المصالحة مع العالم بين الحرّيّة أو المصير

 

 

المصالحة مع العالم بين الحرّيّة أو المصير

 

المصالحة مع العالم بين الحرّيّة أو المصير

 

إنّ العلاقات بالعالم والنفس والآخرين هي الوساطات الثلاث التي تمكّننا أن نعيش علاقتنا بالله. سنحاول أن نبيّن بإيجاز

ـ كيف تُطرح المشكلة

ـ ما هي وضعها الحاليّ

ـ أي وجه من الوجوه الوحي الكتابيّ يلازمها.

 

يرى كارل يونْكْ أنّ الوعي والحضارة مرتبطان. فالوعي هو خلّاق الثقافة. يتحرّك في العمق شبه مؤمن بالإنسان، تميل البشريّة إلى الخروج من اللاوعي. إنّ الإنسان الواعي هو الذي يستولي على الأرض. والحال أنّ عمل الإصلاحَين البروتستانتيّ والإصلاح المضادّ الكاثوليكيّ) قد ولَّد، بكلّ وضوح وبوجه كثيف وإلى درجة لم يوصَل إليها من قبلُ، مزيدًا من الوعي ونموًّا كبيرًا للشعور بالمسؤوليّة. كتب كارل يونْكْ: "ما من أمر من شأنه أن يولّد الوعي والتيقّظ أكثر من عدم الاتّفاق مع النفس. لا يمكننا أن نتصوّر على الإطلاق وسيلة أكثر قدرة على إخراج البشريّة من نصف سبات خالٍ من المسؤوليّة". إذا كان كارل يونْكْ على حقّ، فإنّ الإشعار بالذنب عن يد الدين المسيحيّ يكون قد أفاد الحضارة الغربيّة (Jean Delumeau).

إنّ هذا النص يكشف عن قيمة بعض رهانات سرّ المصالحة. قيل إنّ الحضارة الغربيّة وُلدت من كرسي الاعتراف، لأنّه يعلّم الإنسان أن يلقي نظرة على حياته وأن يقيّم نصيبه من المسؤوليّة، شرط أن يقبل بأن لا يكون مجرَّد لعبة بين يدي مصير يتجاوزه. يجب الاعتراف بوجود حرّيّتنا.

 

 

1ـ طَرْح المشكلة

هل نحن كائنات سبق أن كُتبت حياتهم كلّها أم هو يتمتّعون بإمكانيّة إبداع شخصيّ، في داخل الإطار الذي ُضعوا فيه؟

 

 إنّ اختبارنا الأوّل هو اختبار وصول إلى عالم لم نصنعه. فإنّنا نولد في بلد ومنطقة ونتكلّم لغة والدينا. لا نُعطي أنفسنا إطار وجودنا. ومع ذلك، في داخل هذا الإطار نجتهد في أن نصبح أنفسنا. ولا نستطيع أن نعمل ذلك إلّا بفضل مفاوضة دائمة بين رغبتنا في أن نكون والحدود التي نتدرّب فيها.

 

أحيانًا ما ينتهي بنا الأمر إلى اعتبار محيطنا والعالم عنصرًا معاديًا. وقد يجرّ ذلك رفضًا من قِبَلِنا، يكون موقّتًا عند بعضنا، في حين أنّ بعضنا الآخر يُغلقون على كيانهم في تلك المقاومة لكّل ما يحيط بهم، وفي حين أنّ بعضنا الآخر يرفضون الصراع فيُسحقوَن لأنّهم يستسلمون. ولا يفوهون إلّا بعبارة "ما الفائدة"؟

 

وأمام المشاكل التي يطرحها سوء التنمية، لا نستغرب أن يحتاج بعض الناس إلى الشجاعة لكي ينهضوا وينتصبوا، في مقاومة ظروف تحيط بهم من جميع الجهات. فنرى أهميّة ما قاله يونْغ: "إنّ الإنسان الواعي هو الذي يستولي على الأرض".

 

ففي العالم الذي نعيش فيه، هل يجب علينا أن ننتظر مكتوفي الأيدي أم نرى أنّنا نستطيع دائمًا أن نعمل شيئًا؟ إنّ رسالة الإنجيل التي ينقلها سرّ المصالحة تحمل وعيًا، فإنّها تجعل الإنسان مسؤولًا "وتوقفه على رجليه".

 

2ـ وضع المشكلة الحاليّ

 

يبدو أنّ تقدّم العلم من شأنه أن يزيد إمكانيّات الحرّيّة. فإنّ الإنسان يتحرّر من المكان والزمان ويرفع درجة سرعة تنقّلاته، وهو قادر على التحرّر من الجاذبيّة الأرضيّة. إنّ السيطرة على الفضاء ما أجمل صورتها لإظهار تقدّم الحرّيّة!

