المناسك الأولى

 

 

 المناسك الأولى

 

المناسك الأولى

 

إنّ الحديث عن أصول الترهّب في سوريّا هو كالدّخول في غابةٍ لا مخرج لها. وتكمن الصعوبة في قلّة عدد المهتمّين بهذا الموضوع وقلّة الوثائق التاريخيّة التي وصلتنا. ونحن مثل باقي الدّارسين طرحنا السّؤال التالي: "متى ظهر النظام الرّهبانيّ في سوريّا"؟

 

من المؤكّد أنّ الحياة الرّهبانيّة قد بدأت بالمتعبّدين، تلاهم النسّاك وخُتمت بالرّهبان. يُخبر كسيانُس أنّ الرّاهب يوحنّا، تلميذ بولس، من الدّير القريب في "بَنافِيزي" في مصر، كان يعلن ذاته غير جدير أن يمارس حياة العزلة، بدون أن ينفي صعوبة الحياة المشتركة. وهو يعرض مخاطر الحياتَين  والمجازفات التي يجابهها مَن يكرّس نفسه للحياة النسكيّة بدون أن يكون قد تطهّر في بوتقة الحياة المشتركة. وكان يقول أيضًا إنّ الرّهبان بافنوسيوس والمَدعُوَّين مكاريوس، كانوا قد عرفوا أن يوحّدوا احتمال العزلة الرّهيبة، مع الصّبر الشّاسع العطف، بسبب ضعف الإخوة.

ونحن، بعد أن زرنا تقريبًا جميع المناسك والأديار، في المنطقة الأنطاكيّة، قبل أن نبدأ هذا العمل، نؤمن بصعوبات الحياة النسكيّة والحياة المشتركة، لن نُعطي قرّاءنا أجوبةً هروبيّة.

سنعود إلى بدء التاريخ الذي جرى تأكيده. بعدها سنسترشد بعلم الآثار لنتعرّف على أقدام المناسك والمنشآت الرهبانيّة، وسنسعى لمعرفة البيئة الريفيّة، لنرى إذا كان لدى النسّاك إمكانيّة العيش بحسب التنسّك الرهبانيّ.

 

كان لدى المناسك الأولى في المنطقة الأنطاكيّة التي افتتحها أميانوس في تِلِّعده ومريانوس في ترمانين، وثوضوسيوس في روسّوس، وباسّوس في دير سمعان رغبةٌ واحدة، وهي الوصول إلى الهدف الذي من أجله تخلّوا عن كلّ شيء: وهو تطهير النفس بإماتة الجسد وتسبيح الخالق، وأخيرًا لكي يكونوا نبراسًا للإخوة بمثلهم الصّالح كي يرشدوهم إلى  طريق الفردوس.

 

 وفي الأبراج كان الناسك وتلميذه يعملان وهما يصليّان ويصنعان الحصر والسِّلال في ضوء القنديل ليؤمّنا حاجاتهما لمعيشتهما اليوميّة، وكانا ينهضان عند انبلاج الفجر مع يقظة الفلّاحين المجاورين.

في أحد الأيّام سأل بعض المؤمنين أحد النسّاك: "ما هو الخير الذي جنيتَه من الحياة التي اخترتها؟ أجابه الرّاهب: "لقد حصلت على أربعة مكاسب عظيمة: المكسب الأوّل هو إنّي أعرف أنّ الله لن يتركني بدون غذاء؛ الثاني أنّي أعرف بأنّي سأموت وأنتظر ذلك اليوم بشوق؛ والثالث أُدرك أنّ عليّ واجبات وأنا أؤدّي واجباتي تلك؛ ورابعًا إنّ الله يراني حيثما كنتُ وأنا أتجنّب القيام بأي عمل لا يرضيه".

من كرّس حياته لخدمة الله والقريب يكسب تلك الحكمة. ونحن نبحث عن أوّل الرّهبان الذين كرّسوا حياتهم لله ليكتسبوا تلك الحكمة التي تقود الإنسان إلى الفردوس.

 

إنّ المصادر التي ستساعدنا على معرفة أولئك الحكماء هي التالية.

