهنة هي إذًا أوّلًا خدمة، لا خدمة العبد، بل خدمة الابن والزوج والأب.

 

عمل خوري الرعيّة

فالكاهن الذي يعمل طوال سنين عديدة كخوري رعيّة في المدينة أو في القرى، يمارس في الواقع "مهنته" الكهنوتيّة في خدمة الكنيسة. فهو يخدم المؤمنين بمنحهم الأسرار وتعليمهم التعليم المسيحيّ وجمع شملهم. هذا هو عمله وواجبه، وهو يعيش منه ماديًا وروحيًا.

 

عمل الرّاهب

والرّاهب في خدمة الكنيسة يشهد أمام الناس كيف يكون العمل بدافع الحبّ. ويجب ألّا ننسى أنّ أكثر المشاريع الإرساليّة نجاحًا، قد بدأت هكذا. فالرّهبان الوافدون إلى بلد وثنيّ كانوا يباشرون العمل قبل أن يباشروا الكرازة والوعظ. وكان الوثنيّون يرون كيف يعمل هؤلاء ممّا كان يحملهم على طرح السؤال الدينيّ على أنفسهم. وهذا ما فعله في أوروبا رهبان القدّيس مبارك البندكتانيّون، وفي الصين الرّهبان اليسوعيّون.

 

عمل الأزواج

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأزواج المسيحيِّين. فعمل الرجل والمرأة في الزواج يصبح مهنة حقيقيّة وخدمة؛ ليس خدمة البيت الزوجيّ فقط لتأمين معيشته وتوازنه واستمراريّته، بل أيضًا خدمة المجتمع.

 

فكما أنّ المسيح يتواجد في المجتمع بواسطة الكنيسة، وينجز عن طريقها عمله الخلاصيّ، كذلك الزوجان المسيحيّان باتّحادهما الواحد بالآخر يندمجان في البشريّة ويقومان فيها بدورهما الإنسانيّ، إذ إنّهما مدعوّان ليهبا الحياة عن طريق الحبّ والعطاء.

 

 فانتظار الأولاد أوّلًا، ثمّ وجودهما في العائلة وفي المجتمع يحولان دون انكفاء الزوجين على نفسيهما في أنانيّة بين إثنين، ويساعدانهما على الانفتاح على الآخرين. حينئذٍ يصبح عمل الزوج في المجتمع شهادة حبّ، يعبّر فيها للعالم عن هذه الحقيقة الخفيّة في اتّحاد الرجل والمرأة على أنّه علامة حياة وخلاص للبشريّة.

 وحيث تسعى العائلة المسيحيّة أن تعيش في الإيمان والحبّ، وحيث ستقبل الزوجة زوجها بفرح ونزاهة على أمل أن تعطي الحياة، وحيث يقترب الزوج من زوجته في الإيمان بحبّ يعطي الحياة، إذاك يصبح عمل الرجل والمرأة "مهنة" وخدمة لكي يؤمن بقيّة الرّجال والنساء أيضًا بعظمة مهمتهم وأعمالهم.

 

 

المسيحيّ، في كلّ دعوة، هو شاهد للمسيح

وهكذا يرتبط دور المسيحيّ في المجتمع ارتباطًا وثيقًا بدوره كشاهد للمسيح، سواء أكان ذلك في الحياة الرهبانيّة أم في الزواج. فاتّحاد الرّاهب بالمسيح، واتّحاد الزوجين الواحد بالآخر على أنّه علامة لاتّحاد المسيح بالكنيسة، هما أساس عمل الرّاهب والمتزوجين في العالم. فلا يوجد ولا يمكن أن يوجد في ذلك أيّ تعارض. ففي الحالتين يشهد الرّاهب والزوجان لحبِّ المسيح ويحوّلون العناء اليوميّ إلى "مهنة" وإلى خدمة الناس. أمّا دور خوري الرعيّة الكهنوتيّ فيقوم، على غرار دور ذوي السّلطة في الكنيسة، على إحياء دعوة المسيحيّ تلك، وعلى التذكير بها وعلى تكريسها بفعل الأسرار والكرازة. ومهمّته هذه أي خدمته تقوم على جمع المدعوّين كلّهم في كنيسة واحدة، هي جسد المسيح.

 

الإخلاص للدّعوة يقتضي التفوّق على الذات

إنّ المبادرة في الدّعوة تصدر عن المسيح: "دعا الذين أرادهم" (مرقس 3، 13)، وقال أيضًا: "لم تختاروني أنتم، بل أنا الذي اخترتكم" (يو 15، 16). والدور الذي يضطلع به المسيحيّ نفسه يقوم على التجاوب المخلص مع هذه الدّعوة، وذلك يتطلّب دومًا شجاعة كبيرة.

 

والأناجيل المتوازية تبيّن لنا ذلك، في رواياتها لقصّة الشاب الغنيّ. فهذا الشاب يريد أن يحصل على الحياة الأبديّة. فهو يمارس الوصايا بإخلاص تام، ولكنّه يشعر أنّ شيئًا ما زال ينقصه. فذهب إلى مقابلة يسوع مستفسرًا. وقد كشفت تلك المبادرة عن قلب طاهر سخيّ، واسترعت انتباه يسوع، فأحبّه: "فحدّق إليه يسوع، فأحبّه" (مرقس 10، 20). ولأنّه أحبّه، أراد يسوع أن يحمله على اتّباعه، فقال له: "إذهب، فبع ما تملك وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال فاتبعني" (مرقس 10، 21). ولكن الشاب كان غنيًا جدًا، والتضحية التي طلبها منه يسوع كانت كبيرة، فلم يستطع أن يتحمّلها.

 

لقد كانت حياته حتى ذلك الحين حياة طاهرة تستحق كلّ ثناء. فكان مخلصًا للوصايا، وفيًا لها. ولكن وللمرّة الأولى لمّا طُلب منه تضحية كبيرة، انسحب على الرّغم من رغبته في أن يحسّن حياته، وقفل راجعًا حزينًا. فلم يرد أن يتفوّق على ذاته ليلتحق بيسوع.

 

مسؤوليّة المدعوّ

إنّ من يدعوه الله، وغالبًا ما يكون على الرّغم منه، يقع في وضع مأساويّ. فإمّا أن يقبل الدّعوة وهذا يعني الألم وحمل الصّليب، وإمّا أن يرفض، وهذا يعني  في نظره الانحدار. ذلك لأنّ من يرفض الصّعود إلى درجة أعلى، لا يستطيع أن يحافظ على الدرجة التي توصّل إليها، فينحدر إلى أسفل. ومن يتسلّم وزنات ولا يستثمرها، لا يمكنه أن يقول لسيّده: "أردّ لك وزناتك فإني لم ألحق بها ضررًا". كلّا، فالسيّد سوف يطلق على الخادم الكسلان حكمًا قاسيًا.

 

أجل، ليس الكمال أمرًا إلزاميًا على الجميع تحت طائلة الهلاك الأبديّ. ولكن مَن يرفض دعوة أكيدة من الرَّبّ، يُعرّض خلاصه الأبديّ للخطر. وبالإضافة إلى ذلك، تقع عليه مسؤوليّة جسيمة. ليس الربّ "بمفرده" يعتمد على جوابه، بل الكنيسة جمعاء تدعوه في المسيح، وسوف تتألّم لتخلّفه. فمسيرة الملكوت تتعرّض للخطر بسبب خطأ شخص واحد، لا سيّما إذا ما كان الأمر متعلّقًا بالدعوة.

 

                                                              

                                         الأب فيكتور شلحت اليسوعي