الولادة الجديدة

  

الولادة الجديدة

 

الولادة الجديدة

 

"ولم يُظهَر حتى الآن ما سنصير إليه" (1 يو 3/ 2).

 

الأنا الحقيقيّ

سأحاول أن ألقي ضوءًا على أبعاد الإنسان، متسائلاً عن كيان هذا المخلوق وحجمه الحقيقيّ. فالإنسان يميل عادةً إلى حصر ذاته في إطار محدود وضيّق يرتكز على الجزء الظاهر والمحسوس منه. إنّه عبارة عن 170 سم من الطول، وهو كتلة من اللّحم والدّم والعظام، لها شكل خارجيّ معيَّن. ونقول أخيرًا: هذا هو فلان، وهذه هي فلانة، متوهّمين أنّنا نعرفه أو نعرفها. فماذا عرفتَ عن هذا الشّخص؟ وماذا رأيتَ منه؟ لقد تعاملتَ مع هيكله فقط، وربّما تكون قد قابلتَه عدّة مرّات، أو كثيرًا، أو ربّما تكون قد عاشرته مدّة سنوات، فهل هذا يعني أنّك اكتشفته، وأصبحت تعرفه وتعرف أبعاد كيانه؟

إذا تحدَّثتَ عن نفسك، وأنت أقرب شخص إليها، فهل تستطيع أن تَدَّعي أنّك تعرفها جيّدًا؟

 

 لا أعتقد أنّ أحدًا يمكنه أن يقول ذلك. بالطبع، أنت ترى شكلك في المرآة، وهذا ما ينطبق خصوصًا على الفتيات والسيّدات. فبالتأكيد أنّكِ تعرفين لون عينيك وشعرك وبشرتك وجميع تفاصيل ملامحك، وقد تكونين معجبة بنفسك أو العكس. لكنّ هذا لا يُغيّر في الأمر شيئًا، فالمهمّ أنّكِ، من خلال ذلك الفعل، تعتقدين أنّك تعرفين نفسك معرفة جيّدة. وبالطبع، من خلال الميزان، أستطيع أن أعرف وزني إلخ... وفي النهاية أقول: هذا هو أنا.

 

وكثيرًا ما يظنّ الإنسان أنّه ما دام هو بهذه الصورة، فسيظلّ كذلك. قد يتغيّر شيءٌ في ملامحه الخارجيّة كالوزن، ولكن ما من أحد يستطيع أن يزيد، ولو ذراعًا، على قامته، كما قال المسيح (متّى 6/ 27). ويتملّكنا إحساس قويّ بأنّ كلاًّ منّا قد صُبَّ في قالب معيَّن كالتمثال. هو في هذه الحالة، وسيظلّ فيها، ولا جدوى من محاولة التغيير.

ربّما تكون قرأت عن جبل الثلج (وبالإنكليزيّة Iceberg) أنّه عبارة عن كتلة ضخمة من الجليد انفصلت عن جدار ثلجيّ في أحد قطبَي الأرض، وانجرفت في تيّارات المحيط، طافية على سطح الماء، وهي تهدّد سلامة السفن التي تقترب منها، لأنّ ما يُرى من ضخامة هذا الجبل الجليديّ لا يُعطي فكرة صحيحة عن حجمه الحقيقيّ، فالجزء المغمور منه تحت سطح الماء أكبر بكثير من الجزء الظاهر، فقد يكون أكبر منه ثلاثين ضعفًا.

 

والإنسان يمكن تشبيهه بجبل الثلج هذا. فهناك ملامح ظاهرة من شخصيّته وأخرى مستترة، لكنّ الجزء الخفيّ أكبر بكثير من الجزء الذي يظهر لنا. بل يمكن القول بأنّ الجزء الظاهر يُعتبر كلا شيء بالنسبة إلى الجزء الخفيّ. فمَن يجلس إليَّ يراني ويتصوَّر أَنِّي الأب بولاد، لكن هذا سراب. فالأب بولاد لم يظهر بعد، وما تراه منّي هو كلا شيء بالنسبة إلى باقي كياني، وكلّ إنسان هو في حالة تمخّض لهذا الإنسان الآخر.. الإنسان الحقيقيّ.. الإنسان الجديد.

