ماذا يعني "التبشير"؟

 

 

 

ماذا يعني "التبشير"؟

 

 

مقدّمة، التعقيد في العمل التبشيري

 

إنّ البابا بولس السادس يؤكّد في رسالته حول "واجب التبشير بالإنجيل"، أنّ في العمل التبشيريّ الكنَسيّ، هناك بعض عناصر ومظاهر تشكّل جزءًا أساسيًّا منه، فيُضحي من الواجب ألاّ تغيب عن ذهننا؛ أمَّا البعض الآخر منها فيرتدي هكذا أهميّة حتى أنّه يخلق فينا ميلاً طبيعيًّا يجعلنا نحسبَه من أعمال التبشير.

 

 فمن هنا استطعنا تحديد هذا التبشير بتعابير أمثال: "إعلان المسيح أولئك الذين يجهلونه" أو "الوعظ والإرشاد"، أو "التعليم الدينيّ" و"العماد وتوزيع بقيّة الأسرار".

 

إنّما ليس هناك أيّ تحديد جزئيّ يعكس الواقع المعقَّد والدينامي الذي يحمله التبشير في طيّاته، بدون المجازفة في إفقاره وَبَتْرِه. فينتج من ذلك العجز عن إدراك كُنهه إلاّ إذا أحَطْنا بجميع هذه السِمات الأساسيّة كلّها معًا.

 

 

أوّلاً - تجديد البشريّة

إنّ التبشير يعني بالنسبة إلى الكنسية، حمل "البشرى السارّة" إلى جميع أوساط الأرض، ومن ثمّ تجديدها إنطلاقًا من الداخل، ووصولاً إلى كلّ الإنسان، حسب سفر الرؤيا ورسائل مار بولس إلى القورنتيين والغلاطيين: "قال الجالس على العرش: هاءَنذا أجعل كلّ شيء جديدًا" (رؤيا 21/ 5؛ 2 كور 5/ 17؛ غلاطية 6/ 15).

 

 

 تلك هي العلاقة الأفقيّة والعلاقة العموديّة، في الإمتداد والعمق.  إنّه حَملُ الإنجيل، ليس فقط إلى مجموعة البشر، بل وأيضًا إلى كُلّية الإنسان!

"إنّه تحويل البشريّة ذاتها، إنطلاقًا من الداخل". إنّ نصّ سفر الرؤيا المذكور أعلاه يأخذ معناه الكامل من التجديد الحاصل، بنوع خاص، من قوّة قيامة المسيح التي ليس التبشير إلاّ توقُّعًا لها.

 

 ليس هذا التجديد إذًا إلاّ التجديد الوحيد بالإنجيل. والإقتناع الذي يشكّل أساس كلّ هذه المفاهيم، هو أنّ الإنسانيّة تتكامل وتتكمَّل إنطلاقًا من نعمة المسيح وحدها.

 

وهكذا فإنّ طغائيّة التبشير، بالنسبة إلى البابا بولس السادس، إنّما هي الإرتداد والتوبة في الوجدان الإنسانيّ الشخصيّ كما في الوجدان الجماعيّ، مع بَذْلِ الجُهْد الملتزمين به في حياتهم وبيئتهم العينيَّتين.

 

وكذلك لا يعني التبشير بالإنجيل إعلانه على مناطق جغرافيّة واسعة أو على شعوب وافرة العدد وفي ازدياد مُضطرد، بل يعني الإنطلاق من قوّة الإنجيل لإدراك وتحويل معايير الأحكام العقليّة، والقيم الحاسمة، ونقاط النفع، ومناهج الفكر، والمصادر الإيحائيّة، وأنماط حياة البشريّة التي تعاكس كلام الله والتصميم الخلاصيّ.

 

 

ثانيًا - تبشير الثقافات

"إنّ ما يهمّنا إنّما هو التبشير الحياتيّ، لا التزيينيّ والزخرفيّ، ذاك الذي يعمل في العمق حتى يدرك جذور الثقافة، لا بل الثقافات الإنسانيّة، وفي المعنى الوسيع والفنيّ للتعابير المتضمّنة في رسالة البابا ("فرح ورجاء"، 53)، إنطلاقًا من الشخص الإنسانيّ، مع استحضار دائم للعلاقات الإنسانيّة فيما بين البشر من جهّة، ومع الله من جهّة ثانية".

 

وإنّ ميزات هذه الحيويّة هي التنظيم، والحداثة، والنموّ وإذا كان للثقافة دور تحضيريّ هامّ لتَقبُّل التبشير، فذلك لأنّ "الثقافة هي النمط في حياة أيّ شعب وموته"، على حدّ قول أحد المفكّرين.