أ ـ تاريخ الحياة الرهبانيّة

ب ـ التقليد

ج ـ المدافعون عن الإيمان

د ـ البيئة الريفيّة والملاجئ الأولى

 

سوف نستخلص من هذه المصادر النتائج الواجبة؛ وسنعيد النظر فيها، وكلّ تاريخ ناتجٍ، سواء أكان أكيدًا أم محتملًا، سيكوّن حجرًا أساسيًّا مفيدًا في إعادة الترتيب تاريخيًّا لبدايات الحياة الرّهبانيّة السوريّة.

 

أ ـ كورونولوجيا  (الترتيب الزمني)

1ـ دير قصر البنات سنة 418 ـ 420

رغم أنّ تأسيس دير قصر البنات جاء متأخّرًا نسبيًّا، ولكنّنا نعتبره حجر أساس في تاريخ الترهّب في سوريّا، لأنّه الدير الوحيد في سوريّا الشماليّة الذي يزوّدنا بتاريخ أكيد عن الحياة الرهبانيّة.

يقع الدير إلى جانب الطريق الرومانيّة التي تربط أنطاكية عاصمة سوريّا آنئذٍ بمدينة خلقيس (قنّسرين) المركز الرئيسيّ للكتلة "الكلسيّة" Calcide والمركز العسكريّ الرئيسيّ على الحدود الشرقيّة للأمبراطوريّة البيزنطيّة. ويمكن رؤية أطلال الدير في نقطة عبور الحدود السوريّة عند باب الهوا.

لقد عرف الدّارسون تاريخ الدير من الكتابة اليونانيّة المحفورة على دعامة القوس في الجهّة الجنوبيّة الشرقيّة لكنيسة الدير. وهي تخبرنا بأنّ المهندس السوريّ مرقيانوس كِيرِيس قد بنى الكنيسة الملحقة بذلك الدير لنذر مقدّم. وقد توفّي المعمار قبل انتهاء الأعمال بعام واحد، وبما أنّه راهب  ومحسنٌ كبيرٌ كان له الامتياز بأن يُدفن في الكنيسة، ولكن ليس عند الحنّية، كما يترجم لنا ذلك لاسّوس تحت القوس الجنوبيّ الشرقيّ من الرّواق الجنوبيّ ذي الأعمدة. فالكلمة اليونانيّة apsis علاوة على معناها "حنّية" فهي تعني  أيضًا قوس أو أروقة ذات أقواس.

2 ـ عام 387

نعلم من خطابات القدّيس يوحنّا الذهبّي الفمّ، ومن كتاب الأسقف ثيودوريطس "تاريخ الرّهبان السوريّون"، أنّ الأمبراطور تيودوسيوس فرض في ذلك العامّ ضرائب جديدة على سكّان مدينة أنطاكيّة، ممّا أدّى إلى استفزاز الشّعب الفقير نتيجة لذلك، وجعلهم يثورون ويحطّمون تماثيل الأمبراطور والأمبراطورة، وقد اعتبر ذلك الجرم من الدّرجة الأولى بحقّ العائلة الملكيّة، ويستوجب عقوبة صارمة، ممّا جعل الجميع يفكّرون بعواقب ذاك العمل. فقرّر الأغنياء مغادرة أنطاكية واللّجوء إلى الريف القريب من المدينة، بينما اضطرّ الفقراء مرغمين على البقاء في المدينة، لعدم امتلاكهم الأراضي، ولعجزهم عن استئجار أمكنة يأوون إليها. في تلك الظروف الصّعبة، فكّر الأسقف فلافيانوس وبعض أعيان المدينة أنّ أفضل ما يقومون به، هو التوجّه إلى القسطنطينيّة والتوسّل إلى الأمبراطور، لكي يسامحهم عن تلك الإساءة. ويخبرنا القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم وثيودوريطس  بأنّه بين الرّهبان الذين كانوا يعيشون على جبل سيلبيوس النّاسك مقدونيوس، وهو يتميّز بالغيرة والجرأة ولديه معارف من كبار الضبّاط في الجيش، أبلغ هؤلاء الضبّاط ليخبروا الأمبراطور بأنّه لا يحلّ لأحدٍ أن يقتل نفسًا بشريّة.