 

الإنسان الجديد

هنا أستعير تعبير الرّسول بولس حين يتحدّث عن الإنسان العتيق والإنسان الجديد (قول 3/ 9 و10)، فيمكن إطلاق عبارة الإنسان القديم - وهي تختلف عمَّا قصده بولس الرّسول - على الإنسان الذي ظهر فينا حتّى الآن. أمّا الإنسان الجديد فهو المزمع أن يتجلّى فينا، وهو موجود في داخل كلّ منّا، وفي حالة تمخّض، إلى أن يولَد فينا. والقدّيس يوحنّا الرّسول يقول في رسالته الأولى: "ولم يظهر حتّى الآن ما سنصير إليه" (1 يو 3/ 2)، أي أنّ حقيقة كياننا لم تظهر بعد، وستتجلّى يومًا ما، وهذا هو مفهوم القيامة، فهي تعني تحقيق الإنسان بصورته الكاملة المُطلقة. وحين نُردِّد في قانون الإيمان "وننتظر قيامة الأموات.."، نعبِّر عن ذلك الحلم المسيحيّ، بل قل: عن حلم الإنسانيّة، لأنّ الأديان جميعها قد اشتركت في غرس هذا الإحساس الذي يتخطّى حاجز الموت عند البشر.

 

فالكيان الحقيقيّ عند الإنسان هو مستتر، وعلى كلٍّ منّا ألاّ ينتظر قيامة الأموات حتّى يُظهر مكنونات ذاته، بل عليه، في أثناء حياته، أن يُبرز، يومًا بعد يوم، من محتويات كيانه المطويّة في داخله، وهذا هو تنفيذ وصيّة الله الأولى: "انموا.."، لأنّ النموّ هو إبراز كلّ ما هو مدفون ومكنون من كياني إلى صورة واضحة وظاهرة.

 

وهذا الهدف يجب أن يُمثِّل في نظرنا نوعًا من التحدّي، ومصدرًا للتفاؤل، فإنّ قدراتك، أيّها الإنسان، هي أكثر بكثير ممّا تتصوَّر. فلا تستسلم لليأس والإحباط، لأنّ الله أعطاك قدرات رائعة. ثق بنفسك، وثق بهذه القدرات، فيمنحك الله انطلاقة وقوّة.

 

"وكان في الفرّيسيُّن رجل اسمه نيقوديموس، وكان من رؤساء اليهود. فجاء إلى يسوع ليلاً وقال له: رابي، نحن نعلم أنّك جئتَ من لدن الله معلِّمًا، فما من أحدٍ يستطيع أن يأتي بتلك الآيات التي تأتي بها أنت إلاّ إذا كان الله معه. فأجابه يسوع: الحقّ الحقّ أقول لك: ما من أحد يمكنه أن يرى الله إلاّ إذا وُلِدَ من علُ. قال له نيقوديمس: كيف يمكن الإنسان أن يُولَد وهو شيخ كبير؟ أيستطيع أن يعود إلى بطن أمّه ويولد؟ أجاب يسوع: الحقّ الحقّ أقول لكَ: ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلاّ إذا وُلِد من الماء والرّوح" (يو 3/ 1 - 5).

 

يولد الإنسان إذًا مرَّتَين، مرّة أولى من بطن أمّه، ومرّة أخرى من ذاته، وأنا أفسِّر هنا الفقرة السّابقة من زاوية أخرى تختلف عن الإطار الذي جاء في الإنجيل، حين تحدَّث عن الولادة الثانية، قاصدًا المعموديّة. فأتصوَّر عبارة الولادة الثانية كون الشّخص يختار الصّورة التي يجب أن يكون عليها. في الولادة الأولى، لم يحدِّد كلٌّ منَّا سلفًا الصورة التي يتمنَّى أن يُخلَق عليها، وكانت الحصيلة ظهور كائن جاء نتيجةً لمؤثّرات بيئيّة ووراثيّة: لم يختر والدَيه أو أسرته أو جنسيّته ولا لون شعره، ولا الزمن الذي سيعيش فيه إلخ...، وما عليه إلاّ أن يقبل هذا الوضع المفروض عليه.

 

لكنّ الإنسان يظلّ المخلوق الوحيد الذي يستطيع أن يكون وليد اختياراته وحرّيّته، فهو، إذا قَبِلَ جميع الظروف المفروضة عليه، كان شبيهًا بالحيوان الذي يُخلَق ويعيش في الحالة نفسها، مع تسليمنا بوجود بعض الظروف التي يصعب على أحدٍ منّا أن يغيّرها. فلا أستطيع، على سبيل المثال، أن أجعل نفسي أعيش في القرن السّابع عشر أو القرن الثاني والعشرين الميلاديّ، ولا أستطيع أن أغيّر أبي وأمي، ولا أستطيع أن أغيّر أحداث طفولتي التي مرَّت، فجميعها حتميّات فُرِضَت عليّ. ولكن، انطلاقـًا من هذه الثوابت، يمكنني أن أختار ذاتي، وأن أُولَد ولادة جديدة تكون نتيجة اختيارات شخصيّة. فما هي الصّورة التي أودّ أن أكون عليها؟ من هنا يبدأ المشوار.

