المصالحة مع الآخرين بين النزاع والمجتمع

 

 

المصالحة مع الآخرين بين  النزاع والمجتمع

 

 

 

المصالحة مع الآخرين بين  النزاع والمجتمع

 

 

1ـ طرح المشكلة

لا يجوز الخلط بين النزاع والخطيئة. سبق لنا أن قلنا بأنّ الحياة لا تخلو من النزاع. كلّما صغُر المجتمع، اشتدّت العلاقات وكان النزاع أليمًا وبقي مع ذلك لا مفرّ منه. إنّ الزوجَين هم أصغر وحدة اجتماعيّة، فلا عجب أن يكون مكان نزاعات تولّد كثيرًا من العذابات.

إنّ المسألة الحقيقيّة هي هذه: هل النزاع سيولّد الموت أم سيؤدّي إلى ولادة جديدة؟ إنّ كلّ مسعى مصالحة يختار العرض الثاني. لكنّ الأمور ليست سهلة، لأنّ النزاع يجرّنا عادة إلى إنكار الآخر.

فالمصالحة تمرّ عندئذ بثلاث مراحل:

ـ أن نكتشف أنّ الآخر موجود، هي المرحلة الأولى. في أيّامنا يعالج الطرف الأوّل كثيرًا من النزاعات الدوليّة، كما لو كان الطرف الآخر غير موجود، وأحيانًا ما تستخدم بعض المجموعات اللجوء إلى الإرهاب وكأنّه الوسيلة الأخيرة للدلالة على وجودها.

ـ أن نكتشف الآخر مختلفًا عنّا، وهي المرحلة الثانية. ذلك بأنّ هناك طريقة حقيقيّة لقتل الآخر، وهي أن نريده شبيهًا بنا. يغيب كلّ نزاع ممكن، ولكن يغيب "الآخر".

ـ وأخيرًا أن نكتشف أنّ الفرق هو غنى، وكثيرًا ما يكون هذا صعبًا. ومع ذلك، لا مشاركة إلّا في قبول الغيريّة والتكامل.

 

 

لا عجب أن يتطلّب حلّ النزاع وقتًا طويلًا.

2ـ وضع المشكلة الحاليّ

كلّ جيل يمرّ بنزاعات مختلفة. فإنّ صعوبة "الكيان معًا" تتوقّف على العديد من العوامل التاريخيّة والجغرافيّة والنفسيّة والثقافيّة. وفي زمننا ومحيطنا، نكتشف بلا مشقّة مصادر مألوفة لإنكار الآخر. ونشاهد ظهور عنصريّة متجدّدة. فالصعوبات الاقتصاديّة تؤدّي إلى منافسات ومطالبات صنفيّة. فنشارك في قطائع تصدر عن انقسام عالمنا إلى شرق وغرب، إلى شمال وجنوب، إلى بلدان غنيّة وبلدان نامية، يجهل الناس بعضهم بعضًا، ويتحاربون وينكرون بعضهم بعضًا. هذا وإنّ يوحنّا بولس الثاني، في رسالته البابويّة في "مشاكل المجتمع" (30/ 12 / 1987) لا يخشى أن يتحدّث، لهذه المناسبة، عن "بُنى خطيئة".

 

 

3ـ أيٌ هو إلهنا؟

خلق الله الإنسان على صورته كمثاله. وهذا يطبّق على كلّ إنسان، أيًّا كان عِرقه أو درجة نموّه. إنّ ذلك ما هو مصدر احترام الآخر، وليس اختلاف الناس إلّا صورة لغنى الله.

إلهنا هو إله العهد. ومَن تكلّم على العهد تكلّم على الشركة، ولقد أراد الله هذه الشركة بين نفسه والإنسان، أرادها بين الرجل والمرأة. وهو يدعونا إلى أن نعيشها بيننا. فالعهد هو دائمًا مكان المصالحات الضروريّة.

إلهنا هو إله يسوع المسيح، "البارّ المتألّم". إنّ العنف يجرّ العنف. وفي عالمنا تجيب القنابل للقنابل، وهذا ما يبقى حقيقيًّا، بطريقة أقلّ ظهورًا، في حياتنا كلّ يوم. يجب تحطيم ذلك الارتباط. هذا ما فعله يسوع: "على الصليب قضى على البغض، وهو يخاطب الله فيقول: "أبتِ، اغفر لهم، لأنّهم لا يعلمون ما يفعلون" (لو 23/ 34).

أن نعيش العهد و الغفران، هذان هما مصدرا الحياة اللذان يعارضان النزاعات اليوميّة. هذا ما يدعونا إليه سرّ المصالحة.

 

 

4- جماعات غفران

منذ البداية، أرادت الجماعات المسيحيّة أن تكون جماعات غفران. وهذا مرسوم في رسالة الإنجيل، حتّى إنّ الصلاة الربّيّة تعلّمنا أن نقول: "اعفنا ممّا علينا، فقد أعفينا نحن أيضًا مَن لنا عليه".

في أيّامنا، لا تكتفي الكنيسة بأن تعيش سرّ المصالحة في أثناء الليترجيّة، بل إنّها، باسم الإيمان، ونظرًا إلى اكتشافها الله، تدعو المسيحيّين إلى الشهادة.

ـ بأنّ الإنسان يجد مكانًا تولَد فيه حرّيّته

ـ بأنّ الإنسان يستطيع أن يكون مسؤولًا، من دون أن يحطّمه ذنبه

ـ بأنّ "الآخر" ليس هو خطرًا، بل غنى.

" فدنا بطرس من يسوع وقال له:

يا ربّ، كم مرّة يخطأ إليَّ أخي وأغفر له؟

أسبع مرّات؟ فقال له يسوع: لا أقول لك

سبع مرّات، بل سبعين مرّة سبع مرّات" (متّى 18/ 21 ـ 22)

 

                                                     فيليب بِيغِري

                                                     كلود دُوشِينُو