 

إنّه نمط مجابهة الحياة وما هو وراء الجماعات البشريّة التاريخيّة أو الإتنية؛ ومن جهّة أخرى، فإنّ الفرد يحقّق ذاته في قلب الجماعة؛ وبهذا المعنى، يصحّ القول بأنّ التحقيق الذاتي، والفردي البحْت، هو غير ممكن الحصول.

 

إنّ تحقيق الذات الجماعيّة إنّما هو ذاك الذي يسمح بتحقيق الذات الفرديّة، بدون إنكار مفهوم المُطلق الكامن في كلّ شخص إنسانيّ.

لكنّ العلاقة بين الثقافة والإنجيل ستحافظ دائمًا على طابع خاصّ يعبّر عنه البابا بولس السادس بوضوح:

 "إنّ الإنجيل والتبشير به لا يتماهيان إطلاقًا مع الثقافة، ولذا يبقيان مستقلَّين عن جميع الثقافات؛ وفي الحقيقة، إنّ الملكوت الذي يعلنه الإنجيل هو مُعاش بين أناس متّصلين إتّصالاً عميقًا بثقافة، لكن بنيان هذا الملكوت لا يمكنه من أجل ذلك، وعلى كلّ حال، أن يتّخذ له عناصر من الثقافة أو الثقافات البشريّة كافة. ومع هذه الإستقلاليّة، لا نفهم أنّ الإنجيل والتبشير هما بصورة ضروريّة، متناقضان أو متعارضان مع الثقافات، بل هما قادران على تلقيحها بدون أن يرضخا إلى تأثير إحداها عليهما.

 

وهكذا، بما أنّه من غير الممكن أن نرى الإنجيل والتبشير مرتبطَين، بصورة مطلقة، في ثقافة ما، إذ في ذلك إنكار لطابع رسالتنا الفائق الطبيعة، هكذا أيضًا لا يمكننا أن نراهما بدون صلة البتة مع هذه الثقافات، لأنّنا بعدم اتّخاذنا بعض العناصر منها نقع في إنكار الطابع التجسُّدي الذي تتميَّز به رسالتنا وكنيستنا المسيحيّة. ذاك هو توكيد الطابع الإنساني في حقيقتنا الإنجيليّة التي، بعيدًا عن هدم ثقافات الإنسانيّة، تحاول تكميلها كما كلّ شخص إنساني.

 

"إنّ التصدُّع الحاصل بين الإنجيل والثقافة هو، بدون شكّ، أحد مآسي زماننا، كما حصل ذلك في عهود أخرى، يقول البابا بولس السادس؛ من هنا ضرورة بذل كلّ الجهود استدراكًا لتبشير غيور باتّجاه الثقافة أو بالأحرى باتّجاه الثقافات؛ إنّ على هذه الأخيرة أن تتجدّد بلقائها مع "البُشرى السارّة"، لكن هذا اللقاء لن يبلغ غايته إذا لم تُعلن "البُشرى السارّة" و "ويُبشَّر بها".

 

 

ثالثًا - الأهميّة الأوّليّة لشهادة الحياة

قال البابا: "إنّ على "البُشرى السارّة" أن تُعلن قبل كلّ شيء آخر، من طريق الشهادة"؛ وهو يسمّي الشاهد "الإشارة الأوّلية من التبشير"، لأنّه يوقظ تساؤلات عديدة عند الناظرين. فإنّنا لن نعظ بالكلام وحده وإن يكن ضروريًّا بحدّ ذاته، بل قبل كلّ شيء، نَعِظ بالشهادة، والإنسجام بين ما نؤمن به وما نعمله؛ ونفترض أنّ هناك اتّصالاً بين البشر، بدون الكلام، وهو ما نسمّيه شهادة الحياة.

 

 فإنّ حياة صالحة هي من طبعها صارخة، وهي نداء ودعوة للآخرين. وبأي أسلوب نُعطي هذه الشهادة؟

 

فلنفترض، يقول البابا، أنّ مسيحيًّا أو فريقًا من المسيحيِّين الذين يُظهرون - في داخل الجماعة البشريَّة حيث يعيشون - قُدرتهم على التفاهم والتوافق، وقدرتَهم على الإتّصال الحياتيّ والمصيريّ مع الآخرين، وتضامُنَهم مع مساعي الجميع، في كلّ عمل شريف وحسن؛ ولنفترض أيضًا أنّهم يُظهرون بكلّ بساطة وعفويّة، حُسن نيّتهم في مجال القيم التي تتخطّى القيم العاديّة، ورجاءهم في أمور غير منظورة لا نجرُؤ على التفكير بها؛ فماذا تكون نتيجة هذه الشهادة؟