 

إنّ هذا الإنسان الجديد، الذي سيتكوَّن والذي سأختاره، سيأتي نتيجة لرغباتي، وهو في حالة تكوّن مستمرّ، ولن يأتي يوم أدَّعي فيه أنّني قد انتهيت من إظهار الأنا الحقيقيّ، فلا تُوجَد محطّة وصول في رحلة السّعي للبحث عن هذا "الأنا" الكائن في داخلي. والآن على أيّ صورة تتمنّى أن تكون؟

 

 كلّ إنسان عبارة عن تاريخ مقدَّس. ولكنّ هذا التاريخ، ويا للأسف الشّديد، لم يُكتَب منه، خلال ما مضى من العمر، سوى أسطر قليلة. أمَّا البقيّة فأغلبنا لا يعرف كيف يُعَبِّر عنها، ومن حقّ كلّ فرد أن يعيش حياته بالملء. فواجبي الأوّل هو أن أُخرِج جميع الطاقات الكامنة في داخليّ إلى سطح الواقع. ومَن يهمِل هذا الأمر يكون قد أهمل أهمّ واجباته الدينيّة والرّوحيّة. فلقد منحنا الله ذواتنا في صورة بذرة، فإذا قلت له في نهاية حياتي: هذه البذرة التي أعطيتني إيّاها، أردّها إليك كما هي، سيقول لي كما قال للعبد صاحب الوزنة الواحدة: "خذوا منه الوزنة وأعطوها للذي معه الوزنات العشر: لأنّ كلّ مَن كان له شيء، يُعطى فيفيض. ومَن ليس له شيء، يُنتَزَع منه حتّى الذي له. وذلك الخادم الذي لا خير فيه، ألقوه في الظلمة البرّانيّة. فهناك البكاء وصريف الأسنان" (متّى 25/ 28 - 30).وأكبر جريمة نقترفها في حقّ أنفسنا هي عدم استثمار المواهب التي أعطانا الله إيّاها.

 

في داخل كلٍّ منّا كنزٌ ثمين، وحركة الحياة هي انبساط لجميع الطاقات المدفونة فيه. لأنّه، في داخل كلّ منّا، كنوز من الحبّ والعطاء والذكاء وما إلى ذلك، وسنحاسَب عن كلّ دقيقة من وقتنا، ونُحاسَب على كلّ موهبة من مواهبنا،  وكلّ مَلَكَة من ملكاتنا تركناها مهدرة ومهملة. إنَّ واجب استثمار هذه المواهب والطاقات التي في داخل كلّ منّا لهو أهمّ من واجب الصّلاة والصّوم.

 

لقد أدخلت المسيحيّة مفهومًا جديدًا للتاريخ يمكن أن نَصِفَه بأنّه تصاعديّ، بعكس ما كان سائدًا في المجتمعات والأديان الأخرى، وما لخَّصه كاتب سفر الجامعة بهذه الكلمات: "ما كان فهو الذي سيكون وما صُنِعَ فهو الذي سَيُصنَع فليس تحت الشمس شيءٌ جديد" (جا 1/ 9). الأمس كاليوم، واليوم كالغد... كلَّ يوم، تشرق الشمس وتغيب، فلا جديد. لكنّ المسيحيّة أدخلت مفهوم تاريخ الإنسانيّة اللولبيّ. فإنّ هذه الدائرة، حين تتكرّر، لا تبدأ من نقطة البداية، بل تكون قد تقدّمت خطوة إلى الأمام في اتّجاه تصاعديّ لولبيّ، يجعل الإنسان يتقدّم نحو هدف سمَّاه تيّار دي شاردان نقطة أوميغا، وهي حرف يونانيّ يقابل حرف الياء. وإذًا فإنّ تاريخ الإنسانيّة يتّجه نحو هدف أمامنا يمكن أن نسمّيه نقطة أوميغا أو ملكوت السّموات أو الإنسان الكامل أو قمّة التاريخ. وقد تعرَّضت لهذا الموضوع بإسهاب في كتاب صدر لي وعنوانه (الإنسان والكون والتطوّر بين العلم والدين).

 

                                                               الأب هنري بولاد اليسوعيّ