3 ـ الفترة حولى عام 386

هي الفترة التي رُسم فيها يوحنّا الذهبيّ الفم شمّاسًا، وبدأ عظاته فيها، وقد قال في إحدى عظات الأحد بأنّ حياة الرّاهب كانت تتضمّن، إضافة إلى تلاوة المزامير، تأدية بعض الأعمال اليوميّة التي تتضمّن قطع الحطب وإشعال النار وإلى غير ذلك من الأعمال، وهذه كانت أعمالًا يقوم بها رهبان يسلكون حياة اعتياديّة في الدير. وبرغم عدم معرفتنا اسم ذلك الدير وموقعه، ولكن علينا أن نقرّ بوجوده بالقرب من المدينة عند أوّل مرتفعات سيلبيوس.

4 ـ عام 384

في اليوم الثالث والعشرين من نيسان من ذلك العام قدِمت الحاجّة الإسبانيّة إيجيريا إلى مكانٍ قريبٍ من مدينة "كارهاي أو كارياي" (تدعى اليوم حرّان في تركيّا، وتقع إلى الشمال من مدينة الدرباسيّة السوريّة)، وحضرت الاحتفالات الليتورجيّة التي كانت تقام ذلك اليوم في كنيسة الشهادة للقدّيس هلبيذيوس مع جمع كبير من الشّعب.

وبانتهاء الاحتفالات رافق أسقف المدينة إيجيريا في زيارتها لصوامع هؤلاء الرّهبان القدّيسين، التي بحسب روايتها كانت تتواجد قريبة من بعضها.

5 ـ الفترة بين 374 و 377

وصل القدّيس هيرونيمُس عام 374 إلى أنطاكية، وبعد استراحة  قصيرة، بدأ زيارة بعض الأديرة ومن بينها دير مارونيا الذي يبعد حوالي 30 كلم إلى الشّمال الشّرقيّ من أنطاكية حيث مارس الرّهبان فيه حياة النسك بإشراف أحد الآباء المكرّسين (رئيس الدير). وذهب عام 375 إلى صحراء خلقيس (قنّسرين) ليعيش العزلة فيها، حيث اعتزل مرقيانوس الذي كان يرعى شبابًا كثيرين، وقد اختار من بينهم البعض ليذهبوا إلى المنطقة الأفاميّة ويؤسّسوا فيها بعض الأديرة.

6 ـ عام 365

بحسب الدارسين، يُعتقد بأنّه في ذاك العامّ سلك الرّاهب أستيريوس، على مثال معلّمه يوليانوس، وأسّس دير جنديريس على بعد حوالي 40 كيلومترًا إلى الشّمال الشرقيّ من أنطاكية، ومع أكاكيوس، راهب من تلك الجماعة، إنتقل إلى "أُسْرُوِين" (منطقة منبج) لإقناع يوليانوس للمجيء إلى أنطاكية ورذل بحضوره البسيط، مقولات شبه الآريوسيّين، الذين كانوا يؤكّدون أنّ يوليانوس السّابق ذكره، كان قد تخلّى عن الإيمان النيقاويّ وانتقل إلى إيمانهم. وبحسب شِيفِيتْز Schiwietz فقد تمّ إنشاء دير جنديريس  بين عامي 335 ـ 340.

7ـ المرحلة بين الأعوام 325 و299

بحسب رواية ثيودوريطس كان القدّيس يعقوب النصيبينيّ (270 ـ 338)، قبل أن يُنتخب أسقفـًا على تلك المدينة، يعيش حياة نسكيّة في العراء في البراري ويأوي إلى مغارة، في أشهر الشتاء فقط.

8 ـ مرحلة سلالة ساويروس

يَروي لنا أوسابيوس القيصريّ في كتابه "التاريخ الكنسي" بأنّ نرسيس، أسقف أورشليم، وُشِيَ به من بعض الحاسدين. "ولعدم تمكّنه تحمّل تلك الشكاوى الشائنة، وإذ كان يتوق منذ وقتٍ بعيدٍ لتكريس حياته للفلسفة، فقد هجر سرًّا رعيّته وكنيسته، وعاش لسنوات عديدة في الصحاري والأماكن النائية".

