النضج في الإيمان

 

 

 

 النضج في الإيمان

 

النضج في الإيمان

 

 إيمان وطيد

إنّ الإيمان الوطيد والناضج هو المرتكز الضروريّ لنضج مسيحيّ حقيقي. فليست القضيّة هنا متعلّقة على موقف إجتماعي هو الرِّضى البحت، بل قضيّة فضيلة الإيمان اللاهوتيّة.

الإيمان - النعمة

 إنّ الله يكلّمنا من الداخل

فلا أحد يُضحي مؤمنًا، أو يُداوم على هذا المنوال، ما لم يُدعَ من فوق، فيقبل النداء ليتعرّف على الله الذي يناديه من الداخل، ويرضى بقوّةِ الإنخراط الداخليّ والطوعيّ في سبيل هذا الإله الذي يتكلّم ويدعو. إنّ لهذه النعمة الإيمانيّة تاريخًا في حياة كلّ مؤمن.

الإيمان لقاء مع المسيح

إنّ الإيمان هو شيء مميّز جدًّا، فلا يتوقـَّف على بعض الإثباتات المعيّنة عن الله، إنّه نعمة من الله تحمل الإنسان ليقرّر الخروج من ذاته، فيضحي طائعًا لنداء الله؛ إنّ الإيمان دخول على خط عهدٍ جديدٍ مع الله.

فالإيمان المسيحيّ هو أكثر من مجرّد قبول لبعض الإثباتات المختصّة بالله؛ ومعرفة الإله الحقّ المماثل للمسيح، تفترض هذا القبول، لكنّها لا تكتفي به. فالمطلوب هو معرفة تُلزِم كلّ شخصيّة المؤمن بالله.

والإيمان، نعمة من الله وقرار من الإنسان، يحمل المؤمن على الإجابة على دعوة الله، بجوابٍ كاملٍ.

 المعموديّة هي نموّ الإيمان

إنّ المعموديّة هي سرّ الإيمان؛ ولكنّها أيضًا إقتضاء الإيمان ونموُّه بالنسبة إلى من اقتبلها في طورها النشوئي. إنّه لمن النادر ألاّ يتطلّب الله معاونة الإنسان؛ فليست قضية "حفاظٍ على الإيمان" بل هي قضيّةُ "نموٍّ في الإيمان".

 

 

 نضجُ الإيمان يستتبع الارتداد

 

 القلب

حسب الإنجيل، إنّ القلب مركز الشخصيّة وعنه تنبثق القرارات التي تُلزم الإرادة والحريّة والشخصيّة.

أ- في القلب يَتحقـّـق "الاتّحاد" بين الله والشّخص؛ وهذا يعني أنّ الإنسان يساوي، أمام الله وأمام ذاته، بقدر ما يساوي قلبه: "حيث كنزك فهناك قلبك".

ب- أمام دعوة الله، فإنّنا نستودع قلبنا أو لا نستودع شيئًا.

 

 

الإرتداد

إنّ اللفظة المستعملة في الإنجيل لإعطاء الجواب المناسب على دعوة الله، هي ارتداد القلب ("metanoia").

 إنّ ارتدادًا عقلانيًّا صرفًا لا يتعلّق إلاّ بالأفكار، لن يكون ارتدادًا إنجيليًّا.

وكذلك لن يكون ارتدادًا ذاك الإرتداد الذي لا يدرك إلاّ المحسوس والعاطفة الدينيّة، ولا يطمح إلى تغيير الأخلاق.

فالارتداد يتطلّب تسليم الذات، وتبديل الكيان بكامله: وبكلمة، يجب أن يكون "ارتداد القلب".

 للإنتقال من حالة أولاد مُعمَّدين، إلى حالة معمَّدين ملتزمين أي إلى إيمان ناضج، فلا بدَّ من ارتداد حقيقيّ وضروريّ.

 

 

 التحوُّل والإهتداء

من يهتدي يقتبل في ذاته وقلبه، عقليّةً جديدة هي عقليّة يسوع المسيح:

أ- إنّ الاهتداء هو - بالإضافة إلى الإلتزام الكامل - قبول عالم القيم المسيحيّة، مع تصوُّر السّعادة والحياة كما يرسمها لنا يسوع.

ب- والاهتداء نور يتقبّله الخاطئ، فيحثّه إلى تجديد القلب، ويبلغ ذروته في حمل الخاطئ على الإنخراط الشخصيّ والكامل في إتّباع المسيح.

الرسالة الكنسيّة

حتّى منتهى الأزمنة سيبقى الارتداد موضوعًا للتبشير: "توبوا وآمنوا بالبشارة" (مرقس 1/ 15):

أ- البشارة في إتّجاه المسيحيّين الذين سبقوا وارتدّوا، لحثّهم على التزام أكمل وأثبت؛

ب- البشارة إلى الأولاد والمراهقين لينضج فيهم الإيمان الذي يُشعِل قلوبهم في هذا العمر الذي فيه تتّضح معالم شخصيّتهم.

