بولس مُلهم الشبيبة

 

 

 

بولس مُلهم الشبيبة

 

 مــقدّمـــة

 

سأحاول أن أتوقف، ليس على أهميّة بولس الرّسول في الكنيسة فقط بل، وخاصَّة على أهميَّته بالنسبة إلى الشبيبة محاولاً أن ألملم بعض جوانب شخصيَّته الفذّة التي تلهم شبيبتنا اليوم، ودون أن أغفل عن تعاليمه الخالدة وأهميَّتها بالنسبة إلى المسيحيّة وللمسيحيِّين.

 

روح الشباب والهمَّة التي لا تتعب وإرادة التغيير ليست الصِّفات الوحيدة التي تطالعك في قراءتك لبولس الرَّسول بل هناك محطّات فريدة في حياة هذا الإنسان طبعته وجعلت منه شخصيَّة فذَّة.

 هذه المحطّات تداخلت في حياته ونسجت شخصيَّته وصقلت مواهبه وألبست بولس خصائص عديدة سأستعرض بعضها في ما يلي:

 

1- بولس المتطرّف

يقال عن الشبيبة أنَّها متطرِّفة دائمًا وترفض الحلول الوسط وإذا عدنا إلى المشهد الأوّل الذي يظهر فيه بولس في الكتاب المقدَّس فنصدم برؤيتنا له مشاركًا في رجم اسطفانوس.

 

أنت تمسكه متلبّسًا بالقتل لا بل بأفظع الجرائم. وبدء معرفتك بشاوول هو تطرّف إنسان يكره الناصريّ وأتباعه ولا يتراجع عن قتل واحد منهم إلى أن ينتهي منه تمامًا ويستحصل على رسائل وتوجيهات لسوق الجماعات المسيحيّة والأفراد إلى السُّجون وتشريدهم والتنكيل بهم حتى لو كلّفه ذلك متاعب السّفر وأخطاره إلى دمشق الوثنيّة.

 

والغريب أنّ هذا التطرّف في الكراهية سينقلب تطرّفًا في الحبّ لا بل في العشق لذلك الناصريّ عينه الذي حاول أن يمحو ذكره من بين البشر. أمّا تطرّفه في اضطهاد الكنيسة الناشئة فسينقلب هوسًا وحماسًا وأسفارًا شاقّة وأخطارًا وسجونًا ولدًا وعطشًا وإذلالاً وأمراضًا في سبيل نشر الانجيل الذي تنادي به هذه الكنيسة. (2كو 11 /16-33).

 

وهو أيضًا متطرّف في مخاطبته ومعاملته من يبشّر. فكان يصرخ في وجه الغلاطيِّين ويدعوهم أغبياء. (3/ 1). ولا يتراجع عن إذلال نفسه ليرتفع القورنثيّين (2كو 11 /7) مردّدًا على مسامعهم. "وحده الله يعلم كم أنا أحبّكم". وحنانه على كنائسه هو حنان الأمّ التي تتوجّع عند الولادة لتتكوّن في أولادها صورة المسيح (غلا 4/ 19).

 

ولشدّة هذا الحنان يرغب بولس في ضمّ الذين بشرّهم إلى قلبه، ولا يتوقّف عند هذا الحد بل يتجاسر ويقول: أحنّ إليكم جميعاً حنان المسيح يسوع (فليبّي 1/ 7-8 ) وهل من اعتراف أصدق من اعتراف بولس الذي يود أن يُراق دمه سكيبًا في سبيل أبناء بشارته: " فلو سفكت دمي قرباناً مع ذبيحة إيمانكم وخدمته، لفرحت وابتهجت" (فل 2/ 17).

 

 

ننهي هذا المشهد بالعودة إلى ما قلناه أعلاه عن عشقه للناصريّ فهو يتكلّم عنه بفيض جوارح الولهان المتيّم حتى أنّه لا يخاف من أن يقع في التناقض.

 

 وهل من تضّاد أبلغ من اعتبار الموت ربحًا واختزال الحياة كلّها بلحظة لقاء مع الحبيب:

 "فالحياة عندي هي المسيح والموت ربح" (فل 1 /21). ويبلغ التطرّف لا بل التضاد الذروة في وصفه للحبيب فليبي وفي كولوسّي عندما يؤكّد على أنّ المسيح هو ابن الله الذي أخلى ذاته وصار عبدًا  طائعًا حتى الموت والموت على الصّليب. (فل 2/ 6-11).