وأغلب الظنّ أنّه ذهب ليعيش في منطقة "كالامون" Calamon، بين أريحا ونهر الأردنّ. يقول مترجم حياة القدّيس جراسيموس في صفحة 8 إنّه، وبحسب التقليد، يعود إلى حياة القدّيس شاريطون، "وقبل أن يتمّ تأسيس أوّل دير في بداية القرن الرابع، كان هناك نسّاك يعيشون في غور الكالامون على ضفاف نهر الأردنّ".

في هذه الحال، نُرجّح وجود المجموعات المكوّنة من النسّاك منذ منتصف القرن الثاني، ممّا يشير إلى وجود الحريّة الدينيّة.

 

ب القليد

حول العادات التي تتعلّق بالصّلاة والتوبة التي مارسها بعض المسيحيّين، يقول سوزومين، بأنّه "وبحسب رواية فيلون، إنّ المسيحيّين الذين اهتدوا من اليهوديّة في زمنه قد حافظوا على عادات اليهود".

 

ج ـ المدافعون

يحتلّ القدّيس يوستينوس مركزًا رفيعًا بين المدافعين، فقد وُلد في فلافيا نيابوليس (اليوم نابلس، في فلسطين). وتابع منذ شبابه مدارس الرواقيّين، والمشَّائين والبيثاغوريّين. وانتهى بأن يفيد من الفلسفة الأفلاطونيّة وعلى الإيمان المسيحيّ في عام 130. ذهب إلى روما حوالي عام 140 وافتتح مدرسة كان يعطي فيها دروسًا حول المسيحيّة. وفي الدفاع الأوّل الذي كتبه في دفاعه عن بعض المحكومين بالموت بسبب إيمانهم بالمسيح، يتحدّث عن الحياة التي يعيشها المسيحيّون ويدافع عن فضيلة العفّة فيقول "[نحن] ومن البداية إمّا نتزوّج لكي نربّي الأبناء وإمّا نعزف عن الزواج، فنعيش العفّة حتّى نهاية الحياة".

إنّ فكر أثيناغوراس المدافع الأتينيّ، في دفاعه عن المسيحيّين كان هذا: ليس الظروف الماديّة ما يدفع الرجل أو المرأة للعزوف عن الزواج، بل هو هدف وفق نظام روحيّ. يشير أوّلًا إلى سلوك الوثنيّين وإلى أعمال آلهتهم المشينة، ثمّ يتحدّث عن سلوك المسيحيّين قبل الزواج فيقول: "يمكنك أن ترى بيننا العديد من الرّجال والنساء وقد أصبحوا مسنّين ولم يتزوّجوا، بهدف أن يكونوا أكثر اتّحادًا بالله... نجدهم يعتدلون في حياتهم ويمارسون ضبط النفس، ولوحظ اكتفاؤهم بزوجة واحدة، وقد حافظوا على فضيلة العفّة... ويتعاملون بالرّحمة، ويعبدون الله؛ قاعدة حياتهم في التعامل هو الصدق تصونهم النعمة ويحميهم السّلام".

وكان أثيناغوراس يعلّم الوثنيّين بوضوح أنّ هنالك حياةً أفضل من الحياة الحاليّة وأنّ الله سيكافئهم بمسيرتهم بالفضيلة بعد الممات.

آخر المدافعين عن الإيمان الذي سنذكره هو أسقف أنطاكية ثيوفيلس. لم يكن فكره واضحًا كما كان يوستينوس وأثيناغوراس. وكان بعض سكّان أنطاكية المسيحيّين يمارسون العفّة، ولكنّنا لا نعرف إن كانوا يمارسونها كاختيار حياةٍ أم كواجب قبل الزواج. ويقول ثيوفيلس: "إنّ من بينهم (أي المسيحيّين) من عاش الاعتدال وضبط النفس، والاكتفاء بزوجة واحدة وقد صانوا عفّتهم وغيرها من الفضائل.