ج- البشارة إلى المسيحيِّين الناضجين، القليلي الإقتناع، والمتمسّكين بالشكليّات، قصد إقصائهم عن التصرّفات الصّبيانيّة.

 

 تربية الإيمان

إنّ على إيمان الولد والمراهق أن يسعى إلى هدف وهو هذا الإرتداد المسيحيّ الذي بدونه لا وجود للنضج الرّوحي؛ ومن ثم:

 فالإرتداد يتطلّب وحدةً في الشخصيّة، وذلك ضمن إطار الحريّة.

إنّ إيمان الولد هو مشاركة وامتداد لإيمان أولئك المحيطين به؛ كما إنّ حريّته هي اشتراك في خيار الناضجين.

 إنّ إيمان المراهق هو مقارنة مع إيمان طفولته حين بدأ اكتشاف مقدراته المثاليّة والفكريّة في طابعها الإنفعالي.

تُرى هل سيَقبل المسيح معلّمًا لحياته، رافضًا الحياة بحسب الهوى والأميال والتي اكتشفها حديثًا في ذاته؟  أيُخضع له طوعًا مقوِّمات شخصيّته اليافعة، والتي تعرَّف عليها منذ أمد قصير؟

 

 

 إيمان الشبيبة

  إنّ إيمان الشاب يتطلّب مقارنةً جديدةً مع الدّعوة الإلهيّة، مقارنةً تخلق العمل، والحبّ، والحضور الخلاّق في العالم، إنطلاقًا من القدرات الذاتيّة، أو من القيم التي يوفّرها له العالم.

 فالشاب الذي ما زال عاطفيًّا ومثاليًّا، أتراه يتوصّل إلى معرفة المسيحيّة وفهم معناها  المُطلق بالنسبة إلى حياته بكليّتها؟ وهل يعزم على تكريس ذاته للمسيح دون رجعة؟ هل يختار الحياة الوثنيّة التي تُقدَّم له؟ وهل يكتفي بإيمان طفولته ومراهقته الضّعيف؟

 إنّ المسيح ينتظره ليقرّر ثم يرتدّ إليه؛ لكنّ هذا القرار وهذا الإرتداد يتطلّبان إجهاد كلّ شخصيّته.

 

 

 يحتوي الإرتداد لقاءَ مماثلةٍ مع الله

1) الإيمان بالله

إذا آمنّا بالله، فبأيّ "الله" نؤمن؟ إله الفلاسفة؟ إله الأديان؟ أم إله الوحي؟

2) الصور الطِفليّة عن الله العظيم والإجتماعيّ

أ- إنّه "الإله المَهيب" الذي تتكلّم عنه الديانات البدائيّة؛ فهو يعمل في العالم ويثير خوفًا مقدّسًا؛ إنّه إله عظيم يحتاج خدّامًا ويَفرض واجبات.

ب- إنّه "إله النظام الإجتماعيّ" الذي يوفّر الأمان لأصحاب الإمتيازات، ويساعد المجتمعات الإنسانيّة في دوره البوليسيّ.

 

 

 تصوُّرات المراهِق لله

أ- الإله الرومنطيقيّ، إله الأخلاق، الإله المتعالي

- إله الرومنطيقيِّين يستفيض على أصحاب القلق العاطفي أو الضروريّات الفولكلوريّة.

- إله الأخلاق يتحوّل إلى حافز يَسنُد المثال الفروسيَّ أو المدَّعي في الأخلاق.

- إله التعالي المثالي هو عقل لا يكترث إلاّ للنفوس الفرديّة.

ب- الإرتباط المغلوط بالله:

ليس هذا الإرتباط غير كافٍ وحسب بل هو معلَّل بصورة خصوصيّة، بالغريزة الدينيّة، ومفهوم القدسيّات بالعموم، والمفهوم الأخلاقي، والتفتيش عن الأمان الإنساني في مختلف أوجُهه أو ضرورة الطمأنينة الإجتماعيّة.

ج- الإيمان الناضج هو لقاء

- مع الإله الحيّ والشخصيّ الذي تكلّم مع الإنسان.

- مع الإله الآب الذي يدعو الإنسان طوعًا إلى التبنّي، دون أيّ قسر.

- مع الإله - المحبّة الذي لا يتخلّى عن الرّحمة حتّى  في وقت الدينونة والمطالبة.

- مع إله القداسة الذي يجذب الإنسان نحو مصير فائق الطبيعة، وإلى آفاق جديدة من السعادة.