 

ولكنّنا، بالتوازي لتلك الحرّيّات الجديدة، نشعر أحيانًا بأنّ مجال الحرّيّة الباطنيّة يضيق. أفلم يكن الراعي في جبال البيرينيه أكثر حرّيّة من عامل السلسة في أحد المصانع؟ إنّ العلوم الإنسانيّة تدوّخنا. فالتحليل النفسانيّ يزيح الستار عن التأثيرات التي رسمت لاوعينا. إنّ علم الوراثة يشعر بأنّه قادر على تلاعب التناسليّة. وتقنيّات الدعاية وغسل الدماغ تصنع إنسانًا آليًّا.

فما هو "الإنسان" الواقف على رجليه؟ وكيف يمكننا أن نكتسب الحرّيّة الحقيقيّة؟ كتب أحد أسرى الحرب كان في زنزانة أصغر من طاولة: "إذا لم أمس مجنونًا، فلأنّي حاولتُ، في ذلك الوقت، أن أكتب الإنجيل عن ذاكرتي". أفليس هذا الرجل يأخذ على عاتقه حياته ويكتسب حرّيّته؟

 

3ـ أيٌّ هو إلهنا؟

إنّ للوحي الإلهيّ، في الكتاب المقدّس، يُغيث شكوكنا وخوفنا ليساعدنا على اكتشاف حقل حرّيّاتنا.

ـ يكلّمنا أوّلًا على الإله الذي يدعو، كما دعا إبراهيم وموسى وداود والأنبياء... وهذه الدعوة تُبلَّغ في علاقة شخصيّة، أفليس في ذلك اعتراف بحريّة المخاطب؟ لكلّ واحد طريقته في الجواب، وله أيضًا حرّيّة الرفض. لا نجد إنسانًا آليًّا بين شخصيّات الكتاب المقدّس.

 

ـ والله يدعو إلى الكيان: "لِنَصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا": هذا ما قاله الله في الفصل الأوّل من سفر التكوين. ومنذ مطلع العهد القديم، يوصف الإنسان بأنّه سيُسيطر على الخليقة. أفليس هو أيضًا  خالقًا على صورة الله؟ وأمّا بقيّة العالم فإنّها لم تعد مؤلَّهة، فاقدةً سلطتها الظالمة الحرّيّة. لم يعد هذا العالم إلّا الجنّة التي أصبح الإنسان حارثها (تك 2/ 15). ممّا يحيط بالإنسان هو الله. إنّه تحرير الأوثان الكامل التي لا نتردّد في صنعها.

 

لقد اختبرنا ذلك ـ كم نحن نستطيع أن نشهد بأنّنا نعرف أشخاصًا تقبّلوا دعوة الإنجيل، مع أنّ كثيرين حولهم كانوا يشكّون بقدرتهم على أن يصبحوا بشرًا حقًّا! فإنّ الإنجيل أوقفهم على أرجلهم: "فإذا كان أحد في المسيح، فإنّه خلق جديد. قد زالت الأشياء القديمة وها قد جاءت أشياء جديدة. وهذا كلّه من الله الذي صالحنا معه" (2 قور 5/ 17).

 

ـ يدعو إلى خدمة الآخرين. إنّ الله يعهد بمهمَّة. فالإنسان لا تُحصر سلطته في تغيير مصيره الفرديّ، بل يصبح فاعلًا في تطوّر العالم والمجتمع. قال الله لموسى: "إنّي قد رأيتُ مذلّة شعبي وسمعتُ صراخه وعلمتُ بآلامه... فالآن اذهب أُرسلك، أخرج شعبي" (خر 3/ 7).

 

إنّ الرواية الأولى التي تتحدّث عن الغفران، في إنجيل مرقس، هي رواية شفاء مقعد في كفرناحوم. وهو يتمّ كعمل ليتورجيّ: فالجمع محتشد ويسوع "يعلن الكلمة". أتوه برجل على سرير فقال يسوع: "غُفرت لك خطاياك". وأضاف: "قم وامشِ". ما أروع هذه الصورة! في نظر التلاميذ الأوّلين، فإنّ رجلًا شُفي، رجلًا غُفرت له خطاياه، فهو رجل واقف على رجليه.

 

في أيّامنا أيضًا، فإنّ الجماعة المسيحيّة هي "سرّ خلاص"، فإنّها تكشف عن وجه إله المصالحة، كلّ مرّة تُوقِف إنسانًا على رجليه. وهي تولّد الحرّيّة، حين تجعل حياة الإنسان في أجواء دعوة الله، لا في أجواء الشريعة والوصايا فقط. تولّد الحرّيّة، حين تلتزم لكرامة الإنسان مقاومة مخيَّمات العمل، وحين تصارع في سبيل التنمية. إنّ الكنيسة تواصل عمل الربّ.

 

 

                                                     فيليب بِيغِري

                                                     كلود دُوشِينُو