 

 

د ـ البيئة الريفيّة والملاجئ الأولى

كان لدى النسّاك مطلق الحريّة بالنسبة للسكن، فقد تمّ بناء أبراج لبعضهم مجاورة للكنيسة، ليتمكّنوا مباشرة من الدّخول إليها من أجل صلاة الهجعة، كما في أديرة كُوسيك والديروني، في جبل باريشا، وقاطورة، في جبل حَلَقة. بعضهم الآخر كانوا يعيشون في صومعة على مستوى سطح الأرض، كما في داحس، وبابيسقا وقُوقَنايا، في جبل باريشا. وكان بالإمكان الدّخول إلى الصَومَعَتَيْن الأولَيَين بواسطة سلّم خشبيٍّ حيث يستطيع الناسك أن يختلي فيها حين يريد. ويمكن لناسك قوقَنايا الدّخول إلى صومعته الصّغيرة المرتفعة نهارًا وليلًا بواسطة سلّم حجريّ مؤلّف من قطعة واحدة. ومن ثمّ، في زِرزِيتا، على جبل حَلَقة، ورُوَيحة، على جبل الزاوية، كان هنالك قلالي النسّاك، الأولى في باحة دير صغير، وقد دُمِّر الآن، والثانية، في باحة بازيليك مار يوحنّا في دمشق وفي باحة الكنيسة في باحة الجامع الكبير في حماة. وقد زرناها في الثمانينات من القرن الماضي، وكانت ما تزال محمولة على ثمانية أعمدة.

وكان لدى معظم النسّاك برج مؤلّف من طبقات عدّة بعيد نسبيًّا عن الدير، كما هو حال أبراج صَرفُود، على جبل باريشا، ودانا الشماليّة على جبل حَلَقة. وفي قرية كَفر حَوّار، وهو أيضًا على جبل حَلَقة هناك أربعة أبراج مبنيّة في أربع زوايا القرية. وقد اكتسب شهرة خاصّة، فيما بينها، برج دير قصر البنات الشماليّ، الذي يرتفع 21 م. وتبدو لنا غريبة الصوامع المبنيّة فوق غرفة الخدمة للبازيليك المكرّسة للسيّدة العذراء، في شيخ سليمان، في الجهّة الشرقيّة من جبل سمعان، كذلك فوق غرفة الخدمة لبازيليك القدّيس سرجيوس في دار قيتا، في جبل باريشا.  

أضف إلى تلك الأبراج والبريجات، أنّ هنالك بعض الخيام والأكواخ البدائيّة والقبور الفارغة والأبنية الصغيرة والكهوف الطبيعيّة.

1 ـ منسك كْسِجِبْه

يقع ذاك المنسك شمال جبل باريشا ويبعد حوالى 10 دقائق سيرًا على الأقدام شمال خرائب البازيليك الغربيّة من القرية القديمة. وقد اكتشفناه أثناء البحث في السبعينات من القرن الماضي. وفي البداية كان المنسك يتألّف من حجرتين تعودان إلى القرن الثالث، نستدلّ عليهما من تموضع الأحجار فيه والتي وضعت ببساطة بدون أن تكون مكتملة الصقل. وبموت المؤسّس، تمّ إضافة حجرة ثالثة من الجهّة الغربيّة من البناء حيث وضع ناووسه الحجريّ وربّما كان ذاك المنسك من أقدم المناسك في شمال سوريّا.

2 ـ منسكا دير سيتا

يوجد في أقصى الجهّة الجنوبيّة لجبل باريشا منسكان: أوّلهما إلى يسار الطريق الصاعدة إلى القرية من سهل خلقيس (قنّسرين). ويتألّف من ثلاث غرف مبنيّة بين صخور الجبل، بأحجار مقطّعة بصورة سيّئة. وكان المنسك نموذجيًا في فترة الاضطّهادات لأنّه كان بعيدًا عن أنظار سكّان القرية وعن الصاعدين من السّهل.

أمّا المنسك الآخر فهو أحدث من الأوّل ويقع في الجهّة الشماليّة من القرية، وهو بعيد نسبيًّا عن الدور السكنيّة. شكله دائريّ وجدرانه مبنيّة على نمط الحظائر. ويتميّز ذاك المنسك ببعده عن المنطقة السكنيّة وبوجود خزّان ماء محفور خارج الجدار الشرقيّ.

3 ـ مناسك سَرَختِه

يشير سكّان كفر دريان بتلك التسمية إلى وادٍ قليل الغور ويبعد ثلاثين  دقيقة سيرًا على الأقدام نحو الشرق من قريتهم . وفيه دير يدلّ عليه خزّان ماء محفور قرب زاوية الغرفة الشماليّة وغرفة الشهادة المربّعة الشّكل، وقد بُني بصورة واضحة ليتمّ وضع ناووس في وسطه يحتوي رفات مؤسّس الدّير. أبعاد الناووس هي عاديّة: طول 75،1 م وعرضه 80،0 م. إنّه البناء رقم 17 من دراسة كتاب "المعتزلون السوريّون" Les Reclus Syriens .