- مع إله يقود مصائر البشريّة بواسطة تَدَخُّلِه في التاريخ، وبتحقيق مقاصده بالتعاون مع البشر.

د- الإيمان والمفهوم الدينيّ

هناك فرق أساسيّ بين الإيمان والمفهوم الدينيّ: فالإنسان بطبعه متديّن، لكنّه ليس من طبعِه مؤمنًا ومسيحيًّا.

- إنّ إله الوحي يساعد الإنسان عندما يسعى إلى كمال طبيعيّ مفقود؛ لكنّ الله لا ينسجم مع الإنسان ليساعده في تخطّي ذاته وبحسَب تصوّراته المثاليّة الذاتيّة، إذا لم ينطلق من إفتقاره الإنسانيّ العميق الذي من خلاله، يصمّم له الله، ببأس جديد، مفهوم السّعادة، والمصير الشخصيّ والجماعي.

- إنّ الإيمان المسيحيّ يولّد علاقات مع الله، هي جديدة بكليّتها؛ ولذا كان المسيحيّون الأوّلون يتّخذون اسم "المؤمنين" ليتميّزوا عن الوثنيِّين الذين كانوا هم أيضًا أناسًا متديِّنين.

 

 

 الإرتداد يُدخل كلّ شخصيّة المؤمن في وحدة سرّ المسيح:

1) ترابُط الإيمان

إنّ الإيمان يسهّل علينا اكتناه الترابط الكائن بين مظاهر الوحي الإلهيّ المختلفة، ويتحاشى أن يضع على المستوى الواحد، إثباتات هذا الإيمان المتنوّعة. وهكذا يبدو ملكوت الله أهمَّ من الجحيم، والنعمة أفضل من الخطيئة، والمسيح أسمى مقامًا من العذراء مريم، وإلى آخره...

 

2) الحقائق الموحاة والحياة

 

إنّ الإيمان يخلق وحدةً بين الحقائق الموحاة والحياة. وهكذا، ليست حياة المعمَّد إلاّ ارتدادًا متدرّجًا يمتدّ على كلّ حياته، فيدرك بواقعيّةٍ سرّ الإيمان الذي تلقـّـنه؛ فكلّ مظهر من مظاهر الوحي هو ضرورةً، مدخل لنتائج حياتيّةٍ إلى صميم وجودنا. فالأبوّة الإلهيّة تجاه البشريّة هي مثلاً، مُنطلق المحبّة الأخويّة؛ وقيامة السيّد المسيح هي أساس الرّجاء المسيحيّ بقيامة الأجساد؛ كما أنّ الجحيم يحتّم المسؤوليّة الكبرى عن ممارساتنا وأعمالنا قدّام الله...

 

3) الإيمان الشخصيّ والجماعيّ

إنّ الإيمان الشخصيّ ليس هو الإيمان الفرديّ: فالإيمان الجماعيّ لا يلتبس مع إيمان فريق معيّن من الناس. ومن يريد أن يبلغ الإيمان عليه أن يدرك

أ- أنّنا لن ندرك مصير حياة داخليّةٍ بالتركيز على قاعدة تقنيّة؛

ب- وأنّ السّخاء الأخلاقي والتقيُّد بقوانين العبادة يبقيان غير كافيَين؛

ج أنّ ليس كافيًا كذلك، الدرسُ التقني والعلمي لقضايا الدين؛

د- كما أنّه لن يكفي أيضًا الدّعم المتأتّي عن محيطٍ إجتماعيّ شبه مشحونٍ بالتقاليد المسيحيّة.

هـ - وأخيرًا، أنّه ليس ممكنًا التوصّل إلى إيمان ناضج دون إجهادِ كلّ كياننا، وبدون انتساب صميم إلى المسيح هو دائمًا متجدِّد ومُوَطّد.

 

4) تطوير الإيمان الناضج

يُنمَّى الإيمان الرّاسخ والناضج

أ- بفضل التأمّل الجدّي والشخصيّ في التدبير الإلهيّ الخلاصيّ الذي يقودنا إلى التمثُّل به كلّ مرّةٍ أكثر وأعمق، بنوع يُتيح لنا القول: "أنا مؤمن وكائن في إيماني" و "إنّي أحيا في الإيمان"، غير مكتفٍ بالقول: "أملِك الإيمان!".

ب- بفضل تفكير عميق حول الإختبار الإنسانيّ اليوميّ، وحول قضايا العالم على ضوء الإيمان المباشر.

ج- بفضل مشاركة فعليّة وشخصيّة في حياة الجماعة المسيحيّة الليتورجيّة.

د- وأخيرًا، بفضل موقفٍ حازمٍ إزاء واقع الإلحاد المعاصر.

                                                                                                              الأب يوحنّا سليم سعاده

                                                                                           ر.ل.م