 

 

2- بولس الإنسان الجديد والمتجدِّد دائمًا.

إذا كنّا توقّفنا سريعًا على تطرّف بولس في أكثر من محطّة في حياته فلا يغيب عن ذهننا مُطلقًا أنّ الكلمة التي كانت تخرج من فمه كسيفٍ ذي حدّين، فكانت تارة ساحرة عندما يتدفّق الحبّ من قلبه، وطورًا قاسية ولاذعة ومشوبة بالتحدّي عندما يلزم الأمر.

 

لقد أكّد بولس بكلمات فريدة وجسورة: "المسيح هو الحيّ فيّ" (غلا 2/ 20) وهكذا ينسب حياته إلى المسيح فنفهم عندئذ كيف أنّ المسيح امتلك حياته لأنَّ هذا الأخير قبل المسيح في أعماقه عندما آمن بالخلاص الذي يحمله.

 

وصار إيمان بولس شغفًا بالمسيح وحياة حميمة معه وعلاقة فريدة به، تقاس بكثافة وعمق وبثقة كليّة وتسليم كامل.

 هذا الإيمان حرّر بولس من الشريعة المفروضة فرضًا (غلا 3/ 19) والعاجزة من أن تعطينا الحياة (غلا 3/ 11، روم 7/ 10-11) أو تدخلنا في علاقة واثقة مع الآب (غلا 3/ 21-31) وجعل منه إنسانًا جديدًا ومتجدّدًا باستمرار.

 

والإيمان بالمسيح يسمح لبولس أن يصرخ: المسيح حرّرنا لنكون أحرارًا فاثبتوا، إذا، ولا تعودوا إلى نير العبوديّة (غلا 5/ 1) وإلى عالم القاصرين والعالم الشرير (غلا1/ 4).

 

 لقد اختبر بولس في حياته معنى الإنسان الجديد من إيمانه بالمسيح. وعرف كيف أنّ الايمان وحده يضع الإنسان، مهما كان مصدره، في حالة الاستفادة من وعود الله، وهذا يعني أنّ كلّ الامتيازات الدينيّة والعرقيّة والاجتماعيّة وحتى الجنسيّة قد تمّ تخطّيها في المسيح الجديد وبصليبه.

 

فبالصليب دخل الله مجددًا بقوَّته الخلاّقة في تاريخ البشر (غلا 3/ 4-8) وصنع كلّ شيء جديدًا. وهذا الجديد ألا تعشقه شبيبتنا؟

 

لقد وعى بولس فضل المبادرة الإلهيَّة التي قضت بأن يرسل الله ابنه، مولودًا لامرأة مولودًا في حكم الشريعة ليفتدي الذين هم في حكم الشريعة فنحظى بالتبنيّ (غلا4/ 4-5) ومع هذا التبنيّ أرسل الله ابنه الوحيد إلى قلوبنا، الرّوح الذي ينادي يا أبي (غلا 4/ 6) وبفضل ذلك لم نعد عبيدًا قاصرين بل أبناء وارثين.

أجل لقد ربط  بولس حالة المسيحيِّين بحالة المسيح.

 بالمسيح حصل بولس على كينونة جديدة وحصل عليها مع كلِّ المؤمنين بالتبنيّ. إنّ التبنيّ الذي أنعم الله بنا عليه بيسوع المسيح ابنه الوحيد، ليس وضعًا قانونيًّا شبيهًا بما يحصل عليه في التبنيّ البشريّ بل هو ولادة جديدة بالله، بنوّة إلهيَّة لم يكن الإنسان ليحلم بها على ما تؤكّده رسالة يوحنّا الاولى: "أنظروا أي محبّة خصّنا بها الآب لندعى أبناء الله وأنّنا كذلك. (1يو3/ 1).

 

 

لقد اختبر بولس بالعمق كينونة الإنسان الجديدة الذي تخوّل المؤمن أن يعيش تحت نعمة الله بيسوع المسيح الذي وهبنا التبنيّ.

 

 وهذه الحقيقة الكبرى تحذّرنا من الوقوع في الشكليَّات الدينيَّة الفارغة ومن انزلاق الإيمان في الطقوس وحسب، والادّعاء المتكبّر والفارغ بالاكتفاء وبالاستحقاقات الشخصيّة، ورفض الانفتاح على الأوضاع الجديدة، والخوف من التقدّم بجرأة على دروب الحريّة، والبلوغ أخيرًا إلى نضج أبناء الله.

 

من كالشبيبة تفتش عن هذه المفاهيم الجديدة والمتجدِّدة دائمًا؟

 

من كالشبيبة تتوق الى كسر فئوية، فالفئوية بحدِّ ذاتها انغلاق على الآخر؟

 

من كالشبيبة المؤمنة، الملتزمة بالانجيل وبتعاليم بولس تعرف أنّ البشارة المسيحيَّة لا تشبه أيَّة ثقافة، ولا تخضع لأيَّة مؤسّسة ولا لأيَّة تنظيمات، بل هي تشملها كلّها، وإذا اقتضى الأمر، وعند الضّرورة، تجابهها كلّها كما فعل بولس العظيم مع الشريعة؟!

 

 

وأخيرًا إنّ كينونة المسيحيّ الجديدة هذه كما وصفها بولس وخبّرها تنفتح على كلّ ما هو شمولي وترفض كلّ تشرذم وتقاسم وانقسام.

 

 ألم يؤكّد الرَّسول ويقول: "لم يعد هناك لا يهوديّ ولا يونانيّ ولا عبد ولا حرّ، لا ذكر ولا أنثى، لأنّكم كلّكم واحد في يسوع المسيح" (غلا 3/ 22). نقول أخيرًا إنَّ التجديد الذي حقَّقه المسيح بفدائه ليس هو فقط تجديد روحيّ وأخلاقيّ بل تجديد "وجوديّ" كامل يطال جذور الوجود البشريّ والكون بأسره.

 

 

3- بولس الحرّ والداعي إلى الحريَّة

لا شكّ في أنّ الحرية هي الأغلى على قلوب شبيبتنا، وفي كلِّ مرَّة نتكلَّم عن الحريَّة يخطر على بالنا ما قالته عن الحريّة "La Grande Demoiselle".

إحدى بطلات الثورة الفرنسيّة والتي راحت هي أيضًا تقول  لهذه الثورة التي قامت من أجل الحرية: "أيّتها الحريَّة كم من الجرائم تُرتكب باسمكِ"

ففي لفظة حريَّة كثير من الالتباس، ولكن ماذا يقول بولس عن الحريَّة في رسالته الى أهل رومة؟

 يصرخ بولس قائلاً: "الآن، تحرّرنا من الشريعة"، لأنّنا مُتنا عمَّا كان حتى نعبد الله في نظام الرُّوح الجديد، لا في نظام الحرف القديم (روم 7/ 6).

ولقد سبق لبولس أن أكّد في رسالته إلى أهل غلاطية أنّ المعمّدين هم أبناء إبراهيم من الأمِّ الحرَّة، لا من الأمِّ الأمة، وهم كذلك أبناء أورشليم العليا.

ومن حيث أنَّ المسيح حرّرهم، لذا لا عودة إلى العبوديّة (غلا 4/ 31  و5/ 1) فالحريّة هي تحرّر والحريّة هي حياة بنظام الرُّوح لا بنظام الجسد والحريَّة هي عطيّة الله لنا.

 

لذلك يعتبر بولس أنّ المسيحي لا يمكنه أن يسلك في الخطيئة سيّما وأن الخلاص بالمسيح حرّره من صفات الإنسان العتيق وكسر قوَّة الخطيئة والشرّ. ولهذا فكلّ مسيحيّ هو بالأساس مدعو الى التحرّر من كلِّ العبوديّات وبالأخصّ عبوديّة الخطيئة.

 

الحريّة إذًا هي دعوة المسيحيّ الأولى، "الدعوة الحقّة!" وهذه الدّعوة تعني أن يكون المسيحيّ حرًّا من الخطيئة ويخصّ الله أي أن يكون قدِّيسًا (روم 1/ 7).

 

 وهذه الحريّة، وبالمفهوم البولسيّ "لا تعاش مجتزأة بل بكاملها وبكليَّتها فلا تسخّر للجسد الذي يحدّها ويهلكها ولا لما هو دنيويّ، فأعمال الجسد تمثّل الخطر الذي يشوّه الحرّية في المسيح".

 

ليست الحريّة خروجًا عن الأعراف والقوانين، ولا هي التضحية بكلِّ واجب أخلاقيّ.

 

الحريَّة ليست التصرّف دون مانع أو رادع بل هي التصرّف بحسب الحبّ الالهيّ، لأنّ المسيحيّ غير حرّ تجاه حبّ الله له ووصاياه الإلهيّة.

 

لا بل إنّ الشريعة الإلهيّة هي بذاتها الحريّة، فشريعة الله هي ميراثنا وهي ترجمة لحبِّ الله لنا: "من أحبَّني سمع كلامي فأحبَّه أبي، ونجيء إليه ونقيم عنده" (يو 13/ 23) كما أنّها تعبير عن حبّنا له: "إذا كنتم تحبّوني عملتم بوصاياي (يو 14/ 15).

 

 

بالنهاية، الأبناء يرثون صفات أبيهم السّماويّ، ومنها "الحريَّة الإلهيَّة" هذه الحريَّة أعطيَت لنا بدمِّ المسيح القائم من الموت والحيّ أبدًا. ولأنّها حريّة إلهيّة فهي تتطلّب ثورة ضدَّ حريَّة الجسد، وتمردًا على ما هو ميل نحو الأمور السُّفلى لأنّها، بالأساس، مترفعة عن الميول والغرائز والنزوات الجسديّة (روم 13/ 9).

 هذه الحريّة هي أخيرًا  في خدمة المحبّة الأخويّة، والمحبَّة الحرَّة، هذه الحريَّة هي بالنهاية في خدمة النعمة الإلهيَّة.

 

 

4- بولس المحب والمحبوب

لقد وعى بولس أكثر من غيره محبّة الله المجانيَّة تجاهه. لقد عرف هذا المضطهد لكنيسة المسيح أنّ نعمة الله هي في أساس ارتداده وهي الأساس في كلِّ محبَّة بين الله والإنسان.

 

الله يبادر والإنسان يتلقّى، لذلك نسمعه يصرخ في رسالته إلى الرُّومانيِّين: "لكنّ الله برهن عن محبَّته لنا بأنَّ المسيح مات من أجلنا، ونحن بعد خاطئون، فكم بالأولى الآن بعدما تبرّرنا بدمه... (روم 5/ 8-9).

 

 حبُّ الله لنا سابق لكلِّ أعمالنا لأنَّه مجَّاني ولا يبتغي أي مقابل. هذا الحبّ المجاني، يقدّره الشباب خير تقدير. أمَّا النفوس الكبيرة فتعرف أنّ عليها هي أيضًا أن تحبّ بمجانيّة وبسخاء وأيضًا بحريَّة.

 

نعم، بفضيلة "المحبّة الحرّة" يصير المسيحيّ عبدًا للمحبّة: "عليكم أن يصير بالمحبّة بعضكم عبيداً لبعض" (غلا 5/ 13).

 

 إذًا وصيّة "الحبّ الإلهيّ" هي خدمة بمحبَّة، ومحبَّة حرّة، وحريَّة إلهيَّة من هنا تلتقي مجدّدًا الحريَّة مع المحبَّة والمحبَّة مع الحريَّة.

 

وإذا كان لبولس أن يختصر معنى الحريَّة والمحبَّة والخدمة بعبارة تجمع الشريعة القديمة والجديدة فيقول كما قال سيّده: "أحبب قريبك مثلما تحبّ نفسك" (غلا 5/ 14).

 

 بينما يبدو الناس عكس ذلك، وكما على أيّام بولس وأهالي غلاطية، فهم ينهشون بعضهم البعض، ويأكلون بعضهم البعض حتى الموت، فيدمّرون جماعتهم ومجتمعهم بأنفسهم وشعارهم المفضّل: "إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب".

 

 فهل تختار شبيبتنا اليوم أن تعود إلى شريعة الغاب بعد ألفيّ سنة من المسيحيَّة؟

 

إنّ حبَّ القريب هو الصفة الأهمّ للمسيحيّ وهو مركز حياته ونبض قلبه.

 

كلّ عمل نقوم به يجب أن يكون تعبيرًاعن حبِّ الله لنا وحبّنا له وللقريب: "اعملوا كلّ شيء بمحبّة" (1 كو16/ 14).

 

 إنّ الحبّ هو أهمّ عطايا الله لنا، وهو أوَّل ثمار الرُّوح القدس: "المحبّة، الفرح، السلام، طول الأناة، الطيبة، الأخلاق، الأمانة، الوداعة، العفاف... (غلا 5/ 22-23).

 

 الحبّ هو أكبر النعم التي يجب تنميتها فتثمر كلّ ما هو حنان ورأفة ولطف وتواضع ووداعة وصبر (كولو 3/ 12 - 14).

 

 بالنهاية يدعو بولس إلى عدم الانصياع إلى أهواء الجسد التي تجعل المسيحيّ ينهش أخيه ويبتلعه في وجوده وشخصه وكرامته، وبالتالي ينهش بنوّته الإلهيّة، فمن شأن رغبات الجسد أن تؤدّي إلى كلِّ خطيئة وفقدان المسيحيّ للحرِّيَّة الحقيقيَّة.

 

أمّا إذ طلبنا من بولس أن يساعدنا في تنمية المحبَّة والحريَّة معًا  فإنَّه يحيلنا على مدرسة الرُّوح القدس. وحده الرُّوح ينمّي فينا الحريَّة الإلهيَّة والمحبَّة الخادمة.

 

الحريَّة الإلهيَّة تدمّر شهوات الجسد والمحبَّة تدرّب على الإرادة الروحيَّة... والرُّوح يساعدنا في معركتنا المتواصلة بين الإنسان الجديد والإنسان العتيق. وبانتظار رجوع يسوع الأخير نصلّي إلى الرُّوح كي يملأنا من ثمار البرّ لمجد الله وحمده (فيلبي 1/ 9-11).

 

 

5- بولس رجل الالتزام والتضامن

غالبًا ما يضع بولس الرَّسول المعمّدين الجدد أمام اختيار حياتي لتحديد موقفهم المبدئيّ. ومن هنا منطقيّة الالتزام في السّلوك الذي نستطيع التعبير عنه ضمن اختيارين: "أمّا... وأمّا".

 

 فأمَّا أنت مع شريعة المسيح، وأمَّا مع شريعة العهد القديم، أمَّا أن تعيش حياة الرُّوح... وأمَّا أن تعيش بحسب الجسد. هذا الاختيار المعروض على الإنسان يذكّرنا بأقوال السيِّد له المجد عندما كان يطلب من سامعيه! أمَّا الله... وأمَّا

المال (مر10/ 23...) أمّا الطريق الضّيقة وأمّا الطريق العريضة (متى 7:13...) إلخ....

 

بالنسبة إلى الأخلاقيّة المسيحيّة، التي توسّع بها بولس خاصّة، ليس للحلول الوسط أو للمواقف المزدوجة، مكان.

 

ولعلّ خير تعبير عن ذلك، ما جاء في سفر الرؤيا: "إنّي عليم بأعمالك، فلست باردًا ولا حارًّا. وليتك باردًا أو حارًّا! أمَّا وأنت فاتر، لا حار ولا بارد، فسألفظك من فمي" (رؤ3/ 15-16).

 

من هنا يضع بولس المسيحيِّين أمام اختيار وحيد والالتزام به فيقول للغلاطيّين مثلاً: "فإذا كنا نحيا حياة الرّوح، فلنسر أيضًا سيرة الرّوح" (غلا 5/ 25) بقوله: "فلنسر أيضًا سيرة الرّوح، يغدو بولس "شرطي سير" على حدّ قول أحدهم وهكذا يتحوّل عمله الى توجيهنا نحو الالتزام بوجهة السير الصحيحة.

 

والسيّر في الرّوح ومعه يتطلّب التواضع والوداعة والابتعاد عن الحسد... وكلّها فضائل تقي صاحبها من الانزلاق ومن الحوادث الخطرة في مسيرته الروحيّة.

 

ما يميّز بولس في تعليمه أنّه، ككلّ ملتزم، منطقيّ مع ذاته.

 

فنجد في كلّ رسالة من رسائله صدى لما يقوله في رسالة أخرى. ففي رسالته إلى الرُّومانيّين، يعود ويلزمنا بمسيرة الرُّوح التي حدّثنا عنها في غلاطية، لأنّ شريعة الرُّوح الذي يهب الحياة في يسوع المسيح قد حرّرتني من شريعة الخطيئة والموت (...) عليّ أن أسلك لا سبيل الجسد، بل سبيل الروح. (روم 8/ 2  و5).

 

وبما أنّ بولس هو رجل الالتزام، والالتزام هو دائماً إلتزام بالآخرين فليست المسيرة الروحيّة عند بولس، مسيرة أنانيّة، فرديّة، بل هي مشاركة مع الآخرين.

 

لا بل هي عمليّة إصلاحيّة مفروضة على الجميع، فإذا زلّ أحد، مثلاً، فعلى الملتزمين أن يهبّوا لنجدته وإخراجه من فخ الشرّ (2 تسا 3/ 14-15 ) ولكن "بروح الوداعة" أي أصلح أخاك أيّها الشاب بلطف وليونة فبولس يحذّرك من الغرور ويقول لك "لئلا تجرّب أنت أيضاً، فكلّنا معرّضون للوقوع في شرك الخطيئة".

 

ولعلّ مفهوم الالتزام عند بولس يذكّرنا بأنّنا لا نستطيع أن نكون سعداء بمفردنا، أي بمعزل عن الآخرين.

 

 كذلك يقول بولس لا نستطيع أن نعيش حياة الرّوح بمفردنا، أي بمعزل عن الآخرين.

 

من هنا مسؤوليّة واحدنا تجاه الآخر، ومن هنا أيضًا التضامن والمشاركة والوحدة في الحياة الروحيّة، لأنّك لو أردت أن تصل بمفردك الى السماء فلن تصل أبدًا ومن معنى وجود كلّ أخويّة!

 

جاء في أحد الكتب التي تتحدّث عن متسلّقي الجبال أن متسلّقي الجبال الثلجيّة يقومون برحلتهم الاستكشافيّة، معًا ويكون واحدهم موثوقًا الى الآخر بحبل خشية الانزلاق أو الضياع.

 

وتقع على متقدّم المسيرة مهمّة فتح الطريق وشدّ سائر رفاقه من ورائه. وعندما يتعب المتقدم يأخذ مكانه رجل آخر حاملاً عنه عبء المسؤوليّة.

 

يدعوك بولس أيّها الشاب وأيّتها الشابة أن تكونا على رأس قافلة متسلّقي القمم فهل لبّيتما النداء وكنتما على استعداد، كما يوصيكما بولس، "بحمل أثقال" الآخرين (غلا 6/ 2)!

 

 

وكم أثقال في حياة الجماعة التي تنتميان إليها فها أنتما مستعدان لمدّ العون ولزرع الخير والبسمة والتفاؤل في محيطكما؟

 

 

6- بولس رجل التعايش

 لقد ركّز بولس في رسائله على عرض المبادئ من جهة، وعلى كيفيّة تطبيقها عمليًا ، بحيث يحيا المسيحيّ عاملاً ضمن الجماعة إلى ما  غايته السلام والبنيان المتبادل "فيسّبح الجميع" الله أبّا ربنا يسوع المسيح بقلب واحد ولسان واحد.

 

ولكن لا تمضي الحياة المسيحيّة على أيّام بولس ولا حياة الجماعات المعمّدة حديثًا بدون صعوبات وإشكاليّات ومعظمها يتعلّق بالتعايش الأخوي بين المؤمنين المسيحيّين من أصل يهودي، وبين من هم من أصل وثني.

 

 

لقد كان التعايش صعبًا وهشًّا، بين مسيحيي روما، وظهر عدم قبول الآخر، بحيث أرادت كلّ فئة أن تجبر الفئة الأخرى، بالعيش حسب قوانينها وطريقتها.

 

 

 لقد أصبحت الكنيسة الرومانيّة تواجه خطر الانقسام الى جماعتين، تنحدر الأولى من أصل يهودي، وتمارس ايمانها بيسوع محافظة على شريعة موسى التي تغلق الباب في وجه كلّ وثني راغب بالانضمام الى جماعة المسيحيّين. والأخرى تعود الى جذور وثنية قطعت كلّ الروابط بينها وبين المسيحيّين من أصل يهوديّ. إن خطراً كهذا ليس بسيطًا، لأنّه قادر على نسف أهم الأسس للحياة الكنسية.

 

هذه الثنائية وما اليوم التعددية الثقافية محكوم على شبابنا ان يتعايش معها اليوم لا بل أن يتفاعل معها ليبقى الوطن، كما قال عنه البابا يوحنا بولس الثاني، رسالة تعايش وانفتاح وحوار بين الديانات والحضارات، ومن كشبيبتنا في أخوياتها تستطيع حمل هذه الرسالة واغنائها وعيشها بقناعة وسلام؟.

 

المطران شكرالله نبيل الحاج