هنالك خمسة مناسك بسيطة جدًّا وبرج صغير مبعثرة في الوادي بالقرب من الدّير الصغير تمّت الإشارة إليها بالأحرف B- C- D- E- F في دراسة النسّاك. إنّ ما لا يدع مجالًا للشكّ لاعتبارها مناسك، ثلاثة أمور: المدفن المحفور في الأرض إلى جانب الصومعة، بُعد الوحدات السكنيّة والأحجار المضلّعة التي استعملت في بناء الصوامع. في "سَرَختِه" يبدو كلّ شيء على أقصى درجات التواضع، ويدلّنا أنّ النسّاك قد عبروا مباشرة من الحياة الأرضيّة إلى السّماء.

4 ـ مغارة الحمرا

عند السّير على امتداد نهر العاصي، واعتبارًا من مرتفع "بالميس" حتّى بلدة دَركوش، نصادف كثيرًا من الكهوف معدّة للسّكن الإنسانيّ، والتي استُخدمت كملجأ للهاربين بسبب جرم اقترفوه، أو بسبب تعرّضهم للاضطّهاد كونهم مسيحيّين.

 

أحد الكهوف  يدعى مغارة الحمرا، وهي مغارة  واسعة جدَّا تحمل دلائل واضحة لكونها سكنًا إنسانيًّا. وعلى بعد 50 مترًا إلى الشمال وعلى مستوى مدخل المغارة الحمرا نفسه، نجد حوالي عشر درجات محفورة في الصّخر، وهناك درجات أخرى مصفوفة فوق بعضها لتسهيل الصّعود إلى الدّير الصخريّ الواقع في الأعلى. يتألّف الدير من غرفتين مستطيلتين مبنيّتين في الجهّة الجنوبيّة ومن بعض القبور المحفورة في الأرضيّة الصخريّة على بعد عشرين مترًا إلى الشّمال من الغرفتين. أحد القبور لم يكتمل بناؤه ويمكن رؤية الصّخرة في وسطه، وربّما يعود بناء الدّير إلى فترة متأخّرة. ونعتقد أنّ تلك المغارة استُخدمت في البداية بشكل متواصل من مجموعة من النسّاك الذين يتبعون رئيس الدّير الصغير.

5 ـ مَعَتْرِم

هو الملجأ الأخير بالتريب الزمنيّ؛ تقع المغارة على منتصف سفح الجبل المطلّ على الوادي من الجهّة الجنوبيّة. يُمكن الوصول إلى الموقع قسمًا في السيّارة وقسمًا سيرًا على الأقدام. وهناك العديد من المغائر، لكنّ ما يهّمنا منها ثلاث فقط: تقع بعضها فوق بعض ولها مدخل يصعب الولوج منه. ولكنّها تؤمّن الاختباء، وفي الظروف الصّعبة تسهّل الهرب.

ليس هناك ما يلفت النظر في المغارة الأولى، بينما يوجد في المغارة الثانية مدفنان محفوران في الأرضيّة بالقرب من كتلة صخريّة ربّما كانت تُستخدم هيكلًا في البداية. ما نبحث عنه أو عنهم في حالتنا تلك هم النسّاك الذين كان بإمكانهم الصعود إلى المغارة الثالثة، والهروب بواسطة سلّم عبر نفق سرّي.

6 ـ وادي الحبيس

هو منسك محفور بشكل كامل في الصّخر، ويتألّف من ثلاث مغائر تتموضع الواحدة فوق الأخرى ومتّصلة مع بعضها. وقد قمنا باستكشاف المغارة الأولى فقط، والواقعة على مستوى الأرض، حيث يوجد قرب المدخل كتابتان باللّغة السُّريانيّة ومدفن وأحواض. يتمّ الدّخول إلى المغارة العليا بواسطة سلّم محفور بالصّخر على شكل دائريّ أو حلزونيّ. لم نصعد إليها لأنّ ذلك يتطلّب قدرات للتسلّق. وقد أجاب السكّان عن تساؤلاتنا بأنّه يوجد فوق المغارة الثانية، مغارة ثالثة يمكن الخروج من خلالها إلى البريّة المكشوفة عبر فتحة دائريّة.