 

ويجيب البابا على ذلك، بأنّ هؤلاء المسيحيِّين، من خلال شهادتهم هذه الصامتة، يكونون موضوع تساؤلات كالآتية: "لماذا هؤلاء المسيحيّون هم كذلك؟ لماذا يعيشون بهذه الطريقة؟ ومن يوحي إليهم بها؟ لماذا هم معنا؟

 

 

إنّ هذه الشهادة أصبحت، بحدّ ذاتها، إعلانًا صامتًا ولكنّه واضح وفاعل عن "البُشرى السارّة" أي الإنجيل؛ وإنّ في ذلك كما رأينا، "إشارة أوّليّة من التبشير". فمن الحياة ينبثق فورًا التساؤل "لماذا الحياة؟" وإنّ في كلّ سؤال جوابًا ضمنيًّا أو أقلّه، السؤال هو بدء الجواب.

 

إنّ مسؤوليّة التبشير لا تلحق جميع المسيحيِّين وحسب، بل هي على مستوى الجميع. إنّها مهمّة جسد الكنيسة حيث لكلّ عضو مكانه ودوره الخاصّ.

 

 

رابعًا - ضرورة التبشير التعبيريّ الواضح

إنّ العقول تجد طريقها نحو اليقين والإيمان، من طريق التبشير الواضح والجليّ: ذلك هو ما يسمّيه القدّيس بطرس: "إعطاء الدليل على رجائنا". (1 بطرس 3/ 15). وكذلك البابا بولس، فإنّه يشدّد على الضرورة المطلقة في الإستعداد على التبشير الواضح من خلال الإلقاء الصافيّ والشفّاف.

 

والتبشير بأيّ موضوع؟ بعقيدة، ولكن قبل كلّ شيء، بشخص هو السيّد المسيح.

 

فإنّنا، نحن المسيحيِّين، نَسجد للمسيح الكلمة الذي تجسَّد؛ وهذا السجود قد كلّفنا كثيرًا من الدماء على مدى الأجيال، وكذلك كلّفنا عديدًا من الإنقسامات في الكنيسة. فإنّ شهداء كلّ الأزمنة قد ماتوا من أجل عقيدة، لكنّ شفاههم كانت تتلفّظ دومًا بإسم شخص هو يسوع.

 

 إنّ أكثريّة الهرطقات قد بزغت من نكران تجسُّد السيّد المسيح: الأمر الذي دفع القدِّيس يوحنّا الإنجيلي فكتب قائلاً: "بهذا تعرفون روح الله: إنّ كلّ عقل يعترف بيسوع المسيح المتجسّد، هو من الله؛ وكلّ عقل يقسم المسيح ليس من الله: إنّه روح المسيح الدجّال الذي يوجد منذ الآن، في العالم".

 

ولأجل ذلك قال البابا: "إنّ البُشرى السارّة المُعلنة بشهادة الحياة، ينبغي لها، عاجلاً أم آجلاً، أن تُعلن بكلمة الحياة. فليس هناك تبشير حقيقيّ، إذا لم نعلن اسم يسوع الناصريّ ابن الله، وعقيدته، وحياته، ومواعيده وملكوته، وسرَّه في آنٍ معًا".

إنّ حكمة الواعظ تقوم على إعلان الرّسالة باللغة الملائمة لأبناء زمانه ومكانه، مع بقائها في أمانة دائمة إلى التقليد الحيّ الكنسيّ، كما إلى العقيدة التي هي تشكّل جزءًا منها. وذلك لأنّ هدف الوعظ هو التوجيه نحو إنخراط الشّعب الحيويّ والجماعة.

كما وأنّ الإيمان الصعب يُصَمَّم في الأخلاق المسيحيّة، ويتضمَّن ليس "كيانًا" وحسب، بل "حياة" هي حياة الجماعة بحسب العقيدة الإنجيليّة.

 

 وفي الواقع، إنّنا لن ندرك تبشيرًا حقيقيًّا إذا لم يبلغ هذا أوجَهُ بالدخول الفَرِح في الكنيسة المنظورة وغير المنظورة في آن معًا. من هنا يمكننا الخلوص إلى العلاقة الموجودة بين الرّسالة وقداسة الحياة، التي هي كالهدف الأخير من كلّ تبشير.

                                                                   الأب يوحنّا سليم سعاده

                                                                              ر.ل.م