كانت السريانيّة لغة النسّاك، ونعرف ذلك من الكتابَتَيْن المحفورَتَيْن على جدران المغارة الأولى، وكما يخبرنا البطريرك السريانيّ ميخائيل الكبير في تاريخه، بأنّ نور الدين الزنكيّ، وبعد انتصاره في المعركة على فرنجة إنطاكية والأرمن المتحالفين معهم، والتي جرت في تمّوز عام 1164 في سهل العمق، ترك رهبان وادي الحبيس يعيشون بسلام، بينما طرد الرّهبان الناطقين باللغة اليونانيّة من الدير الذي يواجه المنسك السوريّ.

 

بماذا كان النسّاك يتغذّون؟

وَفْقَ "تاريخ الرّهبان السوريّين"، فإنّ معظم النسّاك كانوا يتغذّون بالأعشاب البريّة. وقد عشنا سنوات عديدة في المنطقة الأنطاكيّة، على امتداد فصول السنة، واستطعنا أن نتحرّى عن جميع الأعشاب البريّة التي تنمو في الأراضي البور (غير المزروعة)، والتي يتغذّى الناس منها في الحقل.

 

وقد أحصينا أكثر من ثلاثين نوعًا من الأعشاب والثمار البريّة. وأكثر تلك الأعشاب شيوعًا هي الهندباء التي تنمو في التربة العميقة والرّطبة، وتعطي، عند درجات الحرارة المعتدلة، أوراقـًا تصل إلى ارتفاع 23 سنتمترًا. وفي حال نموّ تلك الأعشاب في تربة سطحيّة لا ترتوي جيّدًا بالأمطار الأولى فهي تنتج أوراقـًا يصل طولها إلى خمسة سنتمترات، وتأخذ لونًا يميل إلى الإحمرار، وتجفّ بعد بضعة أيّام.

وفي أشهر الشّتاء، حين تكون درجة الحرارة حوالى عشر درجات، نجد أنّ النبتة تبدأ بإعطاء أوراق جديدة، ويصل طول السّاق الذي يحمل البذور على شكل الخيمة إلى خمسين سنتمترًا.

 

كان الرّهبان يجمعون أوراق الهندباء الطويلة التي تنمو قرب المناسك عند الصباح الباكر، ينظّفونها ويضعونها بأوعية فخّاريّة ليمنعوا عنها الرّطوبة، يملّحونها ويحفظونها ليتمّ استهلاكها في الصيف. وليتفادوا المرض، كانوا يأكلونها نيئة، لأنّ نظامهم يمنع أكل الأطعمة مطبوخة. وفي الربيع يجمعون الخبّيزة والقنديس (نبات شوكيّ) والهليون.

بالإضافة إلى الأعشاب كان هناك أيضًا أشجار بريّة تعطي ثمارًا طيّبة المذاق مثل الغبيراء التي تشبه ثمرة الدّرّاقن صغيرة الحجم، والزعرور البرّي والجنّاء الأحمر (البلح الصينيّ) وثمار العلّيق (عنب الدبّ) والفستق وحبّ الآس الأبيض والداكن وثمار البلّوط.

 

وأخيرًا كان هناك ثمار الزيتون  البرّي التي كانت تعامل بالملح مدّة عشرة أيّام، ثمّ تحفظ لعام كامل. ويضاف إلى الأعشاب والثمار البريّة العسل البرّي، والقواقع، والضفاضع والسلاحف التي كان الحلبيّون المسيحيّون يبحثون عنها منذ  حوالي خمسين عامًا في فترة الصيام الأربعينيّ.

 

أضف إليها الفاكهة البرّية والأعشاب، كانت تتوفّر الثمار الموسميّة التي كانت الأمّهات يشترينها لأطفالهنّ من الباعة بحذر شديد كي لا يَقَعْنَ في خداعهم.

 

 

                                                  نسّاك ورهبان سوريّون بين التاريخ والجغرافيا

                                                                     الأب باسكال